جمعوا أمتعتهم ونزحوا مجدداً: لا خلاص لسكان الضاحية المنكوبة

نغم ربيعالاثنين 2026/06/01
زحمة سير من الضاحية باتجاه بيروت(علي علوش)
بدأت حركة نزوح سرعان ما اتسعت خلال دقائق. المشهد بدا وكأنه استعادة سريعة لأيام الحرب الواسعة (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

جاءت التهديدات الإسرائيلية الجديدة بقصف الضاحية الجنوبية لتعيد مشاهد النزوح وعاد عدم استقرار المنطقة إلى نقطة الصفر وخلت الضاحية من سكانها.

فما إن انتشرت التحذيرات حتى بدأت حركة نزوح سرعان ما اتسعت خلال دقائق. المشهد بدا وكأنه استعادة سريعة لأيام الحرب الواسعة: سيارات محملة بما تيسر من الأغراض، دراجات نارية تشق الطرقات المزدحمة، وعائلات تحمل حقائبها على عجل بحثاً عن مكان أكثر أمناً.

قبل موجة النزوح اليوم، لم تكن العودة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت بعد إعلان وقف إطلاق النار عودة كاملة إلى الحياة الطبيعية. صحيح أن آلاف العائلات فتحت أبواب منازلها مجدداً، وعاد أصحاب المؤسسات والمتاجر إلى أعمالهم، إلا أن معظم السكان تعاملوا مع تلك المرحلة بكثير من الحذر، مدفوعين بإدراك أن الهدنة ما زالت هشة وأن الضمانات الأميركية التي قيل إنها ستُجنب بيروت والضاحية أي استهداف إسرائيلي لا تكفي وحدها لإعادة الطمأنينة بشكل كامل.

مع ذلك، استقرت أعداد كبيرة من الأهالي في منازلهم مجدداً. بعض العائلات أعادت ترتيب حياتها اليومية، فيما استأنف آخرون أعمالهم ودراستهم، محاولين استعادة إيقاع الحياة الذي فقدوه خلال أشهر الحرب والنزوح. لكن هذا الاستقرار بقي مؤقتاً.

 

نزوح (مصطفى جمال الدين)

إخلاء الضاحية

مع بداية أيار استهدفت المقاتلات الحربية "مالك بلوط"، أحد قادة حزب الله في حارة حريك، وثاني أيام عيد الأضحى، عادت واستهدفت شقة في الشويفات، لمحاولة اغتيال أحد قادة حزب الله، كان قد نزح بعض الناس الذين عادوا إلى الضاحية. 

أما اليوم فعادت وتحولت مداخل الضاحية الجنوبية ومخارجها خلال دقائق قليلة، إلى شرايين مكتظة. آلاف الأشخاص يغادرون في اتجاهات مختلفة، بعضهم بسياراتهم الخاصة، وآخرون على دراجاتهم النارية، فيما فضل كثيرون السير على الأقدام هرباً من الاختناقات المرورية وتسابقاً مع الوقت. ولم يكن هذا الازدحام سوى انعكاس مباشر لمخاوف متجددة من تكرار مشاهد القصف التي عاشها السكان خلال الأشهر الماضية.

أما وجهات المغادرين فتباينت تبعاً لظروف كل عائلة. فبعض الأسر التي كانت قد أبقت على المنازل التي استأجرتها خلال الحرب، رغم عودتها إلى الضاحية بعد وقف إطلاق النار، عادت إليها فوراً. فيما لجأ آخرون إلى منازل أقاربهم وأفراد عائلاتهم في مناطق مختلفة من لبنان. في المقابل، غادر كثيرون من دون وجهة واضحة، مدفوعين بهاجس النجاة أكثر من أي شيء آخر.

"المهم أن نخرج"، عبارة تكررت على ألسنة عدد من السكان. بعضهم قال إنه سيتجه نحو البحر أو إلى أحد المطاعم والمقاهي ريثما تتضح الصورة، فيما فضل آخرون تمضية الساعات المقبلة في سياراتهم أو في أماكن عامة بعيدة عن المنطقة المهددة.

ولم تقتصر الحركة على المقيمين داخل الضاحية. فبعض الذين كانوا خارجها لحظة صدور التحذيرات تركوا أعمالهم وعادوا على عجل لجمع ما أمكن من الأغراض الأساسية قبل المغادرة مجدداً. كذلك عاد أشخاص لم يكونوا قد استأنفوا إقامتهم فيها منذ الحرب، لكنهم كانوا قد تركوا بعض ممتلكاتهم داخل منازلهم بعدما اطمأنوا إلى استقرار الوضع، ليجدوا أنفسهم اليوم يسابقون الوقت لاستعادتها تحت وقع التهديدات الإسرائيلية الجديدة.

ولم تقتصر تداعيات المشهد على الجانب الإنساني فقط، بل طالت أيضاً التلامذة الذين يستعدون لتقديم امتحانات الشهادة الثانوية الرسمية. ودعت بلديات المنطقة إلى إقفال المدارس إلى حين جلاء الأمور. علماً أنه في الأسابيع الأخيرة، كان كثير من الطلاب قد تمكنوا من استعادة قدر من الاستقرار بعد عودتهم إلى منازلهم أو استقرارهم في أماكن قريبة من مراكز الامتحانات المخصصة لهم. إلا أن موجة النزوح الجديدة أعادت خلط الأوراق مجدداً. ووجد الطلاب أنفسهم أمام واقع جديد، بين الانتقال إلى مناطق أخرى، والبحث عن أماكن إقامة بديلة، ومحاولة متابعة التحضير الدراسي وسط أجواء من القلق والترقب.

هكذا، لم يكن الخروج الجماعي من الضاحية مجرد حركة نزوح جديدة، بل تذكيراً قاسياً بأن الحياة التي حاول السكان استعادتها بعد وقف إطلاق النار ما زالت معلقة على إيقاع التهديدات الأمنية، وأن الاستقرار الذي بدا ممكناً قبل أيام فقط لا يزال هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث