استخدمتها في الحرب جنوباً: إسرائيل تسمّم لبنان بالغليفوسات

المدن - مجتمعالاثنين 2026/06/01
قوة مدرعات إسرائيلية في القرى الحدودية (غيتي)
تضر هذه المادة بالكائنات الدقيقة في التربة، وتؤثر على الكائنات المائية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعد موقع صحتك تقريراً موسعاً حول مادة الغليفوسات التي استخدمتها إسرائيل في جنوب لبنان لإبادة الأعشاب ومنع اختباء عناصر حزب الله. وسبق ونشرت منظمة "باكس للسلام" PAX for Peace  تقريراً حول هذه المادة والجدل المثار حولها بعد تكهنات باستخدامها ضمن عمليات رش مبيدات أعشاب في جنوب لبنان وسوريا، ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه المادة وتأثيراتها المحتملة على الإنسان والبيئة.

 

حماية المدنيين أولوية

في عالم يُفترض أن تحميه القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، يبقى الحق في الصحة والعيش في بيئة آمنة من أبسط الحقوق التي ينبغي ألا تكون محل نزاع أو مساومة. ومع ذلك، تتجدد المخاوف كلما ظهَرت تقارير تتحدث عن تعرّض مناطق مأهولة بالسكان لمواد كيميائية قد تحمل مخاطر صحية وبيئية، لتطرح أسئلة صعبة حول مدى احترام المعايير الدولية الخاصة بحماية المدنيين والبيئة، واليوم مع الحديث عن استخدام اسرائيل مادة الغليفوسات  Glyphosate  في جنوب لبنان يُعيد فتح هذا الجدال من جديد.

عندما يتعلق الأمر بمواد مثيرة للجدل مثل الغليفوسات، فإن القضية تتجاوز الجدل العلمي البحت لتلامس أبعاداً إنسانية وأخلاقية أوسع؛ إذ إن أي تعرض محتمل لمواد قد تؤثر في صحة الإنسان أو مصادر الغذاء أو الأراضي الزراعية يثير مخاوف مشروعة بشأن سلامة السكان وحقهم في العيش بعيدًا عن الأخطار البيئية.

 

في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لحماية المدنيين والموارد الطبيعية أثناء النزاعات، يرى مراقبون أن المجتمع الدولي مطالَب بمزيد من الشفافية والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق باستخدام مواد قد تترك آثارًا صحية أو بيئية طويلة الأمد. فصحة الإنسان ليست قضية سياسية، بل حق أساسي كفلته المواثيق الدولية لجميع البشر دون استثناء.

وسط هذه التساؤلات، يبرز اسم الغليفوسات مجددًا باعتباره أحد أكثر مبيدات الأعشاب استخدامًا في العالم، وأحد أكثرها إثارة للجدل العلمي، خصوصًا بعد تصنيفه من قِبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية كمادة "مسرطِنة محتملة للإنسان". فما هو الغليفوسات؟ وماذا تقول الدراسات العلمية عن مخاطره الصحية المحتملة؟

 

ما هو الغليفوسات وهل يعتبر مهددًا للحياة؟

الغليفوسات هو أحد أكثر مبيدات الأعشاب استخدامًا في العالم، ويُستخدم للقضاء على النباتات والأعشاب غير المرغوب فيها في الزراعة والمساحات المفتوحة. وقد طُرح تجاريًا منذ سبعينيات القرن الماضي، وأصبح المكوّن الفعّال في العديد من مبيدات الأعشاب الشهيرة.

تعمل هذه المادة عبر تعطيل إنزيم ضروري لنمو النباتات، وهو إنزيم غير موجود لدى البشر والحيوانات، الأمر الذي استُخدم تاريخيًا كأحد المبررات التي اعتبرتها أقل سمية من بعض المبيدات الأخرى. ومع ذلك، فإن تقييم تأثيراتها الصحية طويلة الأمد ما يزال محل نقاش علمي مستمر.

 

لماذا صُنّف الغليفوسات كمادة "مسرطِنة محتملة"؟

في عام 2015، صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، الغليفوسات ضمن الفئة (2A)، أي "مادة يُحتمل أن تكون مسرطِنة للإنسان".

واستند التصنيف إلى:

  • وجود أدلة محدودة على ارتباط التعرض للمادة ببعض أنواع السرطان لدى البشر.
  • وجود أدلة كافية على حدوث السرطان لدى حيوانات التجارب.
  • وجود أدلة قوية تشير إلى إمكانية إحداث تلف في المادة الوراثية (DNA) أو ما يعرف بالتأثيرات الجينية السامة.

ومن المهم الإشارة إلى أن تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان يقيّم قدرة المادة على التسبب بالسرطان من حيث المبدأ (Hazard)، وليس احتمال إصابة شخص ما بالسرطان عند مستوى تعرض معين.

 

لماذا تختلف الجهات العلمية حول مخاطره؟

رغم تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، توصلت هيئات تنظيمية أخرى إلى نتائج مختلفة. فقد أعلنت وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA) بعد مراجعات علمية متعددة أن الغليفوسات "غير مرجح أن يكون مسرطِناً للبشر" عند استخدامه وفق التعليمات المعتمدة، كما لم تجد مخاطر صحية مقلقة من مستويات التعرض المسموح بها حالياً. كما تبنت جهات تنظيمية أخرى في أوروبا وأستراليا وكندا تقييمات مشابهة، معتبرة أن الأدلة الحالية لا تكفي لتصنيف المادة كمادة مسرطنة مؤكَّدة للبشر. ويعكس هذا الاختلاف تباينًا في طرق تقييم الأدلة العلمية، وأنواع الدراسات التي أُخذت بالحسبان، وآليات تقدير المخاطر الفعلية الناتجة عن التعرض للمادة.

 

ما الأضرار الصحية المحتملة للغليفوسات؟

تشير الدراسات إلى أن التأثيرات الصحية المحتملة تعتمد على كمية التعرض للمادة ومدته وطريق دخولها إلى الجسم.

 

ومن بين المخاطر التي ناقشتها الأبحاث العلمية:

 

١. زيادة محتملة في حدوث بعض أنواع السرطان: تركز معظم النقاشات العلمية حول احتمال ارتباط التعرض المزمن لكميات مرتفعة من الغليفوسات بزيادة الإصابة ببعض الأورام، خصوصًا الأورام اللمفاوية اللاهودجكينية Non-Hodgkin Lymphoma. لكن النتائج ما تزال محل جدل، إذ دعمت بعض الدراسات هذا الارتباط، بينما لم تؤكده دراسات أخرى أو هيئات تنظيمية مختلفة.

 

٢.  التأثيرات الجينية

أشارت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان إلى وجود أدلة قوية على حدوث تأثيرات جينية سامة (Genotoxicity)، وهي تغيرات قد تصيب المادة الوراثية للخلايا، ما يُعد أحد المسارات المحتملة المرتبطة بنشوء السرطان.

 

٣. التأثيرات البيئية

تُظهر الدراسات أن الرش الواسع لمبيدات الأعشاب المحتوية على الغليفوسات قد يؤدي إلى تضرر النباتات غير المستهدَفة، وانخفاض التنوع البيولوجي في بعض المناطق، إضافة إلى احتمالية تلوث التربة والمياه في ظروف معينة.

 

٤. التعرض المهني المباشر

يُعتقد أن الأشخاص الأكثر عرضة للتأثيرات المحتملة هم العاملون في الزراعة أو رش المبيدات، خصوصًا عند غياب معدات الحماية المناسبة أو التعرض المتكرر لفترات طويلة. وتشير الهيئات الصحية إلى أهمية الالتزام بإجراءات السلامة عند التعامل مع هذه المواد الكيميائية.

 

هل يعني تصنيف "مسرطِن محتمل" أن المادة تسبب السرطان حتمًا؟

مصطلح "مسرطن محتمل" لا يعني أن كل من يتعرض للمادة سيصاب بالسرطان، بل يشير إلى وجود أدلة علمية تجعل احتمال تسببها بالسرطان واردًا في ظروف معينة. ويؤكد خبراء الصحة العامة أن خطر الإصابة يعتمد على عوامل عديدة، منها كمية التعرض، ومدته، وطريقة التعرض، والحالة الصحية للفرد، إضافة إلى عوامل بيئية ووراثية أخرى.

 

ماذا لو تم التعرض لكميات من الغليفوسات أعلى بكثير من المستويات المسموح بها؟

تعتمد المخاطر الصحية المرتبطة بالغليفوسات على كمية التعرض للمادة ومدة التعرض لها. وبينما تستند الحدود التنظيمية المعتمدة في العديد من الدول إلى مستويات يُعتقد أنها آمنة ضمن ظروف الاستخدام الطبيعية، فإن التعرض لكميات مرتفعة أو متكررة بصورة تفوق هذه الحدود قد يثير مخاوف صحية أكبر. وتشير الدراسات السمية إلى أن التعرض المكثف للغليفوسات قد يرتبط بزيادة احتمالية حدوث تهيج في الجلد والعينين والجهاز التنفسي، كما قد يؤدي ابتلاع كميات كبيرة منه إلى أعراض حادة تشمل الغثيان والقيء وآلام البطن واضطرابات في وظائف بعض الأعضاء. أما على المدى الطويل، فيخشى الباحثون من أن يؤدي التعرض المزمن لمستويات مرتفعة إلى زيادة التأثيرات البيولوجية التي نوقشت في الدراسات العلمية، مثل الإجهاد التأكسدي وتلف المادة الوراثية، وهي آليات قد تكون مرتبطة بارتفاع الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، بما فيها بعض أنواع السرطان

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن تقدير الخطر الفعلي يتطلب معرفة حجم التعرض الحقيقي وتركيز المادة ومدة التعرض لها، إذ لا يمكن افتراض أن جميع حالات التعرض تؤدي بالضرورة إلى النتائج الصحية نفسها. لذلك تُعد مراقبة مستويات التلوث البيئي وإجراء الدراسات الميدانية أمرًا أساسيًا لتقييم أي آثار صحية محتملة على السكان.

 

تقييم الوكالة الدولية لأبحاث السرطان

الغليفوسات يُستخدم لإزالة الأعشاب والنباتات غير المرغوب فيها والسيطرة على الغطاء النباتي. ويقول المهندس الزراعي المختص عثمان الشيّاح بأن: "الغليفوسات هو مبيد أعشاب أثار جدلاً واسعاً في عدد من الدول، حيث فرضت بعض الحكومات قيوداً على استخدامه أو حظرته استناداً إلى دراسات، أبرزها تقييم الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، التي صنّفت الغليفوسات عام 2015 ضمن الفئة "مسرطن محتمل للإنسان" Group 2A، حيث أشارت إلى احتمال ارتباطه بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان".
وأضاف: "يعمل المبيد من خلال تعطيل عمليات حيوية أساسية داخل النبات، ما يؤدي إلى توقف نموه وموته تدريجياً، إذ  تمتصه الأوراق وينتقل داخل أنسجة النبات، ليعطل إنزيماً رئيسياً تحتاجه النباتات لإنتاج أحماض أمينية أساسية للنمو، ما يحرمها من مواصلة وظائفها الحيوية ويؤدي في النهاية إلى ذبولها وموتها".
 

واختتم الشيّاح بالقول: "يُستخدم الغليفوسات على نطاق واسع لإزالة الأعشاب والنباتات غير المرغوب فيها والسيطرة على الغطاء النباتي في المناطق الزراعية وغير الزراعية بحسب وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA). وفي حال استخدامه بكميات كبيرة أو بصورة متكررة، تثير بعض الدراسات مخاوف بشأن احتمالية انتقال بقاياه إلى التربة أو المياه الجوفية، الأمر الذي قد يترك آثاراً بيئية طويلة الأمد تتطلب مزيداً من المراقبة".

 

رأي موقع صحتك Sehatok

يضيف الدكتور حمدي المهدي مختص التغذية والخبير بالمبيدات والمبيدات الحشرية أن الغليفوسات من أكثر المواد الكيميائية استخدامًا في العالم كمبيد أعشاب، تم اكتشافه من قِبل الكيميائي الأمريكي "جون فرانز" في شركة "مونسانتو" سنة 1970، صنفه المركز الدولي لأبحاث السرطان التابع لمنظمة الصحة العالمي عام 2015 على أنه مادة يُحتمل أن تكون مسرطِنة للإنسان (Group 2A) ، لأنه يعمل على إتلاف الحمض النووي.(DNA)

 

ويُكمل قائلاً: إن الدراسات الحديثة أظهَرت أن الغليفوسات مرتبط بزيادة كبيرة في الإصابة بمرض باركنسون، ويؤثر على الإجهاد التأكسدي فى الخلايا العصبية. كما أن الأدلة العلمية تشير إلى أن الغليفوسات قد يعمل كمُعطل للغدد الصماء، ويؤثر على جهاز المناعة، كما يزيد من أضطرابات الجهاز التنفسي ويزيد قابلية الجسم للأمراض المزمنة. 

 

ويختتم بالقول أن: "إن الغليفوسات لا يقضي على الأعشاب فقط  بل ينتقل إلى التربة والمياه الجوفية، ويضر بالكائنات الدقيقة في التربة، ويؤثر على الكائنات المائية، ويضعف خصوبة التربة على المدى الطويل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث