لم تكن خطوة بدء إزالة الخيم من الواجهة البحرية لبيروت (البيال)، والتي رافقها تفقّد ميداني لوزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، مجرد إجراء تنظيمي روتيني فرضته ضرورات العاصمة. خلف المشهد الميداني الذي تولّاه محافظ بيروت مروان عبود وبالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي، تتقاطع حسابات سياسية وإدارية معقدة، وتبرز كواليس أزمة صلاحيات صامتة بين "المحافظة" و"البلدية"، تدخّل رئيس الحكومة نواف سلام لضبط إيقاعها من منطلق إنساني وسياسي لمنع تفاقم الأمور، في وقتٍ تتأرجح فيه القراءات داخل البيت البلدي الواحد حول طبيعة الخطوة ومستقبل المنطقة.
من العشوائية إلى "الفرز"
بعد رفض قاطع من النازحين الذين افترشوا واجهة بيروت البحرية لكل طروحات الانتقال إلى مراكز إيواء في الشمال أو إلى المدينة الرياضية، نجحت الضغوط والتفاوض السياسي ــ وتحديداً بعد إيعاز من "حركة أمل" ــ في إقناعهم بالانتقال إلى أرض مخصصة لبلدية بيروت، لا تبعد كثيراً عن مربع تجمعهم الحالي.
وزارة الشؤون الاجتماعية كانت قد استنفدت محاولاتها السابقة لإقناع القاطنين هناك بالبدائل، ليتولى رئيس الحكومة نواف سلام الملف شخصياً، واضعاً إياه في إطار "الواجب الإنساني" الملحّ، ومطلقاً ورشة تنسيقية ضمت الداخلية والمحافظة وغرفة إدارة الكوارث، بمواكبة ميدانية من جمعية "كشافة الرسالة" لتفكيك الخيم القديمة وتجهيز الموقع الجديد.
بعد صدور قرار نقلهم اعترض "تيار المستقبل" على الخطوة. وقال في بيان: "يبدو واضحاً أن هذا القرار جاء نتيجة رضوخ من اتخذه لأجندات سياسية وحزبية تصر على تحدي قرارات الدولة اللبنانية، وتحول دون نقل النازحين من الواجهة البحرية إلى مراكز الإيواء المعتمدة، ولا سيما في المدينة الرياضية، ما يُحمل رئيس الحكومة نواف سلام، محافظ بيروت وبلديتها، الوزارات المعنية، وفي مقدمها وزارتا الداخلية والشؤون الاجتماعية، المسؤولية الكاملة عن تداعياته، وعن أي فوضى إضافية قد تنتج عنه، بعدما جرى تجاهل كل التحذيرات والدعوات إلى اعتماد حلول متوازنة ومدروسة تحفظ مصلحة بيروت وأهلها وتحترم كرامة النازحين في آنٍ معاً".
ورفض "المستقبل" "تحويل أي منطقة في بيروت إلى أمر واقع جديد يُفرض على أهلها، ويجعلهم يدفعون ثمن العشوائية والتخبط في إدارة هذه الملف، يؤكد في الوقت نفسه أن من حق النازحين على الدولة، ومن واجبها الوطني والإنساني، تأمين مراكز إيواء لائقة ومنظمة تحفظ كرامتهم".
إزالة المنشآت
مصادر متابعة أكدت لـ"المدن" أن هدف رئيس الحكومة كان إزالة المنشآت التي بدأ يشيدها النازحون وعدم تحويل المنطقة إلى مخيم أمر واقع ودائم. والهدف الثاني هو تنظيم وجود النازحين في بقعة جغرافية محددة تحفظ كرامتهم الانسانية. والشرط الأساسي كان عدم تمديد الكهرباء وإنشاء مراحيض هناك. فمن يريد من النازحين هذه الخدمات عليه الانتقال إلى العديد من مراكز الإيواء وعلى رأسها المدينة الرياضية المخصصة لاستقبالهم. غير ذلك لا يراد من تفكيك الخيم في مكان أن تتحول المنطقة الجديدة إلى مخيمات دائمة في الواجهة البحرية.
(نموذج عن الخيم التي يتم تجهيزها للنازحين في بيروت)
عدم الإضرار بمصالح العاصمة
بدوره يوضح محافظ بيروت القاضي مروان عبود في حديث لـ "المدن"، أن ما يجري في محيط الـBIEL ليس عملية "نقل للنازحين" بالمعنى الحرفي، بل هو عملية "تنظيم وترتيب وفرز" داخل المنطقة نفسها. ويشير عبود إلى أن النازحين كانوا منتشرين على مساحة واسعة وبشكل عشوائي، تداخلت فيه حالات النزوح الفعلي مع مظاهر استغلال ومخالفات تمثلت في إنشاءات خشبية ومحال تجارية أُقيمت في محيط المنطقة.
وبحسب عبود، فإن العمل الجاري يركز على إزالة كافة المخالفات والإنشاءات الخشبية، وتأمين خيم نايلون منظمة، شبيهة بتلك الموجودة في المدينة الرياضية، مخصصة حصراً للنازحين اللبنانيين الفعليين، بهدف حصر وجودهم ضمن مساحة محددة "تحفظ النازحين ولا تضر بأهالي بيروت أو بالمصالح الاقتصادية في المنطقة". أما في ما يتعلق بالنازحين السوريين الذين كانوا في الموقع، فيجري التنسيق مع الأمن العام لتسوية أوضاعهم، إما عبر تسهيل عودتهم إلى سوريا أو نقلهم إلى مراكز إيواء مخصصة للسوريين.
"البيال" كمتنفس حيوي: حساسية الموقع
من جانبه، رأى عضو مجلس بلدية بيروت، العميد محمود الجمل، أن "هناك اعتراضًا على الموضوع، ولا يبدو أن هناك نية فعلية للنقل حتى الآن". ووصف منطقة البيال بأنها "ذات حساسية خاصة"، مشدداً على أن الأمر لا يتعلق بأي بعد طائفي أو فئوي، بل ينطلق من كون المنطقة "متنفسًا لكل سكان بيروت، ومكانًا للتنزه والرياضة والأطفال، إضافة إلى كونها منطقة حيوية وتجارية" شديدة الأهمية للعاصمة. وقال: "هذا لا يعني أبدًا التشهير بالنازحين أو وضعهم في أي مكان، بل على العكس، أنا مع أن يكونوا في أفضل وضع ممكن وأكثر الأماكن راحة، وأؤيد أي خطوة تحقق ذلك".
كواليس الصلاحيات وأزمة "الحمامات"
رغم نفي المحافظ عبود لـ "المدن" وجود أي خلاف أو غياب للتنسيق بينه وبين البلدية الجهات، ورغم تأكيد العميد الجمل بدوره على أن بلدية بيروت قدمت مساعدات كثيرة للنازحين في مختلف المناطق (من مساعدات عينية وحرامات وفرش وغيرها)، إلا أن مصادر مطلعة تكشف لـ"المدن" عن باطن الأمور الذي يعكس أزمة "صلاحيات وتوجسات" تقليدية في العاصمة، لا سيما في العلاقة المعقدة بين المحافظة والبلدية.
قانونياً، محافظ بيروت هو "السلطة التنفيذية" الوحيدة المسؤولة مباشرة عن إدارة ملف مراكز الإيواء وإدارة الكوارث في نطاق العاصمة. وهذا يحيي الخلاف المكتوم مع "بلدية بيروت" والمحافظ. فهي تجد نفسها في موقع "المُتلقّي" لقرارات تُنفذ على عقارات تابعة لملكيتها الإدارية، كالأرض الحالية المحاذية للبيال، وهو ما عبّر عنه الجمل صراحةً بالقول إن "بلدية بيروت ليست الجهة المعنية مباشرة بهذا الملف"، مؤكداً أن "التنسيق القائم ينحصر بين رئيس الحكومة نواف سلام ومحافظ بيروت"، لكون المنطقة لها ترتيبات خاصة.
وتشير المعلومات إلى أن "البلدية" لم تمنح موافقتها بعد على تثبيت النقطة الجديدة، لاعتبارات تتعلق بهوية المنطقة ومستقبلها، لدرجة أن التنسيق لا يزال مستمراً بين الرئيس سلام والمحافظ عبود للبحث عن خيارات بديلة لاستيعاب النازحين خارج هذا النطاق الحيوي مستقبلاً إذا دعت الحاجة.
وتكشف المصادر أن الخلاف الأبرز الذي فرمل الأمور في "الأمتار الأخيرة" وتمحور حوله الكباش الإداري، هو قضية "تجهيز المراحيض والحمامات" في الموقع الجديد. فالبلدية أبدت ممانعة واضحة ورفضاً قاطعاً لتجهيز بنية تحتية للصرف الصحي للمخيم الجديد، خشية أن يساهم وجود "الحمامات الثابتة" في تحويل المأوى المؤقت إلى "مخيم دائم أمر واقع" يصعب تفكيكه لاحقاً.
بدوره المحافظ عبود شدد على أن "هذه الخيم هي حلول مؤقتة وانتقالية، والهدف ليس تثبيت إقامة دائمة بل ترتيب الوضع إلى حين انتهاء الأزمة وعودة الأهالي إلى بلداتهم".
بين الطابع الإنساني للملف الذي يصر رئيس الحكومة على رعايته، والمقاربة التنظيمية والأمنية التي يقودها المحافظ، والتوجسات الهيكلية والبيئية التي تبديها البلدية، تبقى أرض "البيال" نموذجاً مصغراً لكيفية إدارة الأزمات في لبنان: تسويات سياسية موضعية، كباش صلاحيات تحت الطاولة، وحلول "مؤقتة" تُبنى على رمال الصرف الصحي الساخنة.




