يتودّد حمام مدينة صور لزائري المدينة. لا يخاف الدعسات، ولا يطير ذعراً. فالطيور التي عاشت حريتها، ولطالما وجدت قوت يومها، تبحث اليوم، كما من تبقى من سكان المدينة، عن أمانها، وقوت يومها، على وقع غارات إسرائيلية أخرجت آلاف السكان من منازلهم. يقول أحد المارة: "مدينة يوجد فيها حمام، لكن لا يوجد من يطعمه".
هنا صور… مدينة بين الحياة والركام
هنا صور… المدينة التي اعتدنا على ضجيجها بالحياة، خلال زيارتها للاستمتاع بشمس بحرها وهدوئه، تئنّ تحت وقع الغارات والاعتداءات الإسرائيلية. مدينة شبه فارغة، إلا ممن يصرّ على البقاء، أو ممن يختار الصمود تعبيراً عن الحب، وهم قلة، رصدتهم "المدن" خلال جولة إعلامية نظمها "حزب الله" لتفقد آثار الدمار الذي خلّفته الغارات الإسرائيلية على المدينة في اليومين الماضيين. الصورة هنا أقسى مما يمكن أن يُروى.
يعمّ الخراب أحياء صور، بدءاً من مدخلها عند مفرق العباسية، وتحديداً في منطقة تُعرف بـ"مشروع الأرز"، بدا أثر الغارات حاضرًا في التفاصيل. يعم الصمت الطريق الى وسط صور، وأمام دوار العلم، تبدل الإحساس بالمكان. يخيم الصمت على هذا الشارع الحيوي. صوت الموج مكتوم. يلخص المشهد واقع مدينة تبدو شبه خالية من سكانها، علماً أن عدد سكان صور قبل الحرب كان يُقدَّر بين 125 ألفًا و160 ألف نسمة، إلا أن هذا العدد تراجع بنحو 70 بالمئة مع استمرار العدوان.
اليوم، أفقدت الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية الناس حياتهم، وتستمر في القضاء على مستقبل المدينة وتاريخها، كما تمسح معالم الحياة على الطريق المؤدي الى أبرز المدن الجنوبية.
حيّ الآثار… ذاكرة تاريخ تحت الاستهداف
بصعوبة تعثر على صامدين هنا. بين آثار الركام، تتحدث نوال إسكندر التي تقيم في حيّ الآثار، والذي سبق أن استُهدف. تقول: "كنا في المنزل، قالوا لنا إخلاء، بقينا في الحي. عدنا وتفقدنا المنزل، وكانت الضربة خلف منزلنا".
وحي الآثار يُعد من أبرز المواقع التاريخية في صور، ويضم آثارًا رومانية قديمة تشمل معبدًا جنائزيًا، توابيت ومقابر مزخرفة، وقنطرة، إضافة الى طريق روماني، وميدان لسباقات الخيل كان يتسع لآلاف المتفرجين في العصور الغابرة.
ورغم الخوف، تتمسك نوال بالبقاء: "بالتأكيد هناك خوف، لكن هناك قوة معنوية أكبر منه. منذ بداية الحرب حتى الآن لم نغادر، ما زلنا نقيم في صور وصامدون. هذه أرضنا وأرض أجدادنا". الألم يتجاوز منزلاً وعائلة ليصبح شعورًا جماعيًا، وتتذكر نوال عائلة قصّاب التي استشهدت في المدينة، وهي عائلة مؤلفة من ثلاثة أفراد، استشهدت في غارة استهدفت 5 مبانٍ في المدينة.
المسعفون تحت القصف
في موقع مجزرة آل قصاب، لاتزال آثار الدمار ورائحة الاستهداف حاضرة، وثمة صعوبة كبيرة للوصول إلى الضحايا، كما أكد عصام بلاغي، المسعف في الهيئة الصحية الإسلامية.
في حديثه لـ"المدن" يقول: "تعرضنا لغارة أثناء محاولة سحب الشهداء. كان هناك قرار بعدم الدخول إلى موقع الغارة، فواجهنا صراعًا بين الواجب الإنساني والأوامر. بدأنا العمل بالإمكانيات المتاحتة حتى استطعنا انتشال الجثامين".
في أحياء أخرى مثل حي حب الله وحي غندور، تتكرر المشاهد نفسها، مع غارات طالت مباني سكنية من دون إنذار مسبق. ويقول المهندس حسن دبوق، رئيس اتحاد بلديات صور، لـ"المدن": "هذه منطقة سكنية بامتياز، وما يجري يستهدف مدنيين وأطفالًا وعائلات. هذا نموذج عن مبانٍ قُصفت من دون إنذار، وهو مشهد يجرح كل من يمتلك حسًا إنسانيًا".
ويضيف أن المدينة، التي تمتد حضارتها لأكثر من خمسة آلاف عام، تتعرض اليوم لتدمير تدريجي يطال تراثها وناسها في آن واحد.
التاريخ والتراث في مرمى الغارات
الاستهداف لا يقتصر على الأبنية السكنية، بل يقترب من المواقع الأثرية المدرجة على قائمة التراث العالمي، حيث طالت الغارات محيط آثار صور، كما تعرضت قلعة شمع وأرنون لاستهداف مباشر، في مشهد يطاول التاريخ بقدر ما يطاول الحاضر.
وفي هذا الإطار، دعا وزير الثقافة غسان سلامة منظمة اليونسكو إلى تعيين مفوض خاص لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، كما طالب بإيفاد لجنة تحقيق إلى لبنان فور التوصل إلى هدنة، لمعاينة حجم الضرر ميدانيًا.
غارة بالروحة وغارة بالرجعة
هنا صور، مدينة يصعب على زائرها أن يغادرها كما دخلها. مدينة الحضارة الممتدة لأكثر من خمسة آلاف سنة، ومدينة كانت تُستقبل بالحياة، تُودَّع اليوم على وقع الغارات أي "غارة بالروحة وغارة بالرجعة" والإنذارات، فيما يبقى البحر شاهدًا على مدينة تتأرجح بين تاريخها العميق وواقعها الثقيل.




