امرأة على رأس المقاصد: مشاريع تقرّب الجمعية من الناس

نغم ربيعالجمعة 2026/05/22
رئيسة جمعية المقاصد ديانا طبارة (المدن)
تضع "مركز تمكين المرأة" ضمن الأولويات في مشاريعها الخاصة في الجمعية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن فوز ديانا طبّارة برئاسة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت حدثًا إداريًا عابرًا داخل مؤسسة بيروتية عريقة. في بلدٍ ما زالت فيه المناصب تُقاس بالطوائف والذكورة والوراثات السياسية والاجتماعية، بدا وصول امرأة إلى رأس جمعية تأسست قبل 148 عامًا كأنه اختراق رمزي لجدار طويل من الصور النمطية. فجأة، صار الجميع يتحدث عن "أول امرأة" تتولى هذا الموقع.

 

جمعية غير منغلقة طائفياً

ديانا طبّارة نفسها لم تتوقع كل هذا الصدى. تقول لـِ "المدن" إنها صُدمت بحجم الترحيب بالفكرة، بعدما كانت تتهيأ، بالعكس، لموجة اعتراضات وانتقادات من نوع: "كيف تأتي امرأة إلى هذا المنصب؟". لكن المفارقة، كما تشرح، أن العودة إلى تاريخ المقاصد تكشف أن المؤسسين الأوائل ربما كانوا أكثر انفتاحًا من حاضرنا.

تستعيد البدايات، كأنها تحاول تذكير المدينة بسيرتها المنسية. قبل قرن ونصف القرن تقريبًا، حين أسّس شيوخ جمعية المقاصد، كانت أول مدرسة أنشأتها مخصصة للبنات، وكانت تديرها امرأة مسيحية. تقول ذلك بإصرار، لا من باب الاستثناء أو التفاخر الطائفي، بل لتفنيد الصورة السائدة عن الجمعية بوصفها مؤسسة "إسلامية" تنغلق على المسلمين فقط. بالنسبة إليها، هذه إحدى أكثر الأفكار ظلمًا للمقاصد وتاريخها.

 

في كلامها شيء من الحسرة أيضًا. كأنها تقول إن المدينة التي كانت أكثر جرأة قبل 148 عامًا، صارت اليوم تحتاج إلى الاحتفال أو التبرير لمجرد وصول امرأة إلى منصب إداري. "أجدادنا كانوا أحسن منّا"، تقول. 

 

المنطق الطبيعي للأشياء أن تتطور المجتمعات لا أن تتراجع، وأن يصبح وجود امرأة في موقع قيادي أمرًا عاديًا لا مادة للدهشة الجماعية. "في النهاية، من المفترض أن نتطور ونعود إلى جذورنا ونواصل المسيرة من هنا".

 

لكن هذا الترحيب، على رمزيته، فتح بابًا آخر. منظمات نسائية تواصلت مع طبّارة، وبعضها زار مقر الجمعية. عروض تعاون، وحماسة لفكرة أن تدخل امرأة إلى مؤسسة ما دام ارتبط اسمها بالبنية التقليدية لبيروت. كأن فوزها لم يُقرأ فقط كاستحقاق داخلي، بل كإشارة أوسع إلى تبدلات بطيئة داخل المجتمع نفسه.

 

"لم ينافسنا أحد"

عمليًا، لم تكن المعركة الانتخابية معقدة. فطبّارة وصلت بالتزكية بعد ترشح لائحة واحدة فقط. تقول إن لكل رئيس أسلوبه الخاص، لكن الجمعية تعمل ضمن الرؤية نفسها التي أرستها الإدارات السابقة، وضمن المسار نفسه. أما سبب الفوز بالتزكية، فبسيط جدًا: "لم يترشح أحد بوجهنا".

 

حين تُسأل عما يمكن أن تضيفه امرأة إلى مؤسسة بحجم المقاصد، تتحدث عن التفاصيل. التفاصيل اليومية الصغيرة التي تعتبرها النساء جزءًا من تكوينهن العملي، سواء في البيت أو العمل. تقول إن النساء يعملن بطريقة مختلفة، لأنهن يلتفتن أكثر إلى التفاصيل، وربما يكون ذلك "شيئًا بيولوجيًا"، كما تضيف مبتسمة، لكنها مقتنعة بأن هذه المقاربة ستنعكس على إدارة الجمعية.

 

وفي خلفية هذا الكلام، يظهر توجه واضح: تطوير المقاصد وقربها من الحياة اليومية للناس، واهتمام أكثر تجاه الجوانب الثقافية والاجتماعية التي لم تكن تحظى بالأولوية سابقًا.

 

تتحدث عن تطوير المراكز الصحية، وعن تحديث قطاع التعليم، من المدارس إلى الجامعة، داخل بيروت وخارجها. ولاتتوقف عند المعهد المهني الذي جرى العمل عليه خلال السنوات الأخيرة ليصبح جاهزًا لتجارب جديدة ومشاريع إضافية. كذلك تضع "مركز تمكين المرأة" ضمن الأولويات، في إشارة تحمل دلالة خاصة مع وصول أول امرأة إلى رئاسة الجمعية.

 

الحرب غيّرت كل شيء

لكن الحديث عن المشاريع لا ينفصل عن واقع البلد. فالحرب الأخيرة فرضت وقائع جديدة على المؤسسات التعليمية والاجتماعية في لبنان، ومنها المقاصد. مدرستان وجامعة اضطرت إلى تعليق الدراسة جزئيًا لاستقبال نازحين من الجنوب. "كان علينا إجراء تعديلات كثيرة على النظام التعليمي في المدارس، وكذلك في الجامعة. بالطبع، لدينا الآن محاضرات أونلاين، ولدينا نظام متابعة مختلف لهذه المرافق"، تقول.

 

تصف طبّارة المرحلة بأنها "صعبة، ليس علينا فقط، بل على جميع المدارس وعلى أهلنا الجنوبيين أيضًا". وتضيف أن الجانب النفسي يبقى الأكثر إلحاحًا، "فهم نزحوا من مكان إلى آخر، وخسروا جزءًا كبيرًا من استقرارهم وحقوقهم، ولم يعودوا قادرين على ممارسة حياتهم الطبيعية". وفي المقابل، تشير إلى أن المؤسسات التعليمية بدورها حُرمت من حقوقها ومن قدرتها على التخطيط للمستقبل، معتبرة أن "هذه مشكلة كبيرة جدًا في البلد".

 

وبالرغم من ذلك، تحاول الجمعية، وفق قولها، البحث عن حلول بالتعاون مع الدولة أو عبر مبادرات خاصة، لإعادة تنظيم هذه المرافق وتطويرها، حتى في ظل الأزمة المفتوحة.

 

"الإنسان أولًا"

في النهاية، تعود طبّارة إلى الفكرة التي تعتبرها أساس مشروعها وأولويتها: "بالدرجة الأولى والأخيرة، أولويتي الإنسان".  "فالإنسان داخل الجمعية أولًا، لأن المؤسسة، برأيها، لا تستطيع أن تساعد الناس إذا كان من فيها منهكين أو غير مرتاحين. ثم الإنسان خارج الجمعية، الذي يأتي إليها طلبًا للخدمة. لكنها تذهب أبعد من ذلك أيضًا. تتحدث عن "واجب" تجاه كل الذين مرّوا بالمقاصد ثم ابتعدوا عنها: من إداريين سابقين، وموظفين، وخريجين، وغيرهم. كأنها تريد إعادة ترميم شبكة اجتماعية كاملة، لا مجرد إدارة مؤسسة خيرية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث