جاء إغلاق مضيق هرمز في شباط 2026 ليُلقّن العالم درساً قاسياً في الواقعية. فقد كشف، خلال أيام، الفجوة الواسعة بين خطاب "التحول الأخضر" وواقع الطاقة. ما نعيشه اليوم ليس استبدالاً لمنظومة الطاقة القديمة بأخرى نظيفة، بل تضخّمٌ متواصل في استهلاك الطاقة بكل أشكالها.
نحن لا نستبدل الكربون، بل نكدّس الألواح الشمسية والتوربينات فوق جبل من الوقود الأحفوري لا يتوقف عن الارتفاع. والدليل بسيط: سجّلت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العام 2025 رقماً قياسياً جديداً بلغ 38 مليار طن.
هرمز 2026: اختبار الواقع
أثبتت أزمة مضيق هرمز أنها أكثر من مجرد حدث جيوسياسي. هي اختبار يكشف حقيقة مفادها أنَّ الاعتماد على الوقود الأحفوري ليس قراراً سياسياً يمكن التراجع عنه بمرسوم، بل بنية صناعية وتكنولوجية متشعبة لا تتفكك بسهولة.
في أيام معدودة، توقف تدفق نحو 20 مليون برميل من النفط الخام، ومعها قرابة خُمس تجارة الغاز المسال في العالم. ولم تنفع "البنية التحتية الخضراء" التي تباهت بها دول شرق آسيا في امتصاص الصدمة. فاليابان وكوريا الجنوبية، اللتان تستوردان معظم طاقتهما عبر هذا الممر، دخلتا في حالة شبه شلل صناعي. ما ظهر هنا ليس فشلاً تقنياً، بل ما يمكن تسميته "فخ أمن الطاقة". فالاستثمارات الهائلة التي ضُخّت في النواقل وسلاسل توريد الغاز لم تحرر هذه الدول من الاعتماد، بل عمّقته.
كشفت الأزمة أيضاً جانباً أعمق يندر الحديث عنه. فالاقتصاد العالمي لا يقوم فقط على تدفقات النفط والغاز اليومية، بل على أصول مادية ضخمة طويلة العمر تجعل أي تحول سريع شبه مستحيل. خذوا مثلاً مصافي النفط في الولايات المتحدة: متوسط عمرها 64 عاماً، وأقدمها يبلغ 107 أعوام. هذه المنشآت لا تُغلق بقرار، بل تكتب مستقبل الطاقة لعقود مقبلة بحكم وجودها وحده.
في الوقت نفسه، توسّع قطر طاقتها من الغاز المسال لتبلغ 142 مليون طن سنوياً بحلول 2030، باستثمار يقارب 30 مليار دولار. وعالمياً، سجّل عام 2025 رقماً قياسياً في قرارات الاستثمار النهائية للغاز المسال، إذ اعتُمدت طاقة جديدة بنحو 100 مليار متر مكعب سنوياً، أكثر من 90 في المئة منها في الولايات المتحدة. وكل هذه المشاريع تأتي بأعمار تشغيلية تتراوح بين عشرين وثلاثين سنة، أي أنها ستظل تضخ الغاز في الاقتصاد العالمي حتى منتصف القرن.
أما في قطاع النقل، فالأرقام لا تقل وضوحاً. يضم أسطول السيارات في العالم نحو 1.47 مليار سيارة، لا تشكّل الكهربائية منها سوى 4 في المئة، بالرغم من أنها باتت تمثّل ربع المبيعات الجديدة. الفجوة بين ما يُباع اليوم وما يجوب الطرقات فعلياً ستحتاج عقدين على الأقل لتُسدّ.
كيف وصلنا إلى هنا؟
في العام 2015، اجتمعت دول العالم في باريس واتفقت على هدف بدا واضحاً: منع ارتفاع حرارة الأرض أكثر من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع محاولة وقف الارتفاع عند 1.5 درجة. هذا الرقم ليس اعتباطياً، فبعده تبدأ المخاطر المناخية بالتسارع بشكل حاد.
ومن اتفاق باريس برز هدف الحياد الكربوني، أو "صفر الانبعاثات الصافية" بحلول 2050، بوصفه الشعار المركزي للسياسة المناخية العالمية.
بعد عشر سنوات، لم يعد هذا الهدف ممكناً. ففي تقريرها الأخير للعام 2025، أقرّت الوكالة الدولية للطاقة بأن حدّ الـ 1.5 درجة لم يعد مساراً واقعياً. ما تطرحه الوكالة اليوم هو سيناريو "التجاوز"؛ أي القبول بأن ترتفع الحرارة فوق هذا الحد لفترة قد تطول، على أمل خفضها لاحقاً عبر تقليص الانبعاثات أو سحب الكربون من الغلاف الجوي بتقنيات لا تزال، في معظمها، على الورق.
أما السياسات الحالية، فتأخذ العالم إلى مكان أبعد من ذلك بكثير، نحو احترار يقارب ثلاث درجات بحلول نهاية القرن.
هذه الفجوة بين الوعد والواقع ليست مسألة تقنية فحسب، بل سياسية في عمقها. فحين انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمرة الثانية في 2025، لم تخسر الاتفاقية دولة كبرى وحسب، بل فقدت جزءاً من قدرتها التراكمية على إلزام الآخرين. ومنذ ذلك الحين، تتحول السياسة المناخية شيئاً فشيئاً من مشروع عالمي مشترك إلى ساحة تنافس صناعي بين ثلاث قوى: الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كلٌّ منها يخوض معركته الخاصة على البطاريات والألواح الشمسية والسيارات الكهربائية، بأهداف لم تعد متطابقة مع أهداف الكوكب.
"سانتا مارتا" في مواجهة "بيليم"
لا يمكن فهم استمرار الهيمنة الأحفورية من دون النظر إلى ما يجري داخل قاعات المفاوضات المناخية. ففي قمة COP30، تجاوز عدد ممثلي شركات النفط والغاز 1600 شخص؛ أي أكثر من حجم وفود معظم الدول المشاركة. لم يكن هذا حضوراً عابراً، بل ما يصحّ وصفه بـِ "اختراق مؤسسي" لعملية صنع القرار المناخي ذاتها.
قمة المناخ الثلاثين (COP30) التي انعقدت في "بيليم" البرازيلية أواخر العام الماضي، وانتهت إلى ما يشبه الاعتراف بالعجز. فبعد أسبوعين من المفاوضات المرهقة، فشل المؤتمرون في إدراج عبارة "الوقود الأحفوري" في الوثيقة النهائية. ثمانون دولة طالبت بذلك صراحةً، ولم يكفِ ذلك.
على الضفة الأخرى، جاء مؤتمر "سانتا مارتا" في نيسان 2026 ليكسر هذا الجمود. بقيادة كولومبيا وهولندا، حاولت دول من "الجنوب العالمي" فتح مسار موازٍ بعيداً عن الشركات الكبرى التي تحاصر مسار الأمم المتحدة. وكان المؤتمر أكثر صراحة من سابقه، وأوضح في تشخيصه: لا يمكن أن يضع منتجو الكربون أنفسهم خريطة طريق "التحول العادل".
بين السردية والواقع: انفجار الطلب
تُغفل التغطيات الإعلامية في الغالب حقيقة بسيطة: الطلب العالمي على النفط لا يزال في مسار تصاعدي. وتتوقع منظمة أوبك أن يصل إلى 123 مليون برميل يومياً بحلول 2050. وراء هذا الصعود قوتان لا تتوقفان: انفجار سكاني وتنمية متسارعة في الهند وأفريقيا، وبقاء محرك الاحتراق الداخلي مهيمناً على 72 في المئة من أسطول المركبات العالمي المتوقع في منتصف هذا القرن.
حتى قطاع الكهرباء، الذي تصدّرت فيه المصادر المتجددة التوليد العالمي لأول مرة في 2025، لا ينجو من هذه المعادلة. فثمة جوع جديد يلتهم كل المكاسب: مراكز البيانات، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، التي بلغت استثماراتها 580 مليار دولار في 2025، متجاوزةً الإنفاق العالمي على إمدادات النفط نفسه.
مفارقة لا تخلو من سخرية: نحرق المزيد من الفيول والفحم لتشغيل الخوارزميات التي تَعدنا بمستقبل أخضر. وما دامت الطاقة الإضافية تُستهلك أسرع مما تُولَّد نظيفة، فإن "كهربة الاقتصاد" تتحول إلى سباق لا تنتهي حلقاته مع نمو الطلب نفسه.
الصناعة الثقيلة: صخرة الواقع الصلبة
تظل الصناعات الثقيلة، مثل الصلب والأسمنت والبتروكيماويات، المختبر الحقيقي الذي تتكسّر عنده سردية التحول السريع. خذوا "الصلب الأخضر" مثالاً: فتكلفة إنتاجه تفوق نظيره التقليدي بنحو 140 في المئة. ليست هذه فجوة سعرية يمكن ردمها بالحوافز، بل عائق هيكلي يحدّد حدود ما هو ممكن صناعياً اليوم.
النتيجة واضحة في الأرقام. مشاريع الحديد منخفض الكربون المقررة حتى 2030 لا تزال عالقة عند طاقة إنتاجية متواضعة لا تتجاوز 10 ملايين طن سنوياً، في حين يبلغ الإنتاج العالمي للصلب نحو 1.9 مليار طن. ما نراه ليس بطئاً في التنفيذ، بل ما يُعرف بـ"العطالة البنيوية": أصول صناعية ضخمة تمتد دورة حياتها لعقود، ولا تُستبدل بقرار، بل بإهلاك بطيء يتطلب جيلاً كاملاً.
فضح "الغسيل الأخضر"
في الأسواق المالية، حدث في 2026 ما يشبه تصحيحاً متأخراً. لسنوات، اعتادت الشركات الكبرى أن تنشر تقارير سنوية تتباهى فيها بإنجازاتها البيئية والاجتماعية، تلك التقارير المعروفة اختصاراً بـِ ESG. لكن المراقبين المستقلين اكتشفوا مراراً أن الكثير من هذه التقارير لم يكن سوى واجهة لامعة تخفي استمراراً في الممارسات القديمة. هذه الظاهرة اكتسبت اسماً صار شائعاً: "الغسيل الأخضر".
اليوم، بدأ المنظّمون يضيّقون الخناق على هذه الممارسات. ولعلّ أوضح مؤشر على حجم المشكلة أن 7 في المئة فقط من كبرى شركات العالم تكشف بشكل كامل عن انبعاثاتها الحقيقية. فحين تُعلن شركة سيارات مثلاً عن انبعاثاتها، فإنها غالباً تحتسب فقط ما يخرج من مصانعها، بينما تُستبعد الانبعاثات الناتجة عن استخدام ملايين السيارات التي تبيعها سنوياً، بالرغم من أنها تمثل الجزء الأكبر من بصمتها الكربونية الفعلية.
موازاةً مع ذلك، يشهد سوق "شهادات الكربون" تحولاً صامتاً. تقوم الفكرة على أن الشركة الملوّثة تستطيع شراء شهادة من مشروع يزرع الأشجار أو يحمي غابة في بلد آخر، لتعويض انبعاثاتها على الورق. لكن تحقيقات صحفية متعددة كشفت أن كثيراً من هذه المشاريع وهمية أو مبالغ في تأثيرها. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار شهادات الجودة الحقيقية إلى أربعة أضعاف نظيراتها المشكوك في مصداقيتها. ارتفاع لا يدل على ازدهار السوق، بل على حجم الفقاعة التي كانت تقوم عليها.
ما يفرضه واقع 2026 خلاصة واحدة: لن يكون التحول حقيقياً ما لم تُعالَج جذور المشكلة، لا أعراضها. الرهان على التكنولوجيا وحدها للخروج من الأزمة وهمٌ مريح. القضية في جوهرها سياسية واقتصادية، تتعلق بمن يملك المصانع، ومن يتحكم بسلاسل التوريد، ومن يحدّد قواعد اللعبة.
كشفت أزمة هرمز أننا لا ننتقل من عصر إلى آخر، بل نوسّع منظومتنا الطاقوية لتستوعب المصادر المتجددة باعتبارها إضافة لا غنى عنها لتلبية استهلاك ينمو بوتيرة غير مسبوقة.
الاعتراف بهذه الحقيقة هو نقطة البداية لتجاوز الفجوة بين ما نقوله عن أنفسنا وما نفعله فعلاً. فالمستقبل لا يُبنى بالوعود السياسية، بل بإعادة هندسة منظومات التمويل والصناعة لتكون أكثر عدلاً، وأكثر انسجاماً مع حدود الواقع لا مع طموحات الخطاب وحده.




