هرمز الرقمي: مضيق بلا شاطئ

نافع سعدالأحد 2026/06/07
إيران والعملات المشفّرة (غيتي)
لجأت إيران إلى العملات المشفرة وتبين أن المال الذي خبأته في الظل يمكن إبادته في وضح النهار (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

راهنت إيران على العملات المشفّرة لتُفلت من قبضة العقوبات، لكنها وجدت نفسها أمام أكثر الأنظمة المالية انكشافاً في التاريخ. لقد بُني السرد التأسيسي للـ "بلوكتشين" والعملات المشفّرة على وعدٍ بالتحرر من هيمنة الدولة، وخلق ملاذ مالي لامركزي يتجاوز نقاط الاختناق التقليدية، مثل نظام "سويفت" والعقوبات الدولية. غير أن وقائع الصراع الرقمي الموازي للصراع العسكري أثبتت نقيض هذا الوعد. فما رُوِّج له بوصفه أداةً للهروب من رقابة الدول تحوّل، في التطبيق العملي، إلى واحدة من أدق الأدوات التي تمتلكها الدول لمراقبة خصومها وتتبع أنشطتهم وشل قدراتهم الاقتصادية.

 

اختارت إيران أن تختبئ في هذا الفضاء، لكنها لم تدرك أنها اختارت، في الوقت نفسه، أن تدوّن جميع تحرّكاتها على لوحٍ زجاجيّ يراه الجميع.

 

ومن هنا يمكن فهم العلاقة المزمنة التي دأبت طهران على رسمها في المفاوضات الجارية بين أموالها المجمّدة وملف مضيق هرمز. هذه قصة من ثلاثة فصول تكشف كيف تحوّلت الوسيلة التي راهنت عليها إيران للالتفاف على العقوبات إلى نقطة ضعفها القاتلة، وكيف كُتبت تفاصيل ذلك كلّه على دفتر الحسابات المفتوح الذي اسمه البلوكتشين.

 

الفصل الأول: سقوط "نوبيتكس"

في صيف 2025، وخلال "حرب الاثني عشر يوماً" بين إسرائيل وإيران، أتت إحدى أعنف الضربات من لوحة مفاتيح. أعلنت مجموعة تُسمّي نفسها "العصفور المفترس" (Predatory Sparrow)، ويُرجَّح ارتباطها بالاستخبارات الإسرائيلية، اختراق بنك "سبه" (Bank Sepah) - الذراع المالي للحرس الثوري - وهذا ما أدّى إلى تعطّل الصرّافات وتوقف صرف الرواتب. ثم جاء الدور على "نوبيتكس" (Nobitex)، أكبر منصة عملات مشفّرة إيرانية، والتي تعالج وحدها نحو سبعين في المئة من تداولات البلاد.

 

اللافت أن المهاجمين لم يسرقوا، بل أحرقوا. فقد حوّلوا ما قدّرته شركة Elliptic بأكثر من تسعين مليون دولار إلى عناوين عبثية تحمل عبارات شتم للحرس الثوري؛ عناوين لا يملك أحد مفاتيحها، ولا حتى المهاجمون أنفسهم. أموال أُلقيت في بئر رقمي بلا قرار. كان الهدف رسالة لا غنيمة: المال الذي خبأته طهران في الظل يمكن إبادته في وضح النهار.

 

ومرّت أربعٌ وعشرون ساعة فقط حتى نشر المهاجمون الشيفرة الكاملة لمنصة "نوبيتكس"، كاشفين أنها بُنيت أصلاً كأداة للالتفاف على العقوبات، عبر وحدات إخفاء ومسارات سرية لكبار العملاء تتجاوز فحوص الامتثال والتحقق من الهوية، المعتمدة في معظم تطبيقات تداول العملات المشفّرة.

 

الفصل الثاني: سلاح التجميد الرقمي

لو توقّفت القصة هنا لكانت مجرّد ضربة موجعة. لكنها لم تتوقّف. ففي أيلول 2025، ذهبت إسرائيل أبعد من ذلك: رسمت خريطة الشبكة المالية للحرس الثوري وعلّقتها على الجدار. فقد أصدر مكتبها لمكافحة تمويل الإرهاب قائمة تضم مئةً وسبعةً وثمانين عنوان محفظة، قال إنها تلقّت عبر الزمن نحو مليارٍ ونصف مليار دولار من عملة Tether المستقرّة (USDT)، بحسب تحليل شركة Elliptic.

 

الأساس في هذا النموذج أنه، على عكس الدولار الورقي الذي لا يترك أثراً، فإن USDT عملة تصدرها شركة خاصة تملك زرّ التجميد. وخلال أربعٍ وعشرين ساعة، جمّدت Tether تسعاً وثلاثين محفظة. وتؤكد الشركة نفسها أنها جمّدت تاريخياً ما يزيد على أربعة مليارات دولار، وأنها تعاونت مع مئات من جهات إنفاذ القانون حول العالم. وبذلك، حين حوّلت إيران جزءاً من مدّخراتها إلى USDT، سلّمت عملياً مفاتيح خزائنها إلى شركة أميركية لها تاريخ من التعاون مع وزارة الخزانة الأميركية.

 

أمّا قراءة هذه الخريطة فتتم عبر شركات تحليل مثل Chainalysis وElliptic وTRM Labs، التي تحوّل فوضى العناوين إلى شبكات مفهومة: من أرسل إلى من، ومتى، وبأي قيمة. هكذا انقلب الوعد باللامركزية إلى أداة مراقبة مركزية شديدة الدقة. وتقدّر Chainalysis أن عناوين مرتبطة بالحرس الثوري تلقّت أكثر من ثلاثة مليارات دولار في عام 2025 وحده، أي أكثر من نصف الاقتصاد المشفّر الإيراني. ويمتد هذا الشريان، عبر USDT على شبكة Tron، إلى حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن: مسار واحد بات مكشوفاً على دفتر عام.

 

ولم تتأخر واشنطن في استثمار هذا الانكشاف؛ ففي نيسان 2026 جمّدت وزارة الخزانة الأميركية، في يوم واحد، ضمن حملة أطلقت عليها اسم "العاصفة الاقتصادية"، نحو 344 مليون دولار من USDT نسبت إلى الحرس الثوري وحزب الله.

 

الفصل الثالث: مقامرة "هرمز Safe" الخاسرة

في الفصل الأخير، تحاول إيران عكس المعادلة: أن تستعيد هرمز رقمياً بعد أن خسرت معاركها على البلوكتشين. ففي أيار 2026، أسست طهران "هيئة إدارة مضيق الخليج الفارسي" (PGSA)، ثم أعلنت عبر وكالة "فارس" عن منصة باسم "هرمز Safe": تأمين بحري يُدفع بالبيتكوين، خارج نظام "سويفت" تماماً، للسفن العابرة. وتُقدَّر رسوم العبور المُعلنة بأكثر من عشرة مليارات دولار سنوياً، لكن الحذر واجب. فهذا الرقم صادر عن جهة مقرّبة من الحرس الثوري، استناداً إلى وثيقة غير منشورة، ولم تتحقق منه أي جهة مستقلة، فيما لا يزال الموقع الإلكتروني لـ"هرمز Safe" غير مُفعّل ويكتفي بصفحة "قريباً". ويُعدّ رجل الأعمال المثير للجدل بابك زنجاني العقل المدبّر والمروّج لهذا المشروع، وهو الذي أدار سابقاً تعاملات مشفّرة بقيمة 850 مليون دولار لصالح الحرس الثوري عبر منصات مركزية للالتفاف على العقوبات.

 

والأهم أن الفكرة تحمل بذور فشلها: فأي سفينة تدفع بالبيتكوين تترك أثراً دائماً على السلسلة، يكشفها للجهات نفسها التي تتعقّب الحرس الثوري. يقول آري ردبورد من TRM Labs بوضوح إنه "متشكّك"، وإنه لا توجد بيانات تشير إلى تدفّقات كريبتو بهذا الحجم كرسوم عبور.

 

وهكذا تكتمل مفارقة "هرمز الرقمي". ففي الوقت الذي استطاعت فيه إيران التحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وجدت نفسها مالياً في فضاء مفتوح بلا شاطئ. حاولت فرض معادلة أشبه بهجمات الفدية الرقمية (Ransomware)، لكن دفتر الحسابات الذي ظنّت أنه ملاذها ظلّ مكشوفاً أمام خصومٍ أسرع قراءةً، أدق تتبعاً، وأكثر قدرة على التحكم به.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث