على متن خطة تنظيمية "لوجستية بسيطة"، رسا ملف خيام النازحين في العاصمة بيروت على برّ الأملاك العامة البلديّة بمحيط المدينة الرياضية، بعد جولات من الكباش السياسي والبلدي الذي شهده يوم الاثنين. الخطة التي حُرّكت بأوامر مباشرة من رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الداخلية أحمد الحجار ومتابعة المحافظ، بدت بمثابة إعلان "نهاية مؤقتة" لملف شائك، يتأرجح بين الرواية الرسمية وأصوات الميدان.
عملية نقل لوجستية وأوامر تنفيذية
المفارقة الأساسية في مشهد اليوم تمثلت في النأي بالنفس الذي مارسه المجلس البلدي لبيروت، حيث أوضح عضو البلدية الدكتور محمد بالوظة لـِ "المدن" أن المجلس لم يجتمع لاتخاذ قرار بهذا الخصوص، بل إن السلطة التنفيذية هي التي أصدرت أوامرها بنقل "ضيوفنا النازحين" وخيامهم من الأملاك الخاصة إلى الملك العام البلدي.
ووصف بالوظة العملية بأنها "عملية نقل لوجستية بسيطة للخيام والشوادر، بهدف حصرهم في مكان محدد يسهل تأمين مستلزماتهم الإنسانية، لا أكثر ولا أقل".
وحول جدل المراحيض، أكد أن الموضوع لم يُحسم بعد وهو متروك لوزير الداخلية والمحافظ تبديداً لهواجس البعض من الاستقرار الدائم، كاشفا أن "القدرة الاستيعابية للموقع تبلغ 400 خيمة (نحو 800 شخص)، والعملية تنظيمية بحتة لا تهدف لجلب نازحين جدد، في حين وضعنا النازحين السوريين أمام خياري العودة الطوعية بالحافلات أو مراكز الإيواء الرسمية بالتنسيق مع المنظمات الدولية والأمن العام اللبناني".
وعود من الدولة وشكرا "بري"
وفي المقابل، جاءت أصوات النازحين اللبنانيين من داخل المربع الجديد لتعكس واقع المعاناة والالتزام. من خلف شادر خيمتها الجديدة، تختصر الحاجة أم علي، النازحة من بلدة الخيام الجنوبية، مرارة الوضع قائلة:
"النزوح هجّرنا من بيوتنا تحت القصف والدمار، ولم نأتِ إلى بيروت نزهة أو رغبة في احتلال الساحات. نحن هنا نبحث عن الأمان لعائلاتنا بعد أن فقدنا كل شيء في الجنوب. نقدر جهود الدولة في تأمين هذا المكان البديل، لكن التنظيم لا يكتمل من دون تأمين المقومات الأساسية للحياة اليومية، وعلى رأسها الحمامات والمياه".
أما أحمد نازح (بلدة كفرحتى) فقال: "نتوجه بالشكر إلى الرئيس نبيه بري على مساعيه التي جمعت الأهالي النازحين معاً في هذا الموقع، وكذلك لمحافظة بيروت وبلديتها. نحن متواجدون في الخيام منذ نحو 80 يوماً نتابع متطلبات أهلنا أيضاً. واليوم، هذا التجمع تحول إلى مركز إيواء رسمي يحظى برعاية كاملة حيث لقد تلقينا وعوداً رسمية بأن تتكفل الدولة اللبنانية بكل ما نحتاجه من معونات وتجهيز للمطابخ وتمديد الكهرباء والمراحيض، ونحن ننتظر ترجمة هذه الوعود على الأرض".
من جهته، يسرد مصطفى عطوي، النازح من بلدة صديقين، أبعاد خطوة الانتقال بخلفية وطنية واضحة، مؤكداً: "أبلغتنا الجهات المعنية بوجود مشكلة في الخيام السابقة لأنها كانت منصوبة في أملاك خاصة، ولم يكن لدينا أي مشكلة في الانتقال إلى هذا المربع التابع للبلدية، خصوصاً بعد تأمين خيام جديدة لنا بشكل سريع ومنظم. نحن تحت سقف القانون ومع القرارات الرسمية ولسنا ضدها، ومن حق أصحاب العقارات الاستحصال على أملاكهم. لم نأتِ للاستيلاء على الأرض أو فرض أمر واقع، بل دفعنا الخوف من العدوان للجوء إلى البيال بحثاً عن الأمان، وسنلتزم بكل ما يطلب منا".
مأزق "المؤقت" اللبناني
في لبنان، تحمل كلمة "مؤقت" دائماً أكثر من معناها المباشر؛ فهي تختزن قلقاً جماعياً من أن يطول الانتظار أكثر مما ينبغي. وبين تأكيدات بلدية بيروت، بأن ما يجري يندرج حصراً ضمن إطار تنظيمي وإنساني مؤقت، وبين الهواجس السياسية التي ترافق أي خطوة من هذا النوع، يبدو التحدي الحقيقي في كيفية إدارة هذا الملف بحساسية ومسؤولية. حتى الآن، تبدو الصورة واضحة لدى النازحين أنفسهم: ما يريدونه ليس أكثر من مساحة آمنة تحفظ كرامتهم إلى حين انقضاء الحرب، فيما تبقى العودة إلى منازلهم الخيار الأول والأخير، والوجهة التي لا تزال حاضرة في وجدانهم قبل أي مكان آخر.




