حين تتحول السجون إلى عقوبة خارج القانون

عبد الفتاح خطابالاثنين 2026/05/18
1111.jpg
تخرج السجون جيلاً أكثر ميلاً للجريمة أو اليأس ما يُعمق دائرة العنف والفساد (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في قلب لبنان الغارق في أزماته الاقتصادية والسياسية، تتحول السجون إلى بيئة قاسية تُنتهك فيها كرامة الإنسان بشكل يومي باسم "العدالة".

 

سجن رومية مخزن للبشر

أبرز هذه المآسي سجن رومية، الذي صُمم لاستيعاب 1500 سجين كحد أقصى، لكنه يحتجز اليوم ما يتجاوز 6000 في بعض الفترات، مما يعني أنه يعمل بـ 400% من طاقته الاستيعابية. هذا الواقع ليس استثناءً، بل نموذجاً لمنظومة سجنية تعاني من الإهمال المزمن والفساد المستشري.

 

حين يصبح المتر المربع ترفاً

الاكتظاظ ليس مجرد رقم، بل أزمة إنسانية حقيقية. يعيش السجناء في مساحات ضيقة تفتقر إلى التهوية والنظافة والرعاية الصحية، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض وتدهور الأوضاع المعيشية بشكل خطير. ينام السجناء في غرف مخصصة لعدد أقل بكثير، على مسافة أقل من متر مربع للفرد الواحد، بعيداً عن الحد الأدنى العالمي الذي يوصي به الصليب الأحمر الدولي. تنتشر الأمراض المعدية، وتتفاقم الحالات الصحية بسبب نقص الرعاية الطبية الجذري. 

وتعاني الدولة من صعوبات في تأمين التمويل الكافي للغذاء والرعاية الأساسية، ما يترك السجناء عرضة للجوع أو الطعام غير الصالح. وفي ظل الأزمة الاقتصادية منذ 2019، تدهورت هذه الظروف إلى حد يُوصف بـ"الجحيم على الأرض".

 

عقوبة الإذلال قبل الإدانة

الصادم أن أكثر من 80% من النزلاء هم موقوفون احتياطياً، وهذه النسبة تُعدّ من الأعلى عالمياً، ينتظرون محاكمات قد تطول لسنوات. هؤلاء لم يُدانوا بعد، لكنهم يُعاقبون بعقوبة أشد قسوة من السجن نفسه: الإذلال اليومي، الابتزاز مقابل خدمات أساسية مثل الدواء أو الزيارة، وحتى "إيجار" الأسرّة داخل الزنازين. 

التقارير الدولية من هيومن رايتس ووتش ومنظمات محلية تؤكد انتشار التعذيب، الإساءة، والوفيات في الحجز، خاصة بين السوريين والأجانب الذين يعانون تمييزاً إضافياً.

 

العائلات تُسحق في الخارج

لا تقتصر المأساة على جدران السجون، بل تمتد آثارها المدمرة إلى أسر السجناء، فكل موقوف يترك خلفه أسرة تُسحق تحت وطأة الفقر والوصمة الاجتماعية، حيث يفقد العائل غالباً مصدر رزقه الوحيد، وتُرهق الأسر بتكاليف الزيارات والرشاوى والمحامين، في ظل انهيار اقتصادي يجعل حتى أبسط الاحتياجات صعبة المنال. 

أما على المستوى الاجتماعي، فيُنتج هذا الواقع جيلاً من الشباب المهمشين والمُذلّين، يخرجون من السجن أكثر ميلاً للجريمة أو اليأس، مما يُعمق دائرة العنف والفساد ويُفقد المجتمع الثقة في مؤسساته. فالسجون لا تعاقب المخالف فقط، بل تُحطّم عائلات بأكملها وتُضعف نسيج المجتمع.

 

تسريع البتّ القضائي والعفو 

أمام هذا الانسداد القضائي والانساني، تبرز إلى الواجهة طروحات استثنائية، ففي خضم هذه الأزمة، يعود الحديث المتكرر عن "قانون العفو العام" كأحد الحلول المطروحة لتخفيف الاكتظاظ داخل السجون اللبنانية. 

ويرى مؤيدو هذا الطرح أن إقرار عفو مدروس قد يساهم في تقليل أعداد الموقوفين، خصوصاً في القضايا البسيطة أو المتعلقة بالمخالفات غير الخطيرة، ما يخفف الضغط عن المؤسسات السجنية ويمنح القضاء فرصة لمعالجة الملفات المتراكمة. 

في المقابل، يثير الملف جدلاً واسعاً بسبب المخاوف من تسييس العفو أو استخدامه بشكل غير عادل، إضافة إلى حساسية ما يُسمى بملف "الموقوفين الإسلاميين"، إلى اعتراضات عائلات الضحايا في بعض القضايا الجنائية. وبين الحاجة الإنسانية لتخفيف معاناة المؤسسات السجنية ومتطلبات العدالة والمحاسبة، يبقى العفو العام ملفاً شديد الحساسية يحتاج إلى مقاربة قانونية عادلة ومتوازنة، لا إلى حلول ظرفية مؤقتة.

 

إلى جانب النقاش حول العفو العام، يبرز تسريع المحاكمات، كأحد أكثر الحلول إلحاحاً لمعالجة أزمة هذه المنظومة السجنية في لبنان. فالاكتظاظ لا يرتبط فقط بارتفاع أعداد السجناء، بل أيضاً ببقاء آلاف الموقوفين الاحتياطيين لسنوات من دون أحكام نهائية بسبب بطء الإجراءات القضائية ونقص الإمكانات داخل المحاكم. 

إن تسريع البتّ في الملفات، وتفعيل المحاكمات الإلكترونية، وزيادة عدد القضاة والجلسات، وإمكانية استدعاء قضاة متقاعدين، يمكن أن يخفف بشكل كبير من أعداد المحتجزين من دون محاكمة، ويعيد جزءا من الثقة بمبدأ العدالة. فالسجن الاحتياطي يجب أن يكون إجراءً استثنائيا ومؤقتا، لا عقوبة مفتوحة قبل صدور الحكم.

 

البدائل عن السجن

وفي موازاة هذه الحلول التقليدية، يبرز التوجه نحو تفعيل "بدائل السجن" (Non-custodial measures) كضرورة عصرية وحقوقية. إن تحويل العقوبة في الجرائم البسيطة والجنح غير العنيفة من حجز للحرية إلى خدمات اجتماعية ومنفعة عامة، أو فرض الغرامات المالية المدروسة والمراقبة الإلكترونية، من شأنه أن يقلص أعداد الداخلين إلى "مطحنة" السجون. 

هذه البدائل لا تخفف الضغط المادي واللوجستي عن الدولة فحسب، بل تحمي الأفراد من الاختلاط بعتاة المجرمين، وتمنع تحول مرتكب الهفوة الأولى إلى مجرم محترف، مما يخدم هدف "الإصلاح" الحقيقي بدلاً من مجرد الانتقام العقابي.

 

السجون دليلاً على الفشل المؤسسي

الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة سنوات من سوء الإدارة والفساد في ظل سلطة تفضل الشعارات على الإصلاح. حتى الحروب والنزوح زادت الطين بلة بنقل السجناء وتدمير بعض المنشآت. بدلاً من بناء سجون جديدة أو تسريع المحاكمات أو تطبيق بدائل عن الاحتجاز، تكتفي الدولة بالصمت أو الحلول الترقيعية التي لا تغير شيئاً.

سجون لبنان ليست مجرد أماكن للاحتجاز، بل مرآة لأزمة دولة تعجز عن حماية كرامة الإنسان والالتزام بأبسط معايير حقوق الإنسان. وما دامت هذه المنظومة قائمة دون إصلاح حقيقي، يبقى الحديث عن "دولة القانون" ناقصاً وفاقداً لمعناه. آن الأوان لإصلاح حقيقي يعيد للإنسان كرامته قبل أن تتحول السجون إلى عنوان دائم لفشل الدولة.

سجون لبنان تهذيب وإصلاح... أم تعذيب وإجراح؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث