وسط الجدل الحالي حول الامتحانات الرسمية، الذي أخد أبعاداً سياسية وطائفية، في ظل إصرار وزيرة التربية ريما كرامي على إجراء ثلاث دورات ومن دون مواد وأسئلة اختيارية، كما يطالب بعض النواب في لجنة التربية، أطلت كرامي من السراي الحكومي في برنامج "حوارات السراي"، على شاشة تلفزيون لبنان. إطلالة بدأت كأنَّ الوزيرة تعلن أن كل قراراتها تأتي بموافقة الحكومة ورئاستها، لقطع الطريق على "المنغصات"، التي يقوم بها البعض. وكان لـِ "المدن" حيز في هذا الحوار، مع وزيرة آتية من عائلة سياسية بامتياز، حتى لو لم يكن هناك أي حزب سياسي يدعمها، بعكس كل أقرانها الوزراء السابقين.
استهلت كرامي حديثها بالقول إنها لم تكن تتوقع أن تصبح وزيرة، ولم يكن هذا "الطموح الشخصي" الذي تسعى إليه. ابنة عائلة سياسية، نعم، لكنها تربت، كما تقول، على فكرة أن القيادة لا تكون فقط في المناصب، بل يمكن أن تُمارس من الجامعة، من العمل العام، ومن خدمة المجتمع.
"فدرلة الامتحانات"؟
الحرب الأخيرة كانت الامتحان الحقيقي للوزارة. آلاف الطلاب النازحين، مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، مناطق خارجة عن الخدمة، ومدرسون يعيشون الانهيار نفسه الذي يعيشه طلابهم. وسط هذا كله، رفعت الوزارة شعار "استمرارية التعليم". وأكثر الملفات حساسية ملف الامتحانات الرسمية. هنا، تتحدث كأنها تدافع عن "فكرة الشهادة اللبنانية" نفسها. تقول إنَّ طلاب "الترمينال" يتقدّمون إلى جامعات خارجية لا سلطة للبنان عليها، وإنَّ تراجع الثقة بالشهادة الرسمية جعل فكرة إلغاء الامتحانات شبه مستحيلة. بالنسبة إليها، كانت المعركة تتجاوز الامتحان نفسه: "بدنا نبرهن إنو في صمود تربوي". تستعيد الحرب الأهلية والاعتداءات الإسرائيلية السابقة لتقول إنَّ التعليم في لبنان استمرّ دائمًا، حتى في أسوأ الظروف.
قرار إجراء الامتحانات، وفق كرامي، لم يكن فرديًا. استغرق وقتًا طويلًا من التشاور مع الرؤساء الثلاثة، والمكاتب التربوية، وعينة من طلاب المجتمع. وتقول إنَّ ما خرجت به الوزارة كان "شبه إجماع" على ضرورة إجراء امتحانات "عادلة ومنصفة".
ورداً على أسئلة "المدن" بشأن الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية بالرغم من العقبات التمويلية، والانتقادات التي اعتبرت تقسيم الدورات نوعاً من "فدرلة" الامتحانات، قالت كرامي: "الوزارة عملت، على تأمين بدلات الأساتذة المشاركين في الامتحانات، مع زيادة "ملحوظة" مقارنة بالعام الماضي، معتبرة أنَّ هذا الملف أُنجز لتفادي أيَّة أزمة مشابهة لما حدث في السنوات السابقة. وتشير إلى أنَّ الوزارة "قامت بما عليها"، على أمل ألا يواجه الأساتذة هذه السنة مشكلة في مستحقاتهم، وأن يعتبروا هذه البدلات "منصفة".
لكنّ النقاش الأكثر حساسية، بالنسبة إليها، كان الاتهام بأن الوزارة ذهبت نحو "فدرلة" الامتحانات عبر فتح المجال أمام الطلاب للاختيار بين دورتين من أصل ثلاث. هنا، تبدو كرامي مستاءة من المقاربة نفسها، معتبرةً أن "الفدرلة موجودة في عقول اللبنانيين أكثر مما هي موجودة في الواقع".
تشرح أنه، منذ بدء تسجيل الطلاب، أظهرت الأرقام تباينات لا تشبه الانقسام السياسي أو الجغرافي الذي جرى تداوله. فبينما اختار بعض طلاب الشمال التسجيل في الدورة الثانية، سجل عدد كبير من طلاب الجنوب في الدورة الأولى، بالرغم من الظروف الأمنية والحربية التي عاشتها مناطقهم. وتستشهد بثانوية كفرا التي سجل طلابها بالكامل تقريباً في الدورة الأولى، فيما اختار نحو 87 في المئة من طلاب ثانوية الصرفند التقدم للدورة الأولى أيضاً.
بالنسبة إليها، لم يكن معيار التقسيم طائفياً ولا مناطقياً، بل مرتبطاً حصراً بمدى جهوزية الطلاب. وتضيف إن الوزارة حاولت منح الفرصة للطلاب الذين عاشوا ظروفاً أكثر قسوة، من نزوح وحرب وتعطيل، من دون أن تمنع في الوقت نفسه الطلاب المستعدين من التقدم إلى الامتحانات.
وكشفت أن الأسماء المسجلة لدى الوزارة تكشف بوضوح أنَّ كثيرين من الطلاب المتضررين أصروا، بالرغم من كل شيء، على خوض الامتحانات في دورتها الأولى، وهذا ما ينفي، برأيها، فكرة أن الجنوب أو المناطق المتضررة "أُجّلت" جماعياً إلى الدورة الثانية.
بعد 16 شهرًا في المنصب، خرجت كرامي بخلاصة قاسية: هذه "أكتر وزارة مُسيسة". فكلما تفككت الإدارة، تمدّدت التدخلات السياسية والطائفية داخلها أكثر. ومع ذلك، تحاول أن تقدم نفسها بوصفها شخصًا صمد في وجه هذا الخراب الإداري، كموظفة عامة جاءت "لتقوم بالمهمة بأفضل وجه ممكن"، فيما تؤكد أكثر من مرة أنها لا تزال تعتبر نفسها أكاديمية أولًا، وأن هذا هو العالم الذي تنتمي إليه فعلًا.
في السياق عينه، وفي ملف المواد الاختيارية، الذي تحول إلى سجال واسع بينها وبين النواب في لجنة التربية، تعود كرامي للدفاع عن "حق الخبراء" في إدارة القطاع التربوي. تقول إنَّ التعليم في لبنان أصبح مساحة مفتوحة للجميع كي يُدلي برأيه بوصفه "خبيراً"، فيما القرارات التقنية المرتبطة بالمناهج والامتحانات تحتاج إلى اختصاصيين يملكون خبرة طويلة داخل وزارة التربية والمركز التربوي.
وتستعيد ما قالته داخل لجنة التربية النيابية، حين طلبت من النواب منح الثقة للجان الامتحانات والخبراء التربويين. وتقارن الأمر بالقطاع الصحي، حيث لا يتدخل عادةً في تحديد نوع الدواء أو إدارة المستشفيات، بالرغم من حساسية الملف الصحي.
وغمزت من قناة نواب لجنة التربية الذين يجولون على الرؤساء لفرض رؤيتهم بما يتعلق بالامتحانات وإدخال المواد والأسئلة الاختيارية وقالت: في قطاع التربية الجميع يشعر بأنَّ من حقه التدخل في أدق التفاصيل، من طبيعة الأسئلة إلى بنية المنهج وآلية الامتحان.
وأضافت: "إذا نظرنا إلى كيفية إدارة القطاع الصحي، وإلى الجهود الهائلة التي تُبذل فيه، لا نجد أحداً يطلب من الأطباء أي دواء يجب إعطاؤه وأي دواء يجب منعه، ولا من يقرر أي مستوصف ينبغي افتتاحه أو إقفاله. لذلك، أرجو أن يُترك هذا القطاع لخبرائه ومتخصصيه، فهم الأقدر على تقديم أفضل الحلول والمعالجات الممكنة، سواء في ما يتعلق باحتساب الموازنات، أو تحديد المراكز، أو اتخاذ القرارات المرتبطة بالمناهج".
وتوضح لـِ "المدن" أنَّ المشكلة لا تتعلق بما إذا كان الطالب قد أنهى المنهج أم لا، بل بالظروف التي عاشها أثناء ذلك. فهناك فرق، وفق تعبيرها، بين طالب أنهى المنهج وراجع دروسه بهدوء، وآخر أنهى البرنامج ثم وجد نفسه وسط الحرب أو النزوح أو الانقطاع الطويل عن الدراسة. ومن هنا جاء الإصرار على منح فرصة إضافية لمن يحتاج وقتاً أطول، على أن يكون "المعيار الأساسي هو الجهوزية، لا الطائفة ولا الحرب". "هناك فرق بين طالب أنهى المنهج الدراسي، ثم أتيحت له الفرصة ليراجعه بهدوء ويحلّ تمارينه، وبين طالب أنهى المنهج نفسه ثم وجد نفسه وسط الحرب. ومن هنا جاء إصراري على منح فرصة إضافية، ليكون المعيار الأساسي هو الجهوزية، لا الطائفة ولا الحرب. أردنا أن نمنح الطالب الجاهز، رغم ظروفه الصعبة، فرصة لأن يبرز ونحتفي جميعاً بنجاحه".
وتكشف في هذا السياق أنّ الوزارة لن تعلن اسم "الأول على لبنان" قبل انتهاء الدورتين دورات معاً، لأن ذلك سيمنح أفضلية واضحة للطلاب الذين أتيحت لهم فرصة مراجعة المنهج أكثر من مرة وفي ظروف مستقرة. أما تقسيم الفرص، فهدفه، وفق كرامي، تحقيق حدّ أدنى من الإنصاف، عبر منح الطلاب الذين عاشوا ظروفاً أقسى وقتاً إضافياً ليستعيدوا قدرتهم على المنافسة "على مستوى الوطن"، لا أن يُدفعوا إلى الامتحان تحت ضغط ظروف لم يختاروها."إجراء الامتحانات دفعة واحدة كان سيمنح أفضلية واضحة لمن أتيحت له فرصة مراجعة البرنامج أكثر من مرة، فيما غيره كان يعيش ظروفاً استثنائية. قد ينجح الجميع، لكن عندما أقول لطالب عاش الحرب: خذ وقتك، راجع دروسك، واستعدّ جيداً، لأن لديك القدرات والطموح كي تبرز على مستوى الوطن، أكون بذلك قد حققت قدراً من الإنصاف، وهذا تحديداً ما أحاول القيام به".




