جنوبيون في تغريبتهم: تعبنا من الحرب والحق عالدولة كمان

محمود وهبةالجمعة 2026/06/05
WhatsApp Image 2024-10-18 at 08.59.17_6f43e7c6.jpg
أبناء جبل عامل كانوا جزءاً من تكوين البلد منذ لحظة تكوينه (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

تروي هذه الحلقات على دفعات شيئاً من الحرب، وما تفعله بالأمكنة داخل أهلها. هنا، يروي نازحون جنوبيون تغريبتهم، ويعودون إلى جبل عامل كما يسكن في ذاكرتهم، قرىً ومدناً وبيوتاً، وأمكنة نجت أحياناً، وتغيّرت أحياناً، واختفت أخرى. أصوات مختلفة وأجيال مختلفة تروي الوجع نفسه والمشهديّة نفسها مع فارق تبدّل الّأمكنة والأسماء. هنا حلقة ثانية.

 

حين أسأل أحمد، ابن بلدة القصيبة الجنوبية، ماذا يعني أن تكون من جبل عامل، يجيب كمن يعرّف منطقته الجغرافية أو يشرح الحدود أو الخرائط. يجيب وفي قلبه حسرة لاذعة ويدبجُ شيئاً من سيرته الطويلة. يفتتح محدِّثي كلامه بالقول إنّ جبل عامل بالنسبة له، هو منطقة عاشت طويلاً وهي تشعر أنها على الهامش. منطقة مهمّشة منذ العام 1860، خضعت طويلاً للاستبداد العثماني، وعاشت شعوراً متراكماً بأنّ المركز موجود دائماً في مكان آخر. يكملُ في سرديّته أنّ الأقليات في ذلك الزمن كانت تعيش أشكالاً مختلفة من التهميش، وخصوصاً الطائفة الشيعية، في الوقت الذي كانت جماعاتٌ أخرى تملك مرجعيات ورعاة وحمايات سياسية أو دينية، وجبل عامل يشعر أنه متروك أكثر من غيره. يصمت أحمد قليلاً، ثم يردفُ: "يمكن لهالسبب تعلّمنا نعتمد عحالنا".

 

أن تكون من جبل عامل

أسأله: ماذا يعني أن تكون من جبل عامل؟ فينقلني إلى مكان آخر. هناك فكرة يعتبرها خاطئة أساسًا، وهي أن يُقال إن أبناء جبل عامل لم يكونوا يومًا جزءًا من لبنان أو بعيدين عن الحياة اللبنانية. يشرح فكرته من خلال الناس أنفسهم. بعد الحربين العالميتين، كان الشبان العاملِيّون، بعمر صغير، ينزلون إلى بيروت. يدخلون الورش. يعملون في البناء والحدادة والحرف والأعمال اليدوية والتجارة الصغيرة والصناعات المختلفة. يقول إن أبناء جبل عامل لم يكونوا خارج الحياة اللبنانية، كانوا جزءاً من تكوين البلد منذ لحظة تكوينه لا بل إنّ كثيرين منهم شاركوا، كعمّال وبنائين وحرفيين، في إعمار بيروت خلال الأربعينيات والخمسينيات وحتى السبعينيات. يكملُ الرجل السبعيني الذي أنهكته الحروب: "كنا ننزل عالعاصمة ونشتغل ونرجع"، يقولها كمن يحاول تصحيح صورة قديمة.

 

أكملُ معه بسؤالي كيف يصفُ الجنوب لشخصٍ لا يعرفه. يبتسم سريعاً ويقول: "الجنوب ابن هاي الأرض". ويشرح أنّ الجنوب عرف الهجرة باكراً، وأنّ الشباب الجنوبي تعلّم منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي أن المغادرة جزء من حياته. خرج كثيرون من النبطية وصور والقرى المحيطة. ذهبوا إلى أفريقيا، إلى البرازيل، إلى الأرجنتين. بعضهم لم يذهب فقط ليعمل، إنما وُفّقوا في تأسيس شركات ومؤسسات وشاركوا في إعمار مدن كاملة في بلدان الاغتراب. يكملُ: "الجنوب ولا مرة كان بيملُك ما يكفي لأولادو بس مع هيك ولادو حملوه معهم وين ما راحوا". 

 

صورة الضيعة القديمة

أنتقل معه لأسأله عن صورة الضيعة القديمة، فأجدُ أنّ نبرة صوته تغيّرت. كأنه يعود فجأة عشرات السنين إلى الوراء. يقول إنّ الضيعة، من العشرينيات وحتى 1982 تقريباً، كانت عبارة عن بيوت حجرية متلاصقة. العائلات كلها تعرف بعضها. الطعام يُتبادل بين البيوت. المونة تتوزع بين الجيران. وكان هناك مقامان أساسيان في القرية: الشيخ والمختار. "ما كان عنا رئيس بلدية" يقولها ويضحك قليلاً. ثم يبدأ بوصف مشهد كامل. الفتيات يتجمعن عصراً حول النبع والعين. الناس يملأون الماء. الحجّاج يجلسون في ساحة القصيبة. والشباب يجتمعون قرب المسجد.

 

ألاحظ في سياق السردية التي يرويها لي أنني كل ما ذكرتُ له الدولة أجد على وجهه شيئاً من الابتسامة الحيّة. ويضحك أكثر. "عن أي دولة عم تحكي؟" يكملُ قائلاً إن كثيراً من القرى لم تكن تملك تمديدات مياه أصلاً. الناس كانوا يشربون من العين ومن النبع، وأحياناً كانت الحيوانات تشرب من المصدر نفسه. يضيفُ: "الناس بغرفة والبهايم بغرفة". ثم يعود ويكرر الفكرة التي يريد تثبيتها: "الدولة كانت غايبة كلياً". 

 

السيد موسى الصدر

لكن الجنوب الذي يصفه أحمد لم يبقَ كما هو. شيئًا فشيئًا، دخل الفلسطينيون. دخلت التنظيمات. دخل السلاح. يقول إنه مع وجود الفدائيين الفلسطينيين، والصاعقة، ومنظمة التحرير، حمل كثير من شباب الجنوب السلاح. "كانوا مؤمنين إنو فلسطين قضيتهن ببساطة وبراءة وطيبة". ويضيف أنّ شباباً من الضيعة نفسها حملوا السلاح وقاتلوا إلى جانب الفلسطينيين، لأن كثيرين شعروا أن المعركة واحدة.

ثم أصل معه إلى اسم يتكرر أكثر من مرة: موسى الصدر. أسأله كيف رآه. فتنفرج أساريره لأجده يتحدث عن رجل دين هو في الوقت نفسه شخصية دينية وثقافية وسياسية بنظره حاولت بناء مجتمع كامل. يشرح لي ويكمل أنّ الصدر، منذ وصوله إلى الجنوب، حاول تأسيس مؤسسات، ومعاهد مهنية، وتعليم أكاديمي وفني، وأنشأ بيئات تعليمية تضم الحدادة والبناء والبلاط ومهنًا أخرى، لأنه كان يريد خلق شباب فاعل داخل بيئته، ولا يريد لهؤلاء الشباب المغادرة من البلاد. 

 

يكمل ليروي حادثة بقيت عالقة في ذاكرته. حصلت في ضيعتنا حادثة قتل. قُتل شاب عمره خمسة عشر عاماً. والقرية كلها بدأت تستعد للثأر. "هيك كانت العادات"، يقول أحمد. وصل موسى الصدر إلى منزل العائلة. جلس معهم. وفهم أن الأمور قد تذهب نحو الدم. يكمل عبدالله ويقول إنّ الشاب المقتول كان قد نجح في امتحان البروفيه قبل وفاته. يومها، اقترح الصدر فكرتين: إما بناء مسجد يحمل اسم الفتى، أو تحويل الدية، وهي قطعة أرض، إلى حديقة عامة عن روحه. يقول أحمد: "هيدا الشي كان جديد علينا". ويضيف أن أهل الضيعة اجتمعوا على فكرة واحدة: نبذ الثأر. "وصار في سلام اجتماعي بالضيعة وبالقرى المحيطة فينا".

 

كيف وصل حزب الله؟

ثم ينتقل في روايته إلى مرحلة أخرى، بين 1973 و1984، وهي المرحلة التي يقول إن حضور حركة أمل فيها كان كبيراً جداً. يشرح الفكرة كما فهمها هو. الدفاع عن الجنوب يجب أن يكون بيد أبناء الجنوب. يقول إن "أمل" زرعت عند كثير من الشباب فكرة أن الفلسطيني ليس من يجب أن يدافع عن الأرض الجنوبية، إنما أبناء الجنوب أنفسهم. يتحدث عن مواجهات، وعن جبشيت، وعن داوود داوود، وعن عمليات ضد الإسرائيليين. "كنا نشوفها ونعتبرها مرحلة ذهبية"، يرميها هكذا من دون تردد.

 

ويضيف مكملاً:" أمل لم تكن بالنسبة له مجرد سلاح. كانت مدارس وتعليماً ومحاولات لإيصال المياه، ومحاولات لبناء شيء يشبه الدولة، لأن الناس كانوا لا يزالون يشربون من العين والنبع، ولأن غياب الدولة بقي جزءاً من الحياة اليومية".

 

ثم أصل معه إلى السؤال الأخير: كيف جاء حزب الله؟ يصمت قليلًا. ثم يقول: "هلق المقاومة تغيّرت. صارت ورقة إقليميّة" يشرح فكرته. حتى أوائل الثمانينيات، كانت المقاومة مدعومة من النظام السوري. ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، وظهر مشروع جديد، يقوم على تصدير أفكار الثورة، وعلى أفكار محاربة الظالم والوقوف مع المظلوم. يروي إن بعض الشباب الجنوبيين وجدوا أنفسهم داخل هذه الأفكار الجديدة، وأن كثيرين أعجبتهم هذه الرؤية الجديدة للمقاومة. ثم يختم بهدوء: "ومن هون، إجى حزب الله سنة 1983 بس تغيّرت، ما بعرف إذا المقاومة بعدها متل أوّل، الأشيا تغيّرت، زمن أوّل تحوّل".

 

أنتهي معه لأقفل شيئاً من تذكار جنوبيّ، "إذا قلتلك تختصر لي جبل عامل شو بتقلي؟" يصمت طويلًا وينظر بحسرة كبيرة وتسليم لما جرى: "بلاد مترامية قررت تعتمد عحالها يا بيي، يمكن لأنو ما كان حدا ناطرها".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث