جيفارا عيترون: أربع سنوات في قلعة الشقيف على خط النار

حسن محمد صبراالخميس 2026/06/04
الجنوب قلعة الشقيف صباح اليوم(لطف الله ضاهر)
يتذكر جيفارا ليس المعارك فحسب بل التفاصيل الصغيرة التي تختصر حكاية قلعة الشقيف (لطف الله ضاهر)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تبدأ معركة قلعة الشقيف في حزيران 1982، ولم تولد أسطورتها يوم اقتحمتها القوات الإسرائيلية في الأيام الأولى للاجتياح. حينها سقطت القلعة ووصلت الحكاية إلى ذروتها. أما البداية الحقيقية فكانت قبل ذلك بسنوات؛ أي في المرحلة الممتدة بين عملية الليطاني عام 1978 والاجتياح الإسرائيلي الكبير للبنان عام 1982.

 

في تلك السنوات، كانت قلعة الشقيف أكثر من معلم أثري يعود إلى العصور الصليبية. كانت موقعاً عسكرياً حياً، ومركز مراقبة متقدماً، ورمزاً متصاعداً للمقاومة الفلسطينية واللبنانية في الجنوب. ارتفاعها الشاهق جعلها تشرف على مساحات واسعة من الجليل المحتل والقطاع الجنوبي من لبنان، فيما كانت تطل على المحاور العسكرية والطرق الممتدة بين الحدود الفلسطينية المحتلة وعمق الجنوب اللبناني. ولهذا السبب تحولت إلى هدف دائم للجيش الإسرائيلي، الذي أدرك مبكراً أن من يسيطر على الشقيف يملك عيناً مفتوحة على المنطقة كلها.

 

عين الجنوب على الجليل المحتل

تكتسب القلعة أهميتها العسكرية من موقعها الاستراتيجي الفريد. فقبل إعلان الرائد سعد حداد منطقته العسكرية المنفصلة، كانت تشكل نقطة مراقبة متقدمة تتيح رصد التحركات داخل الأراضي المحتلة ومتابعة النشاط العسكري الإسرائيلي على امتداد الجليل. ولم يقتصر دورها على الرصد والاستطلاع، بل وفرت إمكانية التعامل بالنيران مع أي تقدم عسكري في المنطقة، ولا سيما باتجاه المخيمات الفلسطينية ومواقع المقاومة المنتشرة في الجنوب.

 

الصعود بالحبال إلى الجبهة

بالنسبة إلى المقاتل الشيوعي السابق المعروف بلقب "جيفارا عيترون"، لم تكن القلعة مجرد موقع عسكري. كانت جزءاً من الحياة اليومية. يتذكر الطريق إليها أكثر مما يتذكر المعارك الأولى. "ما كان في درج"، كنا نطلع بالحبال" يقول. لم تكن السلالم الحالية موجودة، وكان الوصول يتم عبر حبال مثبتة على السفح الصخري. يحمل المقاتلون أسلحتهم وذخيرتهم ويصعدون نحو موقع معلق فوق الوادي.

 

في تلك المرحلة اقتصر الوجود العسكري داخل القلعة على مقاتلي الحزب الشيوعي اللبناني ومقاتلي حركة فتح. لم تكن الفصائل الأخرى حاضرة بصورة دائمة، فيما تولى الطرفان حماية الموقع. كانت المجموعات تتناوب على البقاء أسبوعاً أو أسبوعين، وكان الغذاء اليومي المعلبات وليس الطبخ والطعام الساخن. الحياة هناك كانت قاسية، والمؤن تصل بصعوبة، وغالباً عبر منظمة فتح. والماء والذخيرة كانا يصلان بشق الأنفس، لكن أحداً لم يغادر الموقع، كما أكد.

 

يتحدث جيفارا عن الشقيف كأنها سفينة حربية راسية فوق الجبل. كانت القلعة مزودة بأربعة رشاشات دوشكا موزعة على الجهات الأربع، ومدفع 106 ملم مضاد للدروع، ولاحقاً مدفع 75 ملم. وفي أسفل القلعة تمركزت القوة النارية الأساسية.

 

النجاة بأعجوبة

لكن السلاح الأهم كان المنظار. "كنا نشوف المستعمرات بالمنظار"، يقول. من فوق القلعة كان الجليل المحتل مكشوفاً، وكانت التحركات العسكرية تُرصد لحظة بلحظة من أرنون إلى يحمر وصولاً إلى عمق فلسطين المحتلة.

لم تكن القلعة معزولة عن محيطها السياسي. كانت تستقبل زيارات قيادات من الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل المقاومة الفلسطينية. كانت نقطة تماس بين العمل العسكري والسياسي، وبين الميدان والقرار.

 

في الشقيف، كان الموت أحياناً على بعد خطوة واحدة. يتذكر جيفارا حادثة بقيت عالقة في ذهنه. كان يجلس داخل دشمة ويتحدث مع رفيقه الفلسطيني في دشمة مجاورة. طلب منه أن يأتي ويجلس إلى جانبه. بعد برهة سقطت قذيفة 155 ملم في المكان الذي كان يجلس فيه رفيقه قبل لحظات، ونجا بالصدفة.بقي رفيقه صامتاً مذعوراً. ثم توجه إليه وقال له: "كنت عم تخيّل لو بقيت مطرحك، وضحكا معاً".  

 

الجنوب يتحول إلى جبهة مفتوحة

بعد عملية الليطاني، دخل الجنوب مرحلة جديدة. دعمت إسرائيل قوات سعد حداد في الشريط الحدودي، فيما أعادت الفصائل تنظيم مواقعها. ومع تصاعد العمليات، تحولت المنطقة إلى جبهة اشتباك مفتوحة، والقلعة إلى نقطة مراقبة دائمة تحت النار.

 

في آب 1980، تعرضت القلعة لهجوم واسع مدعوم بقصف جوي ومدفعي كثيف. وبالرغم من شدة القصف، لم تنجح إسرائيل في السيطرة على الموقع. كانت تلك المعركة اختباراً مبكراً لصمود القلعة، وإشارة واضحة لما سيأتي لاحقاً.

 

يتذكر جيفارا أن الهجوم بدأ بمحاولة تقدم مشاة، وليس إنزالاً جوياً. استمرت الاشتباكات طوال الليل، وكان المقاتلون داخل الموقع على تواصل دائم. ومن بين الأسماء التي بقيت في ذاكرته: الشهداء نجيب مصطفى، محمد الحج علي، وجمال شعيب. ومع الفجر دخل الطيران الإسرائيلي، وسقط عدد من الشهداء.

 

شهادة مقاتل فلسطيني

بين الأعوام 1978 و1982 كانت الشقيف تتعرض لقصف شبه يومي. المدفعية والغارات لم تتوقف، فيما بقي المقاتلون يتمسكون بمواقعهم رغم ضعف الإمكانات مقارنة بالتفوق الإسرائيلي. كانت حرب استنزاف صامتة قبل المعركة الكبرى. ففي السادس من حزيران 1982 بدأت عملية "سلامة الجليل"، والاجتياح الإسرائيلي الأكبر للبنان. تقدمت القوات على عدة محاور، ووضعت الشقيف منذ الساعات الأولى ضمن أهدافها الأساسية.

 

ووفق شهادة حيّة لأحد المقاتلين الفلسطينيين، الذين شاركوا في الدفاع عن المنطقة (أودعها لدى رفيقه اللبناني وحصلت عليها "المدن")، لم تكن معركة الشقيف محصورة داخل أسوار القلعة. فمع اقتراب الاجتياح، كانت هضبة الشقيف ومحيطها تضم مواقع قتالية وخنادق محصنة تابعة لحركة فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين، إلى جانب موقع للحزب الشيوعي اللبناني. وقد أُنشئت بعض هذه التحصينات خلال العامين السابقين للاجتياح، لتشكل مع القلعة نظاماً دفاعياً متكاملاً يشرف على طرق أرنون ويحمر والنبطية وسهل الحمراء.

 

ويروي في شهادته كيف تقدمت القوات الإسرائيلية نحو الشقيف من أكثر من محور، عبر القعقعية والنبطية وأرنون من جهة، ومن مرجعيون وجسر الخردلي وكفرتبنيت من جهة أخرى. وخلال التقدم تعرضت لنيران كثيفة من المواقع المنتشرة حول القلعة، كما واجهت حقول ألغام ومواقع رشاشة قبل الوصول إلى الهضبة. ومع اشتداد الضغط العسكري، انسحب عدد من المقاتلين من المواقع الخارجية والتحقوا بالدفاعات الرئيسية داخل القلعة، حيث خيضت المواجهة الأخيرة داخل الخنادق والتحصينات التي كانت قد أُعدت مسبقاً لمثل ذلك اليوم.

 

معركة داخل التحصينات

لم يبدأ الهجوم بإنزال جوي، بل بمحاولات تقدم سلاح المشاة. استمرت الاشتباكات طوال الليل. كان المقاتلون داخل القلعة يتواصلون مع الخارج تحت القصف. ومع الفجر دخل الطيران الإسرائيلي بكثافة، وتغير المشهد بالكامل.

 

دفعت إسرائيل بقوات من لواء غولاني. واجه الجنود مقاومة عنيفة داخل الخنادق والدشم، وتكبدت القوة المهاجمة خسائر كبيرة، وتحولت الشقيف إلى واحدة من أبرز معارك الأيام الأولى للاجتياح.

 

لكن بالنسبة إلى جيفارا عيترون، لا تختصر الشقيف بيوم واحد. هي أربع سنوات كاملة من الصعود بالحبال، والحراسة الليلية، والمعلبات، والمناظير، والرفاق الذين سقطوا أو نجوا بفارق ثوانٍ. لهذا بقيت الشقيف بالنسبة له أكثر من قلعة. بقيت رمزاً لمرحلة كاملة من تاريخ الجنوب اللبناني، حين كانت الحدود جبهة مفتوحة، وكان المكان نفسه جزءاً من الحرب اليومية.

 

اليوم، ما زالت القلعة فوق حوض الليطاني، تراقب الأرض نفسها التي شهدت تلك السنوات الثقيلة، وكأنها ما تزال تحتفظ بصدى من مرّوا فوقها ذات يوم. أما جيفارا عيترون، فعندما يعود بذاكرته، لا يتذكر المعارك فحسب، بل التفاصيل الصغيرة التي تختصر حكاية قلعة الشقيف وأهميتها. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث