في أحدى الحجج التي ساقها النائب أشرف بيضون في معرض اقتراح قانون تعديل الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون 66 للعام 2009، المتعلق بتنظيم المجالس الأكاديمية للجامعة اللبنانية، أفرد أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان والجامعة اللبنانية قد تعيق استكمال إجراءات تعيين رئيس الجامعة. يُفهم أن ما أراده بيضون هو التنبيه من ظرف غياب مجلس الجامعة، الذي بموجب القانون 66 يرشح الأساتذة لرفع الأسماء إلى مجلس الوزراء. فالمادة الثانية من القانون 66 تحدد آلية التعيين، وتنص على: "يعيّن رئيس الجامعة من بين خمسة مرشحين برتبة أستاذ أو ممن استوفوا شروط الرتبة، يرشحهم مجلس الجامعة. يتم التعيين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير، وذلك قبل شهرين على الأقل من انتهاء ولاية رئيس الجامعة. تحدد آلية الترشح بقرار من مجلس الجامعة. تحدد ولاية الرئيس بخمس سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد انقضاء ولاية كاملة".
أما اقتراح بيضون فهو بمادة وحيدة لتعديل الفقرة الأخيرة لتصبح على الشكل التالي: "تحدد ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات قابلة للتجديد"، الذي سيكون بمثابة تمديد تلقائي في حال تعذر استكمال التعيين في مجلس الوزراء.
تبريرات التمديد لبدران
تتزامن قضية الظروف الاستثنائية للجامعة (غياب مجلس الجامعة المزمن منذ تسع سنوات) مع الخلافات التي تحصل بين القوى السياسية حول التعيينات، التي تتأخر بسبب التناحر الذي يحصل خلف الكواليس عليها. وتضج الكواليس السياسية بالأسباب والحجج المتناقضة، التي دفعت إلى تقديم هذا الاقتراح، الذي يستفاد منه للتمديد لرئيس الجامعة بسام بدران.
البعض يعتبر أن الاقتراح من شأنه منع الخلافات بين الطامحين في حركة أمل لتولي المنصب، والبعض الآخر يتذرع بأن الطلب أتى بناء على رغبة رئيس الجمهورية بالتجديد لبدران، والبعض الآخر يعتبر العكس، أي أن التجديد هو لمنع الدخول في مسار التعيين في مجلس الوزراء والدخول في مقايضات ومساومات مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على هذا المنصب. إلا أن هذه المبررات كلها تتعامى عن أن التمديد لرئيس الجامعة لا يأتي خدمة للجامعة واستقرارها، بقدر ما هو منع التجديد في رئاسة الجامعة ومدها بخبرات جديدة يحملها الرئيس الجديد لحل الإشكاليات المزمنة في الجامعة وعلى رأسها تعيين مجلس الجامعة.
مقايضات ومساومات
لم يحسَم أمر إقرار القانون في المجلس النيابي بعد. وبحسب المعلومات ثمة مقايضات ومساومات تحصل مع باقي القوى السياسية لتمريره. ويحكى أن أحد العروض لإرضاء القوى المسيحية والسنّية المعترضة يقوم على إضافة بنود أخرى لتمديد ولاية منصب العميد ومدير الفرع ولاية كاملة أسوة برئيس الجامعة. لكن هذا يفرض إعادة مناقشة الاقتراح في لجنة التربية النيابية، فيما المهل القانونية لانتهاء ولاية رئيس الجامعة باتت ضاغطة.
بحسب القانون 66 فإنّ الحد الأقصى لتلقي مجلس الوزراء الأسماء لتعيين الرئيس هو مطلع شهر آب، ذاك أن ولاية الرئيس بدران تنتهي في 13 تشرين الأول المقبل، ما يعني أن أمام رئيس الجامعة بدران مهلة أقل من ثلاثة أشهر لوضع آلية الترشح وتعميمها والإعلان عن فتح باب الترشح لإفساح المجال أمام المرشحين لتقديم طلباتهم. كما أن وزيرة التربية ريما كرامي تحتاج إلى الوقت الكافي لمراجعة ملفات المرشحين لانتقاء خمسة أساتذة منها. ففي السابق أقر مجلس الجامعة آلية ترشّح تنص على فتح باب الترشيح في حزيران. وجرت العادة أن يرفع مجلس الجامعة الأسماء إلى وزير التربية في شهر تموز، ما يعني أن على بدران إقرار آلية الترشح الشهر المقبل.
تعذّر انعقاد مجلس الجامعة
وبعيدا من الخلافات السياسية التي نشأت حول اقتراح القانون، فتح الاقتراح الجدل حول الصلاحيات في ظل غياب مجلس الجامعة، الذي يلقى على عاتقه تحديد آليات الترشح وانتخاب خمسة أساتذة. وقد تواصلت "المدن" مع العديد من أساتذة القانون المشهود لهم في الجامعة وشرحوا القواعد الناظمة لآلية التعيين، لكنهم فضلوا عدم الكشف عن اسمائهم، نظراً لحساسية الملف، لا سيما أن "التمديد" لرئيس الجامعة بالنسبة لهم أمر مبتوت، ولو بعد حين، ولا يريدون الدخول في خلافات وضغينة معه.
الرأي القانوني المتفق عليه في ظل تعذر انعقاد مجلس الجامعة منذ سنوات، هو مبدأ استمرارية المرفق العام بالاستناد إلى قانون تنظيم الجامعة اللبنانية الرقم 66 للعام 2009، والمرسوم الاشتراعي 122 للعام 1977 والمرسوم الاشتراعي 49 لعام 1977، والتعديلات التي طرأت عليها.
في الوقت الحالي يعتبر مجلس الجامعة "غير قائم بصورة قانونية". لكن غياب مجلس الجامعة لا يؤدي إلى شلل السلطة للتعيين، ولا استمرارية المرفق العام. فالمشرّع وضع آلية استثنائية للفراغ، ذاك أن المرسوم الاشتراعي 49/1977 نص صراحة على حلول وزير التربية محل مجلس الجامعة عند تعذر ممارسة حق الترشيح لأي سبب كان. أما المرسوم الاشتراعي 122فنص في المادة العاشرة، الفقرة الأولى على أنه في حال تعذر انعقاد مجلس الجامعة اللبنانية يمارس صلاحياته رئيس الجامعة على أن تقترن مقرراته بموافقة مجلس الوزراء.
أما القانون 66 فعدّل بنية المجالس الأكاديمية وبعض المواد المحال إليها في المرسوم 122 ولم ينشئ آلية بديلة لمعالجة تعذر انعقاد مجلس الجامعة للترشيح، ولم يسقط الحلول الاستثنائي لوزير التربية مكان مجلس الجامعة في الترشيح. هذا فضلاً عن أن صفة المرسوم 49 هي (Lex specialis)، أي نص خاص، وهو يعلو على المرسوم 122 الذي هو (lex generalis). فالقاعدة الأساسية في القانون هي أن القاعدة الخاصة تقيد القاعدة العامة، والنص الخاص يقدَّم على النص العام.
وبحسب الرأي القانوني، الفقه الإداري اللبناني لا يفترض الإلغاء الضمني للنصوص في ما يتعلق بالمرسوم الاشتراعي 49. فالبعض يفترض أن المرسوم 122 الذي منح رئيس الجامعة صلاحية مجلس الجامعة اللبنانية في حال تعذر انعقاده، ألغى حكماً الآخر. لكنه لم يلغِ المرسوم 49، لا قولاً ولا صراحة، وبالتالي يبقى قائماً وبحدود حلول الوزير محل مجلس الجامعة في الترشيح. وهو لا يمنح الوزير سلطة التعيين بل يمنحه فقط الحلول محل مجلس الجامعة في الترشيح، أي أن الوزير يقترح الاسم ويرفع الترشيح إلى مجلس الوزراء، أما التعيين النهائي فيبقى بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.
تفويض إداري محدود زمنياً
البعض يحاجج بأن المرسوم 1167/1978 أناط صلاحيات لرئيس الجامعة لأن مجلس الوزراء فوضه صلاحياته غير المبدئية. لكن هذا المرسوم مثله مثل المرسوم 122، لا يعالج مشكلة التعيين، بل حدود دوره هو استمرارية الإدارة. بمعنى أنه كرس مبدأ ممارسة رئيس الجامعة بعض صلاحيات مجلس الجامعة في الحالات التعذرية، ضمن حدود التفويض الإداري، مع بقاء القرارات المبدئية خاضعة لمجلس الوزراء. وبمطلق الأحوال، لا يمكن الاستناد إلى هذا المرسوم لتفويض رئيس الجامعة صلاحيات الوزير المنصوص عنها في حدود المرسوم 49. فالقاعدة الأساسية لمصدر القانون (fond juridique) هي أن المرسوم الاشتراعي يعلو على المرسوم، لأن الأول بمثابة قانون. والمشترع افترض إمكان تعطّل مجلس الجامعة، وفوض صلاحيات لاستمرار المؤسسة ومكّن الرئيس من ممارسة صلاحيات تسيير المرفق العام، لكن التفويض يكون محدوداً زمنياً لظروف استثنائية، ولا يمنح الفرد صلاحيات دائمة. بمعنى أن الدولة لا تتخلى عن صلاحياتها لفرد، بل تفوضه ببعضها بشرط زمني محدد.




