بعد سنوات على تحريري من سجون الاحتلال الإسرائيلي، أرى من الضروري الحديث عن تجربتي في المقاومة والاحتلال والاعتقال والتحرير.فها هو الاحتلال يعود إلى الجنوب بعد 26 عاماً على تحرير عام 2000، ويعود معه السؤال الوجودي: ما مصير أهل الجنوب في هذه المرحلة الكارثية؟
أروي في هذه السيرة أحد التحقيقات التي أجرها معي المحققون الإسرائيليون في وحدة الاستخبارات العسكرية في صفد في عام 1988. أذكر أن أول سؤال سألني إياه المحقق كان: لماذا تقاتل دولة إسرائيل؟ وقلت له من دون تردد: أقاتلها لأنها تحتل أرضنا في الجنوب".
علمت لاحقاً أن محدّثي لم يكن محققاً رسمياً في جيش الاحتلال، بل كان باحثاً من الجامعة العبرية يتدرب ويجري بحثاً في مادة العلوم السياسية والاجتماعية. وقد اعترف لي هو بهذا الأمر في آخر يوم من التحقيق، الذي جرى على مدى ثلاثة أيام.
نحن أصحاب الأرض
ما زلت أذكر تفاصيل هذا التحقيق الذي كان أشبه بنقاش ومحاججة سياسية. توجه إليّ المحقق بالقول: جيش الدفاع ذهب إلى لبنان لأجل طرد المخرب الفلسطيني. نحن لسنا ضدكم. عاجلته بالقول: اليوم لا وجود للفلسطيني في الجنوب. أهل الجنوب لبنانيون وهم أصحاب الأرض. فسارع إلى سؤالي: في حال خرجنا من الجنوب، ألن تقاتلونا من أجل فلسطين كما تقولون؟ أجبته بثقة: نحن نريد تحرير بلدنا، ونتضامن مع الشعب الفلسطيني في حقوقه. استفز محدّثي من جوابي وقال: أفهم منك أنكم تريدون مساندة الفلسطيني. فأجبته: نحن نساند قضيته العادلة سياسياً فحسب.
بدأ هذا الباحث، الغوص في كثير من التفاصيل. أذكر أنه سألني إذا كنت شيوعيّاً وعن السبب الذي دفعني للانتماء إلى الحزب الشيوعي. قلت له حينها: لست متعمقاً كثيراً في الفكر الشيوعي. أعرف الخطوط والعناوين العريضة لهذا الفكر. فقال لي: ماذا تقصد، حدد لي هذه الخطوط؟ أجبته ببساطتي: أعرف أنه فكر علماني، نقف إلى جانب الفقراء لتحقيق العدالة الاجتماعية، ونحن مع حرية الشعوب.
لماذا لا تقاتل مع أمل وحزب الله؟
أراد أن يفحمني وقال كمن وجد طريقاً لإحراجي: أنا مع هذه الأفكار التي ذكرتها، ودولة إسرائيل تحقق هذه الأشياء بالفعل، وأنا لست شيوعياً. فأجبته بعفوية: لكنك ودولتك لستما مع حرية الشعوب، بل تحتلون بلدي في لبنان، وتحتلون فلسطين. فأين حرية الشعب الفلسطيني؟ تنهّد كمن وجد عليّ مكمشاً وقال: يبدو أنك تعرف الكثير، وغير ما حاولت الإيحاء به منذ قليل. فقلت له: نعم أعلم جيداً ما أقول. وأي إنسان عاقل يعرف هذا الشيء الذي أقوله عنك.
غيّر المحقق الحديث وحاول الغمز من قناة الطائفية، وقال: أنت شيعي، فلماذا لا تنتمي إلى حركة أمل أو حزب الله وتقاتل في صفوفهما؟ فأجبته بإصرار تأكيداً على أفكاري: قلت لك إنني أؤمن بالفكر العلماني لا الطائفي، ولست متديناً. فعاجلني بالقول: لكن لبنان مقسّم إلى طوائف، وكل منطقة لها حزبها وزعيمها الطائفي. فقلت له: نعم هذا صحيح. زد على ذلك أن لبنان يعيش اليوم حرباً أهلية للأسف. هذا هو الواقع. لكن ليس كل اللبنانيين طائفيين وأنا منهم.
لماذا لا تحب ميشال عون
انتقل المحقق-الباحث إلى مواضيع سياسية كانت تحصل في لبنان. افتتح حديثه بالقول: هل تعرف ماذا يجري الآن في لبنان؟ قلت له: كيف لي أن أعرف، وقد مضى عليّ ثلاثة أشهر في زنازينكم؟
غيّر الموضوع وسألني: هل تحب ميشال عون؟ فقلت على الفور: لا. حاول الإيحاء أنه يستغرب جوابي هذا وقال: لكن عون أصبح رئيس الجمهورية، وأمين الجميل ذهب إلى فرنسا. وميشال عون شخص جيد، فهو يريد إخراج السوري من لبنان. فلماذا لا تحبه؟ أجبته ببداهة: عون يطالب بخروج السوري من لبنان ولم يطلب أبداً خروج إسرائيل منه أيضاً. فتوجه إلي بمكر قائلاً: الآن بدأت تظهر مهاراتك السياسية، عكس ما حاولت الإيحاء به منذ البداية بأنك بسيط. فأجبته بثقة: ما أقوله مجرد بديهيات في السياسة، وهي ما دفعني للقول إنني لا أحب عون.
حاول المحقق أن يحرجني وسأل: هل تريد أن يبقى السوري في لبنان؟ فأجبته: لا. أريد بلدي مستقلاً عنكم وعن السوري. أريد أن يخرج كل جيش ليس لبنانياً عن أرضي. فقال لي: لكنكم حلفاء مع سوريا. أجبته تأكيداً وقلت له: ما تقوله الآن صحيح. لكن دارت بيننا وبين السوري معارك كبيرة عند دخوله إلى لبنان. أخرجوا أنتم من لبنان، والسوري حينها يخرج بشكل تلقائي.
تهمتك مخرب وإرهابي
توسع المحقق في حديثه حول الجيش السوري، هو العارف بمدى انقسام اللبنانيين حول وجوده، وقال: هل تصدق أن السوري سيخرج من لبنان في حال خرجت دولة إسرائيل منه؟ أجبته بسرعة: أكيد. حينها لا مبرر لبقاء سوريا في لبنان. ابتسم بمكر وقال: إن شاء الله".
انتقل المحقق إلى حديث آخر وسألني: قلت لي إن حدود محاربتكم لنا هي حدود لبنان، وفي حال خرجنا لن تواصلوا عملياتكم العسكرية ضدنا في إسرائيل. أجبته بالقول: نحن ما يهمنا لبنان، واسم مقاومتنا وطنية لبنانية.
غيّر المحقق حديثه مرة ثانية وقال لي: أنت ستحاكم في المحكمة وفق القانون الإسرائيلي، وتهمتك مخرب وإرهابي. سارعت إلى سؤاله: لديكم إسرائيليون يرفضون احتلال لبنان، ويخرجون إلى الشارع بمظاهرات مطالبين بالانسحاب، هل هم إرهابيون؟ فرد عليّ بالقول: أكرر ما قلت سابقاً يبدو عليك أنك لست بسيطاً، بل مطلع على ما يجري عندنا أيضاً، وسألني: هل تعرف من هم هؤلاء الذين يتظاهرون؟ فأجبته بالقول: أعرف أن في إسرائيل حزب راكاح الشيوعي وجهات عدّة تريد السلام وتعترف بحق الشعب الفلسطيني على أرضه.
نظر إلي المحقق مخفياً ابتسامة لم أعرف مقصدها وقال: حسناً، أنت تعرف راكاح إذا، ومن المؤكد أنك تقرأ محمود درويش وأميل حبيبي وسميح القاسم طالما أنك شيوعي. لقد انتهى التحقيق معك اليوم، لكنني سأعود وأكمله غداً.
