للمرة الخامسة على التوالي، يُنشئ عصام قعون، النازح من صريفا، خيمة ليقيم فيها، بعدما شردته الحرب. يحاول التكيف مع واقعه الجديد في "المخيم الأزرق" الذي أنشأته الحكومة اللبنانية على واجهة بيروت البحرية.. يتحدث عن معاناته، ويصمت قليلاً غارقاً بحسرته ودموعه، شأنه شأن العشرات من الذين اضطروا اخلاء منازلهم جراء الحرب، والإقامة في مخيم مستحدث يُنظر إليه على أنه "صندوق فرجة" لمعاناة الناس.
تحت حراسة دائمة
في منطقة البيال، رُصِفت عشرات الخيام الزرقاء التي تحولت خلال أيام إلى مكان إقامة جديد لمئات النازحين اللبنانيين. خيام مرقّمة، حراسة ودوريات أمنية، لكن من دون كهرباء أو مياه أو حمامات.
يحاول قعون القفز فوق معاناته ليلبي احتياجاته المتنامية، إذ لجأ إلى تركيب أضواء صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، وإنشاء منشر للغسيل داخل المخيم المستحدث للنازحين في البيال. يقول قعون لـ"المدن": "أحضرنا الطاقة الشمسية بسبب عدم وجود كهرباء"، ويضيف: "لم أتخيل يومًا أن أعود إلى تقطيع الحطب في بيروت لتدفئة أولادي من البرد ليلًا". متابعًا يقول: "نغسل بمياه الشرب ونشتري الغالونات لتأمين احتياجاتنا الخاصة".
قعون، الذي أحضر غسالته معه من المنزل، اضطر إلى إعطائها لأقاربه في مركز إيواء بعدما بات عاجزًا عن استخدامها بسبب غياب الماء والكهرباء.
المخيم الأزرق
بين قرار رسمي لتنظيم وجود النازحين، واعتراضات على طريقة التنفيذ وظروف العيش داخل المخيم، أثار "المخيم الأزرق" كثيرًا من التساؤلات حول واقع النازحين ومستقبل إقامتهم في المكان بعدما اتخذ رئيس مجلس الوزراء نواف سلام قرار إنشائه بإشراف وزير الداخلية أحمد الحجار ومحافظ بيروت مروان عبود، فيما تولّت فرق الحرس البلدي في مدينة بيروت تنفيذ الأعمال على الأرض.
وحسب مصادر خاصة لـ"المدن"، بلغ عدد الخيام التي أُنشئت حتى الآن ما بين 160 و165 خيمة، فيما يُفترض أن يصل العدد الإجمالي إلى نحو 180 خيمة. وتتسع كل خيمة إلى عدد يتراوح بين 3 و5 أشخاص، وقد خُصصت مساحة الأرض لاستيعاب نحو 550 نازحًا لبنانيًا. وحتى اللحظة، لا تزال هناك 12 خيمة قديمة مستخدمة، إلا أن المعطيات تشير إلى أنها ستُزال بالكامل لاحقًا، بالتزامن مع ترقيم الخيام الجديدة وتنظيمها.
اعتراضات بلدية على آلية التنفيذ
ورغم تنظيم الخيام، لا يزال المكان يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، من مياه وكهرباء وحمامات، بسبب الجدل القائم بشأن عدم تجهيزها لمنع إقامة مخيم دائم. ويقول عضو بلدية بيروت محمد بالوظة لـ"المدن" إن بلدية بيروت "لم يكن لها أي دور في القرار"، موضحًا أن "القرار اتُّخذ من قبل السلطة التنفيذية برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الداخلية أحمد الحجار، فيما تولّى المحافظ التنفيذ".
ويشير إلى أن نقل النازحين إلى أملاك عامة تابعة لبلدية بيروت "كان يستوجب عقد اجتماع مع المجلس البلدي وأخذ رأيه"، مضيفًا: "إذا كان المجلس معارضًا، فلا يفترض بالسلطة التنفيذية أن تفرض على الهيئة المحلية، أي بلدية بيروت، نقل النازحين إلى أملاكها".
ويؤكد أن "القرار لم يتضمن إنشاء مراحيض أو حمامات، بل اقتصر على حصر الخيم وتنظيمها ضمن نقطة واحدة"، معتبراً أن "الحمامات حاجة إنسانية، سواء بقي الناس في المكان أم لا، لكن يبدو أن هناك قرارًا سياسيًا بنقلهم إلى الأملاك العامة، يقابله قرار آخر بإزالة الخيام فور انتهاء الحرب". فالبلدية لم تصدر أي بيان أو قرار رسمي بعد حول الموضوع، إلا أن "غالبية أعضاء المجلس البلدي لديهم اعتراضات على القرار وترتبط الاعتراضات بتأثير انشاء المخيم على الموسم السياحي، فيما الموافقون يعتبرون أنه إجراء مؤقت"، مشيراً إلى أن القرار صدر عن السلطة التنفيذية، وكان على البلدية التفيذ لا أكثر لكن حين يجتمع المجلس البلدي سيتم اصدار موقف واضح.
"قطعة أرض من حولا تساوي كل البيال"
من جهة أخرى، تتبدل الصورة داخل المخيم مع شهادات النازحين أنفسهم. ويقول النازح محمد ياسين، من حولا: "نحن هنا منذ الرابع من آذار. قيل لنا إننا سننتقل إلى الجهة المقابلة مع خيامنا، لكن ما حصل كان أشبه بالخديعة. ربما يظنون أننا سنحتل المكان. لكن بالنسبة إلي قطعة أرضي في بلدتي حولا تساوي البيال كله".
إلى معضلة عدم تجهيز المخيم، طرأت معضلة مناطقية بين النازحين هناك. وثمة جدل قائم حول تقسيم المخيم بين نازحين من الجنوب وآخرين من بعلبك. كل جهة تريد أن تكون في خيام متلاصقة من أبناء المنطقة الواحدة. ويقول ياسين: "لا خلاف بين النازحين، وإنما هناك مجموعة فضّلت الجلوس قرب أبناء بلداتها وأقاربها. أهل بعلبك جلسوا قرب بعضهم، ونحن أيضًا نريد راحة البال. تلقائيًا حصل نوع من التمييز، لكن لا يوجد خلاف".
وبحسب شهود عيان الإشكاليات المناطقية بين النازحين نشبت لأن البعض منهم يحتاجون إلى البقاء قرب أبنائهم، خصوصًا الحوامل وذوي الإعاقة والمسنين، هذا فيما عدد الخيم والمساحة لا تسمح بهذه الرفاهية. ويقول محمد سعيدون، الرجل المسن الذي يتنقل بين الخيم على كرسيه المتحرك: "أنا مريض سكري، وأحتاج إلى أن يبقى ابني إلى جانبي لأنه لا يوجد من يعينني سواه".
"جنى عمري سيذهب على الإيجارات"
في مأساتهم هذه، ينظر البعض إلى النازحين كما لو أنهم يريدون إنشاء مخيمات دائمة والسكن فيها، من دون مراعاة أنهم تركوا بيوتهم هرباً من الموت. أما النازحون فلا يعيرون أي اعتبار إلا إلى مأساتهم وحسرتهم على أرزاق المدمرة. عبير، التي كانت تملك مركز تجميل في النبطية واضطرت إلى النزوح مع كلبَيها، كل همها مصدر رزقها الذي تركته خلفها. وتقول: لدي مركز تجميل في الجنوب، هربت وتركت كل شيء خلفي. إيجارات البيوت مرتفعة جدًا، وجنى عمري سيذهب كله على الإيجارات. أجبرت على البقاء هنا في المخيم، لأن لا قدرة لي على استئجار بيت. إنهم يطلبون مبالغ كبيرة".




