في ظل الاحتقان الذي تعيشه الجامعة اللبنانية على خلفية اقتراح قانون لتعديل قانون الجامعة، الذي يستفاد منه في التمديد لرئيس الجامعة، والذي ترفضه غالبية الهيئة التعليمية في الجامعة، بما في ذلك جزء واسع من المحسوبين على حركة أمل، بعد تقديم نائبها أشرف بيضون اقتراح القانون، تداعى عدد من النقابيين والأساتذة في الجامعة لوضع دارسة مفصلة حول إشكالية هذا القانون، تنطلق من سؤال أساسي: هل "المطلوب استمرارية المؤسسة أم استمرارية الأشخاص، في ظل نظام مركزي لم يخضع لإصلاح فعلي منذ إنشاء الجامعة في خمسينيات القرن الماضي؟".
"المدن" تنشر هذه الدراسة التي أرسلها نقابيون وأساتذة في الجامعة قبيل انعقاد الجلسة العامة للمجلس النيابي، حيث أدرج على جدول أعمالها في البند رقم 18 اقتراح القانون الرامي إلى تعديل الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 66، أي تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية (جرى تأجيل الجلسة). علماً أن هذا القانون لم يعرض على لجنة الإدارة والعدل بما يخالف النظام الداخلي للمجلس النيابي، ذاك أن القانون من شأنه تعديل قانون، ويفترض أن يحال لدراسته من قبل لجنة الإدارة والعدل.
وفي ما يلي نص الدراسة:
-
في اقتراح القانون:
اقتراح قانون يرمي إلى تعديل الفقرة الرابعة من المادة الثانية من قانون تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية (القانون رقم 66 الصادر بتاريخ 4/3/2009).
المادة الأولى:
تُلغى الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 66 تاريخ 4/3/2009 (تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية)، ويُستعاض عنها بالنص الآتي:
" - 4 تُحدَّد ولاية الرئيس بخمس سنوات، قابلة للتجديد."
المادة الثانية:
يُعمل بهذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
-
في الأسباب الموجبة لاقتراح القانون:
تتلخص الأسباب الموجبة للتعديل المقترح، من جهة، في قِصر ولاية رئيس الجامعة المحددة بخمس سنوات، والتي لا تتيح له تنفيذ الخطط التي رسمها لتطوير الجامعة وضمان استمرارية انتظام العمل الأكاديمي والإداري فيها. ومن جهة أخرى، في الظروف الاستثنائية التي يشهدها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، والتي تعيق استكمال الإجراءات اللازمة لتعيين رئيس جديد ضمن المهل المحددة وفق الأصول المرعية الإجراء.
بناءً على ما تقدم:
-
إن أي مقاربة لهذا التعديل، بمعزل عن إعادة النظر في هيكلية الجامعة وآلية اتخاذ القرار فيها، تطرح سؤالًا أساسيًا: هل المطلوب هو استمرارية المؤسسة أم استمرارية الأشخاص، في ظل نظام مركزي لم يخضع لإصلاح فعلي منذ إنشاء الجامعة في خمسينيات القرن الماضي؟
-
إن التعديل المطروح لضمان الاستمرارية يعني ضمنًا أن استمرارية الجامعة مرتبطة بشخص رئيسها، لا بالمؤسسة نفسها. وهذا يتناقض مع أبسط أصول العمل الأكاديمي، حيث تُبنى السياسات الأكاديمية والمؤسساتية على التراكم المؤسسي لا على الامتداد الشخصي.
-
إن القول بأن قِصر الولاية (خمس سنوات) لا يُتيح تنفيذ الخطط هو قول غير دقيق. أولًا، لا يُعيَّن رئيس الجامعة على أساس برنامج أو خطة محددة وإنما يتم إختيارة من بين خمسة أسماء يحملون رتبة أستاذ يرفعهم مجلس الجامعة إلى وزير التربية الذي بدورة يرفع ثلاثة منهم إلى مجلس الوزراء. ثانيًا، إن رأس الهرم الأكاديمي هو عميد الكلية (وفق المادة (5) من قانون تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية رقم 66 الصادر بتاريخ 4/3/2009)، في حين يتولى رئيس الجامعة رئاسة الهرم الإداري (وفق المادة (9) منقانون تنظيم الجامعة اللبنانية رقم 75 الصادر بتاريخ 26/12/1967 التي تنص على "يتولى ادارة الجامعة رئيس ومجلس")، وكلاهما يُعيَّن بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء وفقا للقانون 66/2009. فلماذا يُصار إلى تعديل ولاية رئيس الجامعة ومنحه حق الترشح مجددًا، دون سواه من عمداء الكليات أو مديري الفروع؟
ويُطرح هنا أيضًا سؤال: هل ولاية رئيس الجمهورية (ست سنوات) غير كافية لتنفيذ خطاب القسم؟ وهل ولاية الحكومة (بحد أقصى أربع سنوات) غير كافية لتنفيذ بيانها الوزاري؟
-
أما التذرع بالظروف الاستثنائية التي يشهدها لبنان والتي يمكن أن تعيق تعيين رئيس جديد للجامعة مما قد يؤدي إلى الفراغ في الموقع، فهو غير مبرر وغير منطقي تضحده آلية التعيين نفسها التي تنص على اجراء ترشيحات ملزمة تسري على جميع المرشحين (ومن ضمنهم من يترشح لولاية ثانية بحال عُديل القانون) ليصار بعدها إلى التعيين في مجاس الوزراء. من جهة أولى، تنص الفقرة (2) من المادة (2) من القانون 66/2009 على آلية واضحة للتعيين قبل شهرين على الأقل من انتهاء الولاية (يتم التعيين بمرسوم بناء على قرار يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير وذلك قبل شهرين على الأقل من انتهاء ولاية رئيس الجامعة). ومن جهة ثانية، تقوم الحكومة دوريًا بتعيينات في مراكز شاغرة أو ستشغر من وظائف الفئة الاولى وأخرها تعيين مدعياً عاماً تمييزياً. ومن جهة ثالثة، عالج قانون 66/2009 حالة الشغور إذ تنص الفقرة (7) من المادة (2) على تعيين رئيس جديد وفق الآلية ذاتها، وكذلك عالج حالة الغياب، إذ تنص الفقرة (6) من المادة نفسها في حال غياب الرئيس ينوب عنه أكبر العمداء سناً.
ويُلاحظ، إن التذرع بالظروف الاستثنائية يتناقض مع حجة قِصر الولاية، ما يشير إلى أن الهدف الفعلي هو تفادي احتمال فشل آلية التعيين، لا ضمان التخطيط أو الاستقرار الأكاديمي.
كما يُذكر، إن على رئيس الجامعة، قبل انتهاء ولايته بعدة أشهر، الإعلان عن فتح باب الترشح للمنصب وفق آلية صادرة عن مجلس الجامعة (الفقرة (3) من المادة (2) من القانون 66/2009).
-
في جوهر قانون تنظيم الجامعة اللبنانية:
-
إن قانون تنظيم الجامعة اللبنانية رقم 75/1967 كان يتيح لرئيس الجامعة وعمداء الكليات ومديري الفروع الترشح لولايات متتالية دون انقطاع، ما أدى في الممارسة إلى احتكار السلطة وعدم تداولها.
-
من هنا، جاءت فلسفة قانون تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية رقم 66/2009 استجابة لتلك التجارب، وعدم إحتكارالسلطة وضخ دماء جديدية مع أهمية كل هذا في إرساء الحوكمة الرشيدة، فتم تعدل بعض أحكام قانون رقم 75/1967، فكرّس مبدأي المداورة ومنع تمركز القرار بيد فرد واحد.
-
نصّت المادة (2) من القانون 66/2009 (هذه المادة الغت المادة (10) من قانون رقم 75/1967 والتي كانت تُتيح التجديد لرئيس الجامعة وتم إستبدلتها بالمادة (10) جديدية) في فقرتها (4) على تحديد ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد انقضاء ولاية كاملة.
-
كما طُبّق مبدأ المداورة على عمداء الكليات (أربع سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد انقضاء ولاية كاملة) حيث جاءت المادة (7) من القانون 66/2009 لتُلغي المادة (25) من قانون 75/1967 والتي كانت تنص في فقرتها (1) على "يعين العميد أو المدير لمدة ثلاث سنوات" وفي فقرتها (4) على "يمكن تجديد تعيين العميد أو المدير لمرة واحد كما يمكن إعادة تعيينه بعد انقضاء ثلاث سنوات على ولايته الاخيرة" واستعيض عنها بالمادة (25) الجديدة والتي تنص في فقرتها (1) على "يعين العميد لمدة أربع سنوات غير قابلة للتجديد، إلا بعد انقضاء ولاية كاملة".
-
كذلك، طُبّق مبدء المداورة على مدراء الفروع (ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد انقضاء ولاية كاملة) بحيث جاءت المادة (7) من القانون 66/2009 لتُلغي المادة (25) انفة الذكر من قانون 75/1967، وتم إضافة فصل عاشر جديد إلى القانون 75/1967 حيث نصت المادة (78) في فقرتها (4) على "مدة ولاية المدير ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد انقضاء ولاية كاملة ".
-
في آلية تعديل قانون تنظيم الجامعة اللبنانية:
-
تنص المادة (17) من القانون رقم 75/1967 على أن من مهام مجلس الجامعة (للتذكير، يتألف هذا المجلس من رئيس الجامعة، وعمداء الكليات وممثلي اساتذتها بالإضافة إلى شخصيتين معينتين من الحكومة) إبداء الرأي في كل ما يتعلق بتعديل هذا القانون والأنظمة المتممة له. ويُعدّ هذا الرأي أساسيًا، نظرًا لكون المجلس شريكًا مع رئيس الجامعة في إدارتها (تنص المادة (9) من القانون 75/1967 على "يتولى ادارة الجامعة رئيس ومجلس").
-
وعليه، فإن غياب مجلس الجامعة، كما هو حاصل الأن، يحول دون إبداء هذا الرأي. ويُذكر أن التعديلات التي أُقرت بموجب القانون 66/2009 صدرت بناءً على اقتراح من مجلس الجامعة.
-
في الخلاصة:
-
إن الأسباب الواردة في اقتراح القانون غير مقنعة، وتبدو أقرب إلى محاولة تمكين موقع رئيس الجامعة دون سواه. والسؤال الذي يُسأل هل منصب رئاسة الجامعة أهم وأرفع من أي منصب آخر يمنع عليه التجديد؟ هل ولاية رئاسة الجامعة والمحددة بالقانون بخمس سنوات غير كافية للتخطيط وتنفيذ الخطط؟ وهل التخطيط يقتصر على الشخص أو على الموقع حيث أن الإدارة هي استمرارية؟ هل تحتاج الجامعة لرئيس لمدة عشر سنوات أو اكثر؟
-
إن قانون 66/2009 قد ألغى مبدأ التجديد للجميع (رئيس الجامعة، عمداء الكليات ومدراء الفروع) إلا بعد إنقضاء ولاية كاملة، وكرس إذا مبدأ مداورة السلطة، وأي استثناء لرئيس الجامعة يضرب جوهر هذا القانون والتوازنات التي أرساها على الصعيدين الاكاديمي والاداري.
-
إن الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجامعة بموجب القانون 75/1967 هي صلاحيات واسعة ولا تزال قائمة ولم يتم المساس بها رغم التعديلات التي أقرها قانون تنظيم عمل المجالس الاكاديمية رقم 66/2004.
-
وفق آلية الترشح الصادرة عن مجلس الجامعة، ينتخب هذا الاخير خمسة مرشحين برتبة استاذ لمنصب رئيس الجامعة ليصار إلى رفع أسمائهم إلى وزير التربية الذي بدوره يرفع ثلاثة منهم إلى مجلس الوزراء لتعيين أحدهم. لكن، بغياب مجلس الجامعة، يمارس طلاحياته رئيس الجامعة على ان تقترن مقرراته بموافقة وزير التربية (المادة (2) من المرسوم الاشتراعي رقم 122 تاريخ 16/9/1983 معطوفة على المادة (10) من المرسوم الاشتراعي رقم 49 تاريخ 6/6/1977) مما يخلق تضاربا في المصالح وعدم تكافؤ الفرص بين المرشحين (كون رئيس الجامعة في أن واحد مرشحاً وحكماً في إنتقاء المرشحين الخمسة من بين كل المرشحين) وبالتالي سيؤثر سلباً على إجراءت الترشح والعملية الانتخابية برمتها.
-
إن تعديل ولاية رئيس الجامعة ومنحه حق الترشح مجددًا، دون سواه من عمداء الكليات أو مديري الفروع تطرح إشكالية كبيرة. وإذا كان لا بد من تعديلات أو إصلاحات تطال قانون الجامعة، فيجب أن تتم بصورة شاملة ووفق الأصول، وبمشاركة مجلس الجامعة، بعد إعادة تشكيله، ورابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية وهذا ما حصل سابقا عند صدور القانون 66/2009 حيث كان لهما اليد الطولى في إقتراح التعديلات ومناقشتها، وعلى السلطة التنفيذية تحمّل مسؤولياتها في هذا الإطار لما تمثله من مرجعية دستورية في توجيه السياسات العامة للدولة.
-
إن التذرع بتجديد الولاية كما يحصل في الجامعات الأوروبية ليس مُقنعاً، لإن انتخاب رئيس الجامعة في إورويا مرتبط بخطة استراتيجية واضحة، مدتها غالباً خمس سنوات، تُعرض مسبقاً وتُناقش وتُعتمد وعلى اساسها يُنتخب رئيس الجامعة، ثم تُخضع للمحاسبة والمسألة عند انتهاء ولاية الرئيس على أساس مدى تحقق الأهداف المُعلنة. في هذا السياق، اسئلة تَطرح نفسها: ما هي الخطة الذي على اساسها يعيين رئيس الجامعة اللبنانية؟ هل يم تقديم خطة تطوير للجامعة قابلة للقياس والمتابعة؟ على سبيل المثال لا الحصر هل تم التعامل مع ملف التفرغ ضمن مقاربة إصلاحية للجامعة مبنية على الحوكمة الجامعية الرشيدة؟




