مونديال 2026: أقدام ذهبيةّ تغادر وكرة ذكيّة ترسم المستقبل

رنا البايعالأربعاء 2026/06/10
تجمعات أمام الملعب في المكسيك حيث تجرى مباريات المونديال (غيتي)
سجلت الدول العربية رقماً قياسياً بوجود ثمانية منتخبات تشارك في المونديال (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتّجه أنظار الكوكب غداً نحو ملعب "أزتيكا" الأسطوري في المكسيك، حيث تقصّ كرة القدم شريط نسختها الأضخم والأكثر تعقيداً في التاريخ. مونديال 2026 ليس مجرد بطولة عابرة، بل هو "ثورة تكتيكية ولوجستية" تعيد رسم ملامح اللعبة؛ إذ يجمع لأول مرة 48 منتخباً يتنافسون في 104 مباريات فوق أراضي ثلاث دول عملاقة (الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك). ويطلق العنان لرحلة شاقة تمتدّ لفترة قياسية 39 يوماً، لن يظفر بكأسها إلا من يمتلك نَفَساً طويلاً يقود المواجهات الثمانية كاملة. ورغم أن خلف الستار الرياضي تلوح رغبة "الفيفا" في مضاعفة عوائدها الاستثمارية، إلا أن الجمهور سيكون على موعد مع نسخة استثنائية، تبدأ من عراقة ملعب "أزتيكا" وتنتهي بإثارة ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي.

 

كرة ذكية وثورة القوانين الجديدة

ولا تتوقف استثنائية هذا المونديال عند الجغرافيا والسياسة، بل تمتدّ لتحدث ثورة تكنولوجية وتنظيمية في تفاصيل اللعبة؛ إذ يشهد المونديال استخدام الكرة الذكية "تريوندا"(TRIONDA)  من تصميم شركة "أديداس" للمرة الأولى، والتي جاءت بألوانها الحمراء والخضراء والزرقاء لتمزج الرموز الوطنية للدول المستضيفة، متمثلة في ورقة القيقب لكندا، والنسر للمكسيك، والنجمة للولايات المتحدة. وتكمن قيمة هذه الكرة في تقنيتها الداخلية المتطوّرة القادرة على تتبّع الحركة بدقّة متناهية وبسرعة فائقة تصل إلى 500 هرتز. مما يتيح إرسال بيانات فورية إلى غرفة حكم الفيديو المساعد (فار)، تسهم في تمكين طاقم التحكيم من اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة، لا سيما عند الفصل في حالات التسلّل المعقّدة.

وبالتوازي مع هذه القفزة التكنولوجية، فرضت البطولة حزمة من القواعد التحكيمية الجديدة التي تطبّق لأول مرة، بهدف تسريع إيقاع اللعب وتقليص الوقت الضائع؛ حيث بات بإمكان الحكام تطبيق عدّ تنازلي مدّته خمس ثوانٍ فقط على ضربات المرمى ورميات التماس، وفي حال تخطيها يُعاقب الفريق باحتساب ضربة ركنية أو رمية تماس للفريق المنافس. كما ألزمت القوانين الجديدة اللاعبين المستبدلين بمغادرة أرضية الملعب في غضون عشر ثوانٍ، وإلا واجه اللاعب البديل عقوبة الانتظار دقيقة كاملة قبل السماح له بالدخول.

ولم تتوقف التحديثات عند هذا الحد، بل اتّسعت صلاحيات تقنية "الفار" لتشمل التّدخل لمراجعة البطاقة الصفراء الثانية للاعبين، فضلاً عن تدقيق الرّكلات الركنية التي تُمنح بشكل خاطئ، في خطوة تعكس السعي نحو عدالة تحكيمية مطلقة ومباريات أكثر إثارة وسرعة.

 

الرقصة الأخيرة وحسابات التتويج

إلى جانب الصخب اللوجستي، تحمل هذه النسخة بُعداً عاطفياً خاصاً، إذ تشكّل المحطة الأخيرة لعدد من أبرز نجوم الجيل الذهبي في تاريخ كرة القدم العالمية، والذين يسعون لتوديع المونديال بإنجاز تاريخي قبل إسدال الستار على مسيرتهم الدولية، وفي مقدمتهم كريستيانو رونالدو، وليونيل ميسي، ونيمار، ومانويل نوير. وتتّجه الأنظار تحديداً نحو القائد البرتغالي رونالدو في ظهوره المونديالي الأخير، حيث يمثّل فوز بلاده بالكأس التتويج الأسمى لمسيرة أسطورية شارفت على نهايتها.

 

منتخبات في الصدارة

تتصدّر القوى التقليدية الكبرى في عالم كرة القدم كالعادة لائحة المرشحين؛ حامل اللقب الحالي، الأرجنتين، إلى جانب القوى الأوروبية العريقة وعمالقة أميركا الجنوبية. وفي هذه النسخة المونديالية تحديداً، برزت معطيات جديدة تفرض أن تكون "قوّة دكة البدلاء" وعمق التشكيلة بأهمية النجومية والأسماء الرنانة نفسها؛ إذ إن المشوار الطويل نحو اللقب، والذي يمتدّ لثماني مواجهات، سيكافئ الحماسة والفرق القادرة على المداورة والتناوب بين اللاعبين من دون المساس بالهوية الفنية أو تراجع مستوى الأداء.

على رأس قائمة المرشحين، تبرز إسبانيا، بطلة أوروبا، مدفوعة بمسيرة شبه مثالية في التصفيات، وتليها منتخبات إنجلترا، وفرنسا، والبرتغال بفرقها المدجّجة بصفوة نجوم العالم وبدكّة بدلاء مميّزة. وتتصاعد حظوظ منتخب هولندا، وصيف بطل العالم في ثلاث مناسبات سابقة، والذي يبحث عن معانقة مجد طال انتظاره تحت قيادة مدربه الخبير رونالد كومان.

 

تشاؤم ألماني

في المقابل، تخيّم أجواء من عدم التفاؤل داخل المعسكر الألماني؛ وكان النجم توماس مولر، المتوّج بمونديال 2014، اعترف بأن "منتخب بلاده الذي فاز بأربعة كؤوس عالم ليس ضمن دائرة الترشيحات الأولى هذه المرة، كون الفريق لا يزال في طور البناء والتطور". لكنّه أكّد في الوقت ذاته "ثقته بأن ألمانيا لن تكرّر سيناريو الإخفاق المرير الذي شهدته في النسختين السابقتين من كأس العالم".

أما في القارة اللاتينية، فتظلّ الأرجنتين، بصفتها حاملة اللقب، مرشحة طبيعية للاحتفاظ بتاجها، جنباً إلى جنب مع الغريم التقليدي منتخب البرازيل، الذي تفرض عراقته وتاريخه المرصّع بخمسة نجوم بقاءه في دائرة الرهانات، بصرف النظر عن تراجع أدائه في الآونة الأخيرة.

لكن روعة المونديال الحقيقية تكمن دائماً في كونه لا يعترف بالحسابات، بل يخبّئ أسراره ومفاجآته لمن يقاتل فوق العشب حتى الثواني الأخيرة.

 

حضور عربي قياسي 

على المقلب الآخر، يسجل الحضور العربي رقماً قياسياً بوجود ثمانية منتخبات تعكس التطور المتواصل للكرة العربية على المستوى الفني. وتحمل منتخبات المغرب، والجزائر، ومصر، وتونس، والعراق، والسعودية، وقطر، والأردن آمال ملايين المشجعين من المحيط إلى الخليج، وإن كانت تدخل المعترك المونديالي بحظوظ متفاوتة وتحديات متباينة.

وتُشير القراءة الفنية الأولية إلى أن الثلاثي المغرب ومصر والجزائر يمتلك الرهان الأضمن لتجاوز الدور الأول؛ إذ يقف المنتخب المغربي متسلحاً بإنجاز المربع الذهبي التاريخي في النسخة السابقة، مما يمنحه ثقة كبيرة في المجموعة الثالثة. ويبدو العبور أمام اسكتلندا وهايتي مسألة وقت، بينما يتلخص الطموح الحقيقي في مقارعة العملاق البرازيلي على الصدارة.

أما المنتخب المصري، بقيادة النجم محمد صلاح، فيقف أمام فرصة تاريخية لكسر عقدة الدور الأول التي لازمته في ثلاث مشاركات مخيبة سابقة، وذلك عبر مجموعة سابعة متوازنة تضمّ بلجيكا وإيران ونيوزيلندا.

 

مواجهات صعبة

في حين يعود المنتخب الجزائري إلى المحفل العالمي بعد غياب لنسختين، ليتحدى هيبة الأرجنتين في المجموعة العاشرة، حيث يبدو مرشحاً بقوة لتجاوز عقبة النمسا وحسم الديربي العربي المنتظر أمام الأردن، التي تدشّن حضورها المونديالي الأوّل في تاريخها.

أما بقية المنتخبات العربية فتصطدم بجدران قرعة شرسة تقلّص حظوظها منطقياً، وتفرض عليها استراتيجيات تكتيكية استثنائية لقلب التوقعات أمام عمالقة اللعبة. فالمنتخب السعودي يدخل المجموعة الثامنة في اختبار بالغ التعقيد يصدمه بقوتين كرويتين هما إسبانيا والأوروغواي إلى جانب الرأس الأخضر.

ومثله يعيش المنتخب التونسي مهمة شاقة في المجموعة السادسة ضد هولندا والسويد واليابان. ولا يبدو الحال أخفّ وطأة على المنتخب العراقي، الذي جاءت عودته بعد غياب دام أربعين عاماً عبر بوابة المجموعة التاسعة النارية، التي تضم فرنسا والسنغال والنرويج. بينما تبدو حظوظ المنتخب القطري، بطل كأس آسيا مرتين، أكثر توازناً وانفتاحاً في المجموعة الثانية التي ينافس فيها كندا وسويسرا والبوسنة.

 

السياسة تقتحم المستطيل الأخضر

لطالما كانت كبرى البطولات مناسبة لتنحية الخلافات جانباً وتقريب وجهات النظر، لكن مونديال 2026 يسجّل مفارقة استثنائية كأول نسخة تشهد أزمة لوجستية حادة بين دولة مستضيفة ومنتخب زائر في حالة حرب وخصومة تاريخية. فقد ألقت التوترات بين واشنطن وطهران بظلالها على "المستطيل الأخضر"، بعدما تسببت أزمة التأشيرات في حرمان المنتخب الإيراني من الاستقرار في معسكره المقرّر سابقاً في أريزونا، لينقل مقرّ إقامته إلى تيخوانا المكسيكية.

وبموجب هذا التدبير، سيعيش اللاعبون الإيرانيون تجربة شاقة عبر الدخول إلى الأراضي الأميركية ومغادرتها في أيام المباريات حصراً. هذه الواقعة دفعت بالاتحاد الإيراني إلى اتهام الولايات المتحدة بممارسة التمييز وتسييس الرياضة، مطالباً "الفيفا" بحماية القواعد الدولية ومحاسبة الجانب الأميركي على خرق صريح لروح اللعب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث