​طرابلس المظلومة: مدينة معلّقة في انتظار الحياة

إيلي الحاجالسبت 2026/05/30
مشاهد من طرابلس (إيلي الحاج)
الأحياء الأشد فقراً في طرابلس ظلمتها السياسة والأديان والعقليات الضيقة (إيلي الحاج)
حجم الخط
مشاركة عبر

​مشينا في مدينة طرابلس بدءاً من قلعة سان جيل التاريخية، التي تعاقبت على أبراجها العصور الصليبية والمملوكية والعثمانية، ونزلنا إلى أسواقها المملوكية القديمة التي لا مثيل لها إلا في القاهرة، يرافقنا شعور بأننا في مدينة مظلومة على أيدي المسؤولين في الدولة وأهلها على السواء. صادفنا زحمة مشاة يروحون ويغدون في الزواريب الضيقة، وسمعنا أصوات بائعين تصدح بينما لم نلمح زبائن يشترون إلا نادراً، كأنها مدينة معلّقة في انتظار شيء ما ناقص.

قلعة سان جيل طرابلس (إيلي الحاج)


​مدينة يعتصرها فقر غير اعتيادي يتجلّى في مساكن نازحين تشغل عمارات وحارات وتكايا وخانات متهالكة، هي في أصلها آيات جمال من الزمنين المملوكي والعثماني، وفي مبانٍ من عهد الانتداب الفرنسي يتآكلها الإهمال وثقل الزمن القديم.


​ومع تدهور البيئة العمرانية تلوح أوساخ في الأزقة والشوارع والساحات، وينتشر نموذج حياة مُحكَم التحفظ، وتفقد المدينة جاذبيتها، هي التي يمكنها أن تكون، بحكم التاريخ والتراث، مرجعاً ثقافياً وسياحياً فريداً على الضفة الشرقية للبحر المتوسط.

مشاهد من طرابلس (إيلي الحاج)


​تجوّلنا في سوق الخيّاطين الممتدّة قناطره وعقوده الأثرية على طول خان يحمل الاسم نفسه، وفي سوق العطّارين العابق بروائح البهارات والتوابل، وأسواق الحراج بأعمدتها الضخمة البيزنطية، والصاغة حيث لا أحد يشتري هذه الأيام وأصحاب المتاجر يتسامرون مللاً أمام واجهات برّاقة، وعرجنا على الحرفيين والإسكافيين، وتسلقنا أدراجاً ضيقة ومعتمة في خان الصابون لنشاهد ممرات وقناطر وحوانيت من القرن السادس عشر. وكان خان العسكر المُرمّم بعد إخلائه من سكانه مقفلاً، كما جلنا في حمّام واسع ينسكب الضوء كالروح من كوّات قبابه الزرقاء.

مشاهد من طرابلس (إيلي الحاج)


​دخلنا من بوابة أثرية صليبية ساحة الجامع المنصوري الكبير الواسعة، وهو الأروع والأعظم في المدينة، وتوقفنا أمام مئذنته التي لا تزال محتفظة بشكلها الأساسي، برجاً لكنيسة "سانكتا ماريا" بطرازها اللومباردي الرومانسكي. صادفنا هناك تشييع لشاب، وأُطلقت لوداعه زخّات رصاص في الهواء فتوجّس المارّة لحظات ثم تابعوا سيرهم. الأمن ممسوك جيداً في المدينة بحضور جنود الجيش اللبناني عند مداخل الأحياء والأسواق والأزقة، ودورياته الآلية المعززة. وفي حي الكنائس، الذي كان يعرف تاريخياً بحارة النصارى، تتجاور ست كنائس من القرن التاسع عشر للروم والموارنة واللاتين والسريان الكاثوليك والإنجيليين إلى جانب مسجد، في مشهد يعكس تآلف الطرابلسيين وقبولهم الاختلاف الديني بين الجيران. مررنا هناك بمكتبة "السائح" التي تعرضت لحريق مفتعل عام 1997، وعادت بهمّة أهل المدينة واهتمام المثقفين أبهى مما كانت، ولسوء الحظ لم يكن فيها صاحبها الأب والمفكر إبراهيم سُرُوج.

مشاهد من طرابلس (إيلي الحاج)


​وكلما دار سؤال وجواب مع أيّ كان هناك، يتأكد ذلك الانطباع الراسخ من زيارات عابرة قديمة، بأن أهل طرابلس طيّبو القلب. 
​تجولنا أيضاً في منطقة الميناء التي رُمّمت جمالياتها، وفيها مطاعم ومقاهٍ على نمط البترون وجبيل لكنها شبه خالية من الناس مقارنة بزحمة المدينة، وربما كان يجدر بنا أن نزورها في المساء. وللمصادفة، كنت قد رأيت منطقة الميناء بمشاعري من خلال رواية-سيرة عنوانها "إيلي"، أرسلتها إليّ مؤلفتها من برلين ميرنا الدبس عبر الصديق أنطوان الدويهي، وهو الذي لطالما وصف في رواياته الرقيقة "روح" المدينة الساحلية الشمالية المظلومة. تستحق طرابلس إعادة قراءة كتب ابنها خالد زيادة عنها، لا سيّما "مدينة على المتوسط"، والعودة خصوصاً إلى كتاب محمد أبي سمرا "طرابلس، ساحة الله وميناء الحداثة" لفهم آلامها في الحرب وبعدها حتى اليوم.

مشاهد من طرابلس (إيلي الحاج)


​تتميز المدينة ومنطقة الميناء بتراث أثري وفني وثقافي استثنائي، وبشاطئ وجادات جميلة جداً، لكن ثمة نقصاً في الرؤية، وافتقاداً إلى أفكار ونوايا وقدرات مجتمعة لتنشيط المدينة وإحيائها، والرهان الحاسم هو تحويلها مكاناً واسعاً للفرح، حديثة وفخورة بنفسها.
​لم يُتح لنا الوقت لزيارة معرض رشيد كرامي ولا الأحياء الأشد فقراً في طرابلس التي ظلمتها السياسة والأديان والعقليات الضيقة وتهمة "قندهار"، حين أنها مدينة التعايش والمحبة.


​الأكيد أن المدن لا تتدهور فجأة، ولا شك أن طرابلس فقدت الكثير خلال الحروب التي عاشتها منذ عام 1975، أيام انكفأت على نفسها انعكاساً لتشظي البلاد كلها بالغرائز الطائفية، فلجأت أقضية الشمال (البترون والكورة وزغرتا وبشري والضنية وعكار) إلى اختراع عواصم صغيرة لها من لونها، وزاد الوضع تدهوراً نزوح مؤسسات الإرساليات التي ساهمت إلى حد كبير في تخريج نخب الشمال الثقافية والفكرية. هكذا خسرت العاصمة الثانية جزءاً من دورها الإشعاعي والتجاري، علاوة على ما خسرته أمام بيروت بعدما صارت الأخيرة عاصمة الجمهورية الوليدة. في المقابل، تقهقرت أحوال السياحة والتجارة في أنحاء إهدن وحدث الجبة وحصرون عندما انقطع أهل طرابلس مدة عن الاصطياف فيها.
​ومفاجأة في مطعم شهير مطل على الشاطئ: تناولنا ثمار البحر وسمكاً بفاتورة تقل عن نصف ما كنا سندفعه في أي مطعم آخر. إنها فعلاً "أمّ الفقير". 
غير أن طرابلس وأهلها يستحقون ما هو أفضل بكثير.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث