من بيروت إلى الشام: إنّها بلاد الخوف

داليا عبيدالاثنين 2026/05/18
وسط بيروت (Getty)
كيف بطل السحر عن بيروت (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثلاث سنوات غبتُ فيها عن لبنان، ابتعادًا عن إسنادٍ لم يُسنِد بشرًا ولا حجرًا. غابت الصيفيّة في الضيعة مع الجدّات والأجداد عن أولادي، وبقينا ننتظر أمام شاشات المحطات التلفزيونية وشاشة الفيسبوك، علّنا نلتقط خبرًا من هنا يبشّرنا بالعودة.

 

في عزّ الهدنة الحربية، اضطررتُ للعودة إلى البلد لأسباب عائلية. بدأت أوجاع البطن في قاعة الانتظار في مطار شارل ديغول في باريس، وخفّفها لقائي بزميلٍ لي في العمل يعبر من بيروت إلى الشام. كانت عائلته قد طرحت عليه الأسئلة نفسها التي سألتني إيّاها عائلتي الصغيرة: "كيف رايحة لهونيك؟". لم يُرِد صديقي النوم في أوتيل بيروتي، فسحب به السائق إلى الشام.

في مطار بيروت، ذهبتُ للبحث عن شنطاتي الثلاث الممتلئة بالأدوية. أدوية تبرّع بها لبنانيون وفرنسيون، وقدموا من أماكن بعيدة لتسليمها لنا في حفلٍ ريعي من أجل لبنان. سبقت هذه الشنطَ ثلاثُ شنطٍ أخرى ما زالت تنتظر "حرب إسناد" أخرى لتحريرها من نتائج انحلال الدولة اللبنانية، رغم اتباع الأصول المطلوبة للتصريح عبر وزارة الصحة والأجهزة المعنية في المطار.

 

قلتُ للجمارك في المطار إنني أريد التصريح بثلاث شنط من الأدوية، وإن الموافقة قد أُخذت من الوزارة عبر مسؤول الجمعية، بعد أن تمّ فرز الأدوية من قبلي. أيّامٌ أمضيناها أنا وزوجي وأولادي ونحن نفرز ونسجّل ونوضّب، لأن وزارة الصحة "بتأمر"، ولأننا نريد الدولة. مركزية زائدة وبيروقراطية منحلة، ولكن "معلِّش"… الناس تحتاج حبّة دواء من الله.

كل هذا التعب لم ينفع بشيء. وصلنا إلى غرفة الرجل الأمني، وأنا لا أعرف رتبته. أخرجتُ من محفظتي بطاقة العمل لأخبره بأنني دكتورة، وبأنني جمعت هذه الأدوية من الناس. كان شكلي لطيفًا، وكنت أستعمل عكازات بسبب كسرٍ في رجلي. لم يكن هناك أثرٌ لأوراق وزارة الصحة. ربما نفع عكازي، أو كل ما اجتمع ممّا ذكرته لاحقًا. رحّب بمبادرتي الخيّرة، وأطلق سراحي بترحاب.

 

وصل نزار، وأطلق العنان لسيارته. في رأسي أثرٌ للمسيّرات، لا للفراشات. نهرته بسبب مروره في طريق المطار القديم، ولذتُ بالصمت أترقّب صوت المسيّرة التي سوف تنقضّ علينا.

تجوّلنا في بيروت، فأحسستُ بالانقباض. لم يغب هذا الشعور عنّي يومًا عند زيارة بيروت، لكن العدوان الإسرائيلي يزيده قساوة. بشاعة بيروت لا تُحتمل، تقبض القلب. والمتّهم معروف: الحرب دمّرت المدينة، والسِّلم دمّرها أيضًا، والدولة العميقة فعلت ذلك، دولة حزب الله والمنظومة المشاركة في عمق الدولة المصون.

أمضيتُ الليلة في الأشرفية، في بناء من ستينيات القرن الماضي يطلّ على خراب المدينة المعاصر. وهناك بدأت ليالي الأرق اللبنانية.

لا مشكلة لديّ عادةً مع الأرق. أنام كالأطفال السعداء ليلةً كاملة. لكن سريري كان بمواجهة الباب، فصرت أتخيّل مرور الصاروخ عبره من مسيّرة. قصّرتُ نومي المتأخر في البداية، وأعددتُ القهوة وجلستُ على التراس أشمّ رائحة الياسمين وأسمع صوت "الكمبريسور". قلتُ لمضيفي، ببراءة مغتربة: "مين عم يشتغل ببيته من الصبح؟". فأجابني: "هيدي MK". تشرفنا.

حتى صوتها تغيّر. كانت تُدعى "أم كامل". كان صوتها يشبه الأنين، وكانت ترافقها حكايا ستي عن "أبو كيس".

 

افتتح نهار الأحد، وشربنا القهوة في بدارو، ولم تسترح "أم كامل XL". نظر إليّ أحد الروّاد، لا أعرفه، وقال: "خلص… أعطينا عشر دقايق راحة. بس عشر دقايق". كيف لإنسان عادي أن يراكم حربًا، ونزوح أهل، ومشاكل اقتصاد منهار، وطنين، و"أم كامل"؟

انطلقنا بعدها إلى البقاع حيث نزح أهل. وكان لهم الحظّ بأحبابٍ لنا استقبلونا في بيتهم غير المسكون. والحظّ نسبي في أيّام النزوح.

لبسنا الصمت في هذه الانطلاقة. كنتُ رادارًا أحاول اقتناص صوت مسيّرة، وأصلّي من أجل الابتعاد عن الزحمة. أريد العودة إلى عائلتي الصغيرة.

 

استعدتُ أرق الليلة الأولى في البقاع، وتابعت خوفي عند كل تنقّل، فخفّفته إلى أقصى حدّ. رغم ذلك، دبّت بي الحماسة لزيارة الشام وأنا على بُعد ساعة منها. لم يأخذني أبي المطلوب على الحدود إليها، ولم أزرها أبدًا أيام 14 آذار، ولا بعد اغتيال سمير قصير. لكن حمسني زميلي الشامي العائد إلى بيروت من أجل أوراق في البنك.

رافقته في السيارة إلى المصنع، وعدتُ إلى قوقعة خوفي المنتقل على الطريق. عند نقطة التفتيش السورية تقدّمت سيارة دبلوماسية. فتح السائق الطريق لها، فصرخنا، أنا وهو، بسائق التاكسي: "ابتعد عنها، لعلّها مركز شكّ لمسيّرة". نظرنا إلى بعضنا، أنا اللبنانية وهو السوري، وضحكنا من "طرافة الموقف".

خرجنا من نقطة المصنع ونحن نشاهد أرتال الشاحنات المتوقفة للدخول إلى لبنان. كيلومترات من الشاحنات تحتاج إلى ثلاثة أيام من الدور. قال السائق: "بدّن عشرين دولة لمكافحة التهريب بين الضيع المشتركة، مثل بلدة وادي العشائر، النص لبنانية والنص سورية".

ووصلنا إلى الشام القديمة.

 

هناك حلّ السحر عند رؤيتي لباب توما. يا لهذه الروعة… فهمتُ معنى أن تتحسّر جارتي الفرنسية شانتال وهي تحلم بالعودة إلى سوريا. رائعةٌ الشام القديمة، وحزينةٌ أحياء ما بعد الأبواب. حزينة مفارق الطرق والوافدين الجدد إليها، ينتقمون من الماضي، ويتركون لحاهم وأشكالهم الوافدة تحرس الأحياء والحارات، حتى في الشارع المسيحي المعروف بالقصاع.

هناك تناولنا القهوة، لكنني بدأت أرسم ملامح استهداف. إنها التروما، الذاكرة الجماعية والفردية، ترافقني وتنتج لي كل أشكال الانفجارات والاغتيالات. حراس الأحياء يشبهون حراس نقطة المصنع عند الفيزا والتفتيش.

قلتُ لأحدهم، ولم يكن يبلغ العشرين من عمره، إن هذه أول زيارة لي إلى الشام لأنني كنت أخاف سابقًا. فقال لي، بابتسامة عريضة: "ما بقى في خوف". وأنساني للحظة حاجز الفروقات بيننا. صرنا أولاد حارة واحدة، نتسامر ونطبطب لبعضنا.

 

خرجتُ في المساء وحيدةً ومطمئنّة، بعد مساءلة الناس، وبالرغم من سماعي عن حوادث خطف واغتصاب وبيع أعضاء في مناطق مختلفة، إلى باب شرقي. شربتُ بيرة "أفاميا" وحدي في حانة، وسألت صاحب الحانة كيف يسمحون له بإنتاج البيرة. فأجابني بثقة: "أخدت رخصة، عادي".

شربتُ البيرة وجلستُ متأهبة لرفسةٍ ما من عنصر أمني لم يعجبه الوضع، هكذا أخبرني البعض أثناء تحادثي معهم في الحي. لكن السحر عاد إليّ، وعادت معه أسئلتي عن بيروت…

ماذا فعلنا بهذه المدينة؟ كيف تجردت المدينة من أهل البلد؟ كيف بطل السحر عن بيروت؟

قال عباس بيضون يومًا عن الوسط التجاري إنه "ديزني لاند وصندوق المدينة العجائبي"، فصار صندوق خوفنا ونزوحنا ومآسينا وحزننا.

من بيروت إلى الشام… إنّها بلاد الخوف، ولكنها أيضًا بلاد أملنا بالعودة إليها، بدل السقوط في مهوارٍ قد يكون عميقاً!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث