تلاشت مقولة "توب العيرة ما بدفّي" عند الكثير من العائلات السّورية، بعد تدهور أحوالهم الاقتصادية، وانعدام قدرتهم الشّرائية، حيث وجدوا من هذا الثوب ملاذاً لكساء أطفالهم، وطريقة لتدفئة جيوبهم في عيد الأضحى المبارك.
ربة المنزل نوال (44 عاماً) استعارت ثياب ابنة أخيها، ثم أعادت تدويرها لتصبح كسوة لا بأس بها، ترسم من خلالها البهجة على وجه طفلتها في العيد، بعد أن عجزت عن شّراء قطعة جديدة واحدة لها من الأسواق السورية، بحسب ما أكدت لـِ "المدن".
وأضافت: "أحاول تغيير شكل القطعة كلّياً عبر وضع الأزرار و ما شابه، خوفًا من أن تعتقد ابنتي أن الآخرين أفضل منها، وخصوصاً أنّها تلعب في أيام العيد مع ابنة خالها وهي ترتدي ثيابها".
مشروع الحذاء الجديد
وكانت نوال واحدة من عشرات النساء اللواتي يسعين لسترة أولادهن عبر الاستعارة من الأقارب، كنوع من تسيير الأمور وسد العجز الذي يشعرن به في ظل الأسعار الجنونية التي تشهدها الأسواق، مقارنة بالأوضاع المعيشية الصعبة وتدني الرواتب وزهد الأجور.
الأوضاع المعيشية الصعبة حرمت الطالب ربيع (20 عاماً) من مشروع شراء حذاء جديد بدلاً من المهترئ، بحسب وصفه، مع أنه يعمل لساعات في ورشة دهان بالتزامن مع دوامه في الجامعة، قائلاً لـِ "المدن": "أفضّل دفع إيجار الغرفة التي أقطنها بالشراكة مع أصدقائي في منطقة المزة بدلاً من ذلك".
أما زميله الطالب سعيد (21 عاماً)، فتفوّق على نظيره بالابتهاج، ونجح في شراء حذاء جديد بعد حصوله على مبلغ مالي قبيل العيد، بات يصمّده ليرة وراء ليرة مع عدد من الشبان في جمعية منذ بداية العام الجاري.
الحوالة وصلت والأخت رجعت
نسي الموظف حسام (33 عاماً) عبء الانتظار بعد استلامه مبلغاً مالياً من أخيه الذي يعيش في ألمانيا، رغم وقوفه لساعات في طابور شركة الحوالات المالية قبيل العيد، إلى أن اشترى "ما لذّ وطاب" وأسعد عائلته بكل ما يلزمها من ألبسة وأحذية وغيرها.
أما المعلّمة فاطمة (42 عاماً)، فاعتبرت عودة أختها من المغترب فرجاً لها ولأولادها، لأنها جاءت إلى دمشق "حاملة ومحمّلة" بكسوة للعيد تفي بالغرض وتسد فجوة النقص التي كانت تعاني منها.
حتّى البالة.. "شافت حالها"!
بالرغم من أنَّ محلّات الألبسة المستعملة وما يعرف بالبالة لم تعد خياراً للفقراء بعدما أصبحت أسعارها تقارب أسعار الألبسة الجديدة، إلا أن كارول (38 عاماً) اختارت شراء ثياب العيد لأطفالها في الغوص بأكوامها، لعلّها تحصل على قطعة واحدة بجودة عالية "أحسن من بلا"، حتى لو على حساب أولويات منزلها.
ولجأت بعض الأسر إلى ترقيع البناطيل والسترات لأفراد عائلاتها في العيد، مثل سلوى (52 عاماً)، التي سخرت من واقعها المعيشي السيء وقلّة دخلها، قائلة لـِ "المدن": "بقولوا: كُل ما تشتهي نفسك والبس ما يليق بين الناس.. نحنا ماعم نلاقي لقمة عيشنا غير بطلوع الروح.. عن أي عيد عم تحكوا؟
"الأوت ليت" غايبة والبسطات حاضرة
برزت محال التصفية outlet كخيار جديد نسبياً في الأسواق السورية، وسارعت بعض الشرائح لاستثماره في العيد، لما يقدّمه من بضائع مخزنة لمواسم سابقة من المفترض أن تكون بأسعار مقبولة، إلا أن هذا النمط التجاري أثار الاستغراب، خصوصاً بعد ما تبين أن بضائعه أغلى من القطع الموجودة في المحال التقليدية بحجة جودة المنتجات ونوع العلامة التجارية المسوّق لها.
وبالرغم من أن بعض العائلات أجّلت شراء كسوة العيد إلى أجل غير مسمّى لأن تكلفتها أعلى من ميزانية شهر بأكمله، إلا أن هناك عائلات أخرى اشترت لأبنائها بعض الملابس من البسطات ذات الجودة والأسعار المنخفضة بهدف تأمين الحد الأدنى من حاجاتهم والحفاظ على شعورهم ببهجة العيد.
"اللي معو بيرش عالمخلوطة"
في مفارقة شهدتها أسواق دمشق، لا بد من الإشارة إلى التجمّع الكبير للمواطنين مؤخراً، الذين اصطفّوا عبر أرتال لشراء كسوة العيد فور افتتاح إحد محلات الألبسة "الماركة"، وقد أدى ذلك إلى إغلاق المحل وتكسيره نتيجة الفوضى العارمة التي كانت تسود المكان، وكأن هذا المشهد ينفي كليّاً سوء الأوضاع المعيشية لدى السوري، الذي تصدر وكأنّه ينتظر مكاناً ليكب فيه أمواله الفائضة.
الأمر الذي أكده بائع الألبسة فؤاد (35 عاماً) لـِ "المدن"، والذي يعمل في إحد المحال بالشعلان في دمشق، قائلاً: "بعض الزبائن مقتدرين، واللي معو بيرش عالمخلوطة، ولكن نسبتهم قليلة جداً".
وأكمل: "العدد الأكبر هو من ينظر إلى الواجهات ويسأل عن الأسعار، ثم يتحسّر ويمضي، علماً أن عمليات البيع لا تزال محدودة، رغم الحركة التي قد توحي بوجود إقبال كبير على التسوق".
أسعار الملابس
في جولة لـِ "المدن" على بعض أسواق دمشق وريفها، بدت أسعار كسوة العيد متباينة على نحو واسع، إلا أن معظم مستلزماتها كان خارج قدرة شرائح واسعة من المواطنين السوريين، حيث تراوح سعر البنطال الواحد في سوق الشعلان بين 350 و500 ألف ليرة سورية قديمة. وتراوحت أسعار البيجامات في السوق نفسه بين 500 و700 ألف ليرة سورية قديمة. أما الأحذية، فبدأت أسعارها من 300 ألف وصولاً إلى مليون ليرة سورية قديمة، في حين تراوحت أسعار الحقائب بين 400 و600 ألف ليرة سورية قديمة. أما القمصان، فبدأت أسعارها من 300 إلى 450 ألف ليرة سورية قديمة. وبالنسبة للكنزات، فإن أسعارها بدأت من 300 ألف ليرة سورية قديمة فما فوق.
في الأسواق الأخرى، مثل سوق القصاع، كانت الأسعار أقل بقليل من السابق ذكرها. أما في سوق الحمرا، فكانت الأسعار أقل بمقدار 100 و150 ألف ليرة سورية قديمة عن سابقتها للقطعة الواحدة، علماً أن جميع الأسعار تختلف بحسب المحل ونوعية البضاعة.
ارتفعت أسعار ملابس الأطفال أيضاً بالرغم من تفاوتها من سوق إلى أخرى، حيث بدأ سعر البيجامات مثلاً من 300 ألف ليرة سورية قديمة، في حين تراوحت أسعار أحذية الأطفال بين 100و250 ألف ليرة سورية قديمة، أما سعر الطقم الولادي الواحد فبدأ من 600 ألف ليرة سورية قديمة.
وفي بعض أسواق ريف دمشق، مثل سوق جرمانا، وصلت تكلفة "كسوة العيد" لكل فرد من العائلة وسطياً إلى مليون ليرة سورية قديمة، أي بما يفوق القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود، وخصوصاً أن راتب الموظف الحكومي السوري شهرياً لا يتجاوز مليوناً ونصف المليون ليرة سورية قديمة بعد جميع الزيادات.
بس البيع بالدولار!
كان من اللافت أن بعض المحلات في مختلف الأسواق السورية تبيع بسعر الدولار، بعد أن يتم احتساب سعر الصرف بشكل أعلى، فمثلاً: إذا كان سعر الدولار الواحد 13700، فإن البعض يحسبه بما يعادل 14000 للدولار الواحد مقابل الليرة السورية القديمة.
وعرضت بعض الواجهات أصنافاً متنوعة من البيجامات بسعر يبدأ من 70 دولاراً أمريكياً، وأنواعاً من البناطيل وحتّى القمصان بسعر يبدأ بـِ 40 دولاراً وما فوق، أما الأحذية فكان لها من الدولار نصيب أيضاً، حيث بدأت أسعارها من 75 دولاراً.
ويرى بعض المحللين الاقتصاديين أن ارتفاع أسعار كسوة العيد، بالدولار أو بالليرة السورية، يعود إلى عوامل عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، لا سيما أن المواد الأوليّة المستوردة مرتبطة بسعر الدولار، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وأجور النقل، وتراجع الصناعة المحليّة، في ظل غياب رقابة فعّالة على الأسواق.
ويبدو أن تحسين دخل المواطن يبقى المطلب الأساسي لتحقيق الاستقرار وإشباع الحاجات الأساسية التي باتت شبه رفاهية للكثير من العائلات السورية، التي تضطر دائماً وأبداً للابتكار والاختراع في إيجاد البدائل بهدف العثور على بهجة الحياة أولاً ثم الالتفاف إلى ما يتعلق بالعيد، متنهّدين بقولهم: "بيعين الله".




