دراسة لـِ"كارنيغي": بيئة لبنان ينهشها الفساد والتطرف المناخي

نغم ربيعالخميس 2026/05/28
Image-1779794509.Jpeg
أزمة المناخ تتضاعف بفعل الفساد والكارثة البيئية نتيجة مباشرة لإخفاقات الحوكمة الرشيدة (كمي عمون)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم يعد تغير المناخ مجرّد مسألة بيئية. لم يعد الأمر يتعلق فقط بارتفاع درجات الحرارة، أو تبدل مواسم الأمطار، أو انحسار مياه البحيرات. هنا، في منطقة مثقلة أصلًا بالحروب والانهيارات والحدود المغلقة والفساد والتهميش، يتحوّل المناخ إلى طبقة جديدة من العنف. عنف بطيء ومتراكم، يدفع الناس إلى الرحيل، أو يتركهم عالقين في أماكن لم تعد قابلة للحياة.

 

Image-1779795186.Jpeg
خلال حرب 2024، ثم الحرب الأخيرة في 2026، تحولت المنطقة إلى مساحة نزوح جديدة. 

دراسة لمركز كارنيغي

هذا ما يحاول البحث الجديد الصادر عن مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط التقاطه، عبر سلسلة مقالات تحت عنوان "فخّ التقاطع: المناخ، والحوكمة، والنزوح في المجتمعات الهشّة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". لا يتعامل المشروع مع "الهجرة المناخية" بوصفها رقمًا أو توقّعًا مستقبليًا مجرّدًا، بل كحياة يومية لمجتمعات تتآكل ببطء تحت ضغط المناخ والسياسة والاقتصاد معًا.

 

في المغرب، لم يعد الجفاف وحده يهدّد قبيلة آيت خباش، بل أيضًا الحدود التي أغلقت طرق الترحال القديمة، والدولة التي أعادت رسم المجال الحيوي للبدو. وفي الجزائر، لا يغادر كثيرون أراضيهم رغم القحط وندرة المياه، ليس لأنهم بخير، بل لأنهم ببساطة لا يملكون قدرة الرحيل. أما في الأردن، فبدو دير الكهف يواجهون تقلّصًا قاسيًا في أنماط حياتهم، بين التصحر، وتوسع سلطة الدولة، وانهيار الاقتصاد التقليدي. وفي العراق، يصبح التدهور البيئي مضاعفًا حين يضرب جماعات مهمّشة أصلًا، كما هي حال العراقيين من أصول أفريقية في البصرة. حتى في الكويت، يظهر المناخ بطريقة مختلفة: "البدون" لا يهددهم الحرّ فقط، بل أيضًا غياب الاعتراف القانوني، وحرمانهم من الحماية والسكن والخدمات.

Image-1779794569.Jpeg
 القصف طال محيط القرعون، والمزارعون خسروا أراضيهم ومواسمهم وطرق نقلهم. ومع كل ضربة، كانت قدرة الناس على البقاء تتقلّص أكثر (كميّ عمّون)

لبنان النموذج الكارثي؟

تتراكم في حوض الليطاني كل الأزمات، بعضها فوق بعض، كأنها طبقات انهيار متتالية: الجفاف، التلوّث، الفساد، الانهيار المالي، والحرب. هناك، لا يمكن فصل أزمة المناخ عن شكل الدولة وسياستها، ولا عن الاقتصاد، ولا عن القصف الإسرائيلي، ولا حتى عن طريقة توزيع المياه.

يقول الباحث غير المقيم في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، كميّ عمون، مدير المشروع وأحد المشاركين فيه، إن الفكرة الأساسية كانت "الحديث عن التغير المناخي وتأثيره على المنطقة، لكن من خلال مجتمعات مهمّشة غالبًا ما تبقى خارج النقاش". ومن هذا المنطلق، اختار عمون منطقة القرعون، لأنها "تختصر، بطريقة شبه رمزية، ما مر به لبنان خلال العقد الأخير"، كما أكد في حديث خاص لـ"المدن".

 

بحيرة القرعون، أكبر خزان مائي في البلاد، لم تعد فقط بحيرة تتراجع مياهها. صارت صورة مكثّفة عن بلد ينهار. ففي صيف 2025، سجل لبنان واحدة من أقسى موجات الجفاف في تاريخه، بحسب عمون. وتراجعت الأمطار إلى أكثر من النصف، وجفّت ينابيع وآبار في البقاع، فيما وصل منسوب بحيرة القرعون إلى أدنى مستوى منذ إنشاء السد عام 1959. ظهر جسر صغبين الغارق مجددًا، كأن التاريخ نفسه يخرج من القاع ليشير إلى حجم الكارثة.

لكن الجفاف هنا ليس حادثًا طبيعيًا معزولًا. فالمياه أصلًا ملوثة. الصرف الصحي يصبّ في البحيرة، والنفايات الزراعية والصناعية تتكدّس فيها، والأسماك نفقت بالمئات. حتى مياه الري لم تعد آمنة. هكذا، يصبح المناخ مضاعفًا بفعل الفساد، وتصبح الكارثة البيئية نتيجة مباشرة لإخفاقات الحوكمة الرشيدة، بحسب عمون.

Image-1779794906.Jpg
بحيرة القرعون، أكبر خزان مائي في البلاد، لم تعد فقط بحيرة تتراجع مياهها. صارت صورة مكثّفة عن بلد ينهار(غيتي)

البقاع

في البقاع، لا يهاجر الناس لأن المطر قلّ فحسب، بل يهاجرون لأن الزراعة انهارت، ولأن كلفة الإنتاج باتت مستحيلة بعد الانهيار المالي، ولأن الكهرباء شحيحة، ولأن المياه تُحتكر، ولأن الحرب تمرّ فوق الحقول أيضًا.

خلال حرب 2024، ثم الحرب الأخيرة في 2026، تحولت المنطقة إلى مساحة نزوح جديدة. القصف طال محيط القرعون، والمزارعون خسروا أراضيهم ومواسمهم وطرق نقلهم. ومع كل ضربة، كانت قدرة الناس على البقاء تتقلّص أكثر.

لكن اللافت في هذه الدراسة ليس فقط الذين يرحلون، بل أيضًا الذين يبقون. يقول عمّون إن النقاش حول "النزوح المناخي" يركز غالبًا على الذين غادروا، فيما تُهمل الفئات التي بقيت عالقة في أماكن تتدهور باستمرار. أولئك الذين لا يملكون ثمن الرحيل، أو الذين ما زالوا متشبثين بأرضهم رغم كل شيء. وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل الناس ما زالوا يختارون البقاء؟ أم أنهم ببساطة لم يعودوا يملكون خيارات فعلية؟

في هذا المعنى، لا يعود النزوح المناخي مجرد حركة سكان. بل يصبح تعبيرًا عن اختلال أعمق في العدالة، عن مجتمعات تدفع ثمن أزمات لم تصنعها وحدها، وعن دول تفشل في إدارة الماء والزراعة والطاقة والبيئة، ثم تطلب من الناس التكيّف بصمت.

لهذا، تخلص الدراسة إلى أن التعامل مع الأزمة لا يمكن أن يبقى مجزّأً. لا يمكن فصل المناخ عن الفساد، أو المياه عن الاقتصاد، أو النزوح عن الحرب. المطلوب ليس فقط "سياسات بيئية"، بل إعادة التفكير بكيفية إدارة المجتمعات الهشّة أصلًا، قبل أن يتحوّل البقاء نفسه إلى امتياز لا يملكه الجميع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث