بلقنة الإنترنت: نهاية حلم الشبكة العالمية الموحَّدة

نافع سعدالأحد 2026/05/24
اعتصامات وحجب الانترنت في ايران (غيتي)
حجب الانترنت في إيران هو النموذج الأكثر تطرفاً في العالم بعد كوريا الشمالية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمّة تناقض بنيوي بين الأمن السيبراني والإنترنت المفتوح يتعذّر اليوم إيجاد تسوية حقيقية له. فكلّ دولة تجد نفسها أمام معادلة معقّدة: لا حماية سيبرانية فعّالة دون مزيد من التحكّم، ولا تحكّمَ دون أن يُقضَم تدريجياً ما تبقّى من فضاء رقمي مفتوح. لقد تحوّل الإنترنت الذي صُمّم ليكون "مشاعاً عالمياً" عابراً للحدود والقيود، إلى ساحة متقدّمة لصراعات القوى الكبرى، وحروب المعلومات، ومساعي الاستقلال الاستراتيجي.

 

والمفارقة أنّ مفهوم "السيادة السيبرانية" نفسه لم يعد مفردةً في قاموس الأنظمة الاستبدادية وحدها. فالاتحاد الأوروبي يستعير المصطلح نفسه الذي يردّده شي جين بينغ، وإن اختلفت الأدوات والغايات. تصف مؤسسة "كارنيغي" هذه الظاهرة بالقول إنّ "التضامن الرقمي انتهى، وحلّت محلّه السيادة التقنية". كأنّ العالم، في لحظة ارتباكه أمام الفضاء السيبراني، اختار أن يستعيد قواعد القرن السابع عشر بدلاً من أن يبتكر قواعد القرن الحادي والعشرين.

 

الإطار المفاهيمي: تفكيك المصطلحات

قبل المضيّ في البحث، لا بدّ من تمييز خمسة مفاهيم يجري الخلط بينها في الإعلام والأدب السياسي.

  • الأوّل هو انقسام الإنترنت (Splinternet)، وهو المفهوم الأشمل. صكّه الباحث كلايد وين كروز عام 2001، وتُعرّفه "جمعية الإنترنت" بأنّه تشظي الشبكة المفتوحة إلى شبكات مُجزّأة تسيطر عليها حكومات أو شركات.
  • الثاني، السيادة السيبرانية (Cyber Sovereignty)، مصطلح صيني الصنع تروّجه بكين منذ خطاب شي جين بينغ في مؤتمر ووتشن عام 2015، حين دعا إلى "احترام حق كلّ دولة في اختيار مسار تطوّر الإنترنت لديها". هذا التعريف يضع الدولة مالكاً أصيلاً للفضاء الرقمي داخل حدودها.
  • الثالث، السيادة الرقمية (Digital Sovereignty)، مفهوم نشأ أوروبياً بعد تسريبات سنودن عام 2013. لا يقوم على الحجب بل على التحرّر من هيمنة الشركات الأميركية الكبرى - أمازون ومايكروسوفت وغوغل - عبر تشريعات صارمة وبنية تحتية بديلة. تختصره مؤسسة "كارنيغي" بأنّه "السلطة على البنية التحتية والبيانات والمعايير ضمن قواعد ديمقراطية".
  • الرابع، الإنترنت الوطني (National Intranet)، وهو أقصى أشكال الانقسام: شبكة مغلقة ذات بوّابات محدودة إلى الخارج، كما في إيران (NIN) وكوريا الشمالية (Kwangmyong).
  • الخامس، بَلْقَنة الإنترنت (Internet Balkanization)، مصطلح وصفي يُحيل إلى تفكّك الشبكة إلى وحدات صغيرة غير متوافقة تقنياً.

الفروق ليست لفظية. السيادة السيبرانية الصينية لغة سلطة، والسيادة الرقمية الأوروبية لغة قانون، والإنترنت الوطني الإيراني لغة عزل. ثلاث ترجمات حول سؤال واحد: من يملك الفضاء الرقمي؟

 

كيف حدث التحوّل

بدأ التحوّل التاريخي لانقسام الإنترنت مع نهاية الافتراض الذي عبّر عنه فينتون سيرف (Vint Cerf)، أحد مؤسّسي الإنترنت، حين اعتبر أنّ "الاتصال الشامل بين الراغبين هو الافتراض الأساسي". أي أنّ الأصل اتصال، والاستثناء انقطاع. اليوم انقلبت المعادلة. الصين وروسيا وإيران أرست منطقاً مختلفاً، يقوم على أنّ الفضاء السيبراني امتداد طبيعي للإقليم الوطني والسيادة السياسية.

 

لكن هل تتحمّل هذه الدول الثلاث وحدها مسؤولية هذا الانقسام؟ الجواب لا. ثمّة ثلاثة عوامل بنيوية دفعت هذا التحوّل. الأوّل، إدراك الدول لحجم الهيمنة الأميركية على البنية التحتية للإنترنت، من منظمة ICANN إلى جذور DNS، مروراً بالكابلات البحرية والحوسبة السحابية وأسماء النطاقات. الثاني، صعود الأمن السيبراني خطاباً سيادياً بعد تسريبات سنودن، وفيروس Stuxnet الأميركي-الإسرائيلي الذي ضرب المنشآت النووية الإيرانية عام 2010، وهجوم SolarWinds عام 2020. والثالث، العقوبات الاقتصادية وما يسمّيه الباحثان هنري فاريل وأبراهام نيومان "تسليح التبعية الرقمية" (weaponized interdependence).

 

نماذج الإنترنت السيادي

النموذج الأوّل صيني. بدأ بـِ "الجدار الناري العظيم" (Great Firewall) عام 2003، ووصل اليوم إلى منظومة ذكاء اصطناعي تعتمد فحص الحزم العميق. دراسة قدّمها باحثون من ستانفورد وماساتشوستس في مؤتمر USENIX Security 2025 كشفت أنّ الجدار بدأ في نيسان 2024 بفكّ تشفير حزم بروتوكول QUIC الذي صمّمته غوغل ليكون عصياً على الحجب، وحجب أكثر من 58 ألف نطاق إلكتروني خلال ثمانية أسابيع. خلف هذا الجدار، يعيش 1.1 مليار صيني داخل منظومة بدائل محلية كاملة مثل WeChat وBaidu وWeibo، في عزلة محكمة عن غوغل وMeta وX.

والأخطر أنّ هذا النموذج بات يُصدَّر. في أيلول 2025، فجّر تحقيق مشترك بين InterSecLab ومنظمة العفو الدولية ومشروع Tor فضيحة "Geedge Networks"، الشركة المرتبطة بـِ "فانغ بينغ شينغ"، الملقّب بـِ "أب الجدار الناري"، التي باعت منظومات حجب إلى كازاخستان وإثيوبيا وباكستان وميانمار. وأكثر من مئة ألف وثيقة مسرّبة كشفت كيف تحوّل الجدار من سياسة محلية إلى منتج سيادي يُباع في سوق عالمي لأنظمة الضبط الرقمي.

 

النموذج الثاني روسي. منذ "قانون الإنترنت السيادي" عام 2019، بنت موسكو منظومة TSPU من أجهزة فحص الحزم العميق لدى مزوّدي الخدمة. لكن الحرب الأوكرانية كانت المسرّع الحقيقي. حُجبت Meta عام 2022، ثم حُجب YouTube عام 2024، وتبعته Discord وSignal. وأعلنت "روسكومنادزور" في تشرين الأول 2024 حجب 197 خدمة VPN. وفي 7 كانون الأول 2024، أقدمت موسكو على قطع الإنترنت لمدة 24 ساعة في داغستان والشيشان وإنغوشيا، وهي مناطق ذات غالبية مسلمة. كانت تجربة محسوبة بدقة. والمفارقة أنّ الكرملين نفسه أنفق نحو 145 مليون دولار عام 2024 على شبكات افتراضية حكومية للالتفاف على العقوبات الغربية. سيادة بأقنعة متعددة.

 

ثم تأتي إيران، النموذج الأكثر تطرّفاً في العالم بعد كوريا الشمالية. الإغلاق الذي بدأ في كانون الثاني 2026 استمرّ أكثر من 53 يوماً متواصلاً، مع انخفاض الاتصال إلى 1% من مستواه الطبيعي، وخسائر يومية تراوحت بين 35 و80 مليون دولار وفق NetBlocks. والأهم: نجحت طهران فيما عجزت عنه موسكو. بأنظمة تشويش يُرجَّح أنها من جيل "كالينكا" الروسي، تمكّنت من تعطيل "ستارلينك" داخلياً؛ هبط أداؤها 80% في مناطق واسعة، وبلغ فقدان الحزم 40% في طهران. كان يُفترض بالإنترنت الفضائي أن يكون ملاذ الحرية الرقمية الأخير، لكن هذه الفرضية تراجعت. السماء أيضاً صار للدولة فيها كلمة.

 

الإنترنت الطبقي الإيراني: ابتكار 2026

اقتُرحت "شبكة المعلومات الوطنية" (NIN) لأوّل مرّة عام 2005، ثمّ صارت ركيزة السياسة الرقمية للجمهورية الإسلامية. تصفها الباحثة كالا أونيل بأنّها "بنية تحتية رقمية مركزية تديرها الدولة، تعمل بالتوازي مع الإنترنت العالمي، وتسمح بعمل البنوك والصحة والخدمات الحكومية حتى مع قطع الاتصال الخارجي". أي أنّ إيران لم تكتفِ ببناء جدار، بل بنت إنترنتاً موازياً.

 

في كانون الثاني 2026، حدث في طهران ما لم يحدث في تاريخ الإنترنت من قبل. لم تكتفِ الحكومة الإيرانية هذه المرّة بقطع الشبكة عن مواطنيها كما فعلت في "تشرين الدامي" 2019، ولا بإبطائها كما فعلت أثناء احتجاجات مهسا أميني عام 2022. ابتكرت شيئاً جديداً يصعب وصفه إلا بـ"الإنترنت الطبقي" (Tiered Internet): قرابة 91 ألف حامل بطاقة تجارية حصلوا على خدمة باسم "Internet Pro" تمنحهم وصولاً مدفوعاً إلى الإنترنت العالمي، فيما بقي 85 مليون إيراني محاصرين داخل "شبكة المعلومات الوطنية" (NIN). لم يعد الإنترنت سلعة عامة، بل امتيازاً طبقياً يُشترى.

 

الخلاصة، التي قد لا تروق لكثيرين، أنّ الإنترنت الموحَّد كما عرفناه - مشروع 1996 الليبرالي الذي حلم به جون بيري بارلو حين أعلن "استقلال الفضاء السيبراني" - قد مات. لم نشهد انهيار شبكة، بل ولادة معمار جديد للنظام الدولي، يُعاد فيه بناء فكرة الحدود على طبقات البيانات والبروتوكولات والكابلات والأقمار الصناعية. السؤال لم يعد: هل سينقسم الإنترنت؟ بل: أيّ نوع من الانقسام سنرضى به؟ وهل ستحظى شعوب المنطقة، التي تعيش أصلاً بين عقوبات وحروب وحجب، بأيّ شكل من أشكال الاتصال الحقيقي مع العالم؟ أم أنّ كلّ واحد منا سيُولد قريباً داخل أرخبيله الرقمي، يحدّق في الجدار، ويظنّ الجدارَ سماء!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث