ما أن وصل ناشطون وناشطات في العناية بأطفال نازحي الحرب إلى ساحة من ساحات "البيال" على واجهة بيروت البحرية، حتى تراكض نحوهم أكثر من 50 طفلاً وطفلة، تتراوح أعمارهم بين الثامنة والثانية عشرة على وجه الإجمال. ووسط الساحة الإسفلتية الجرداء التي تنتصب على أطرافها خيم أهلهم النازحين، شرع الأطفال في عناق النشطاء بحرارة عاطفية شملت الطرفين.
استمر اللقاء-النشاط من نحو الساعة الرابعة بعد ظهر نهار معتدل طقسه الربيعي المشمس، وحتى غروبه في نحو السابعة مساءً. وزّع النشطاء على الأطفال محافظ من قماش تحتوي أدوات رسم: دفاتر وأقلام تلوين وملصقات ملونة، ودربوهم على استعمالها في الرسم والتلوين.
ماء الأسى
أول طفل أو فتىً صغير سألته عن اسمه ذكره، ثم قال إنه من بعلبك وولد في حي السلم بضاحية بيروت الجنوبية، مأوى النزوح القديم والإقامة العشوائية والحياة العشوائية، حيث دُمر بيت أهله، ومضى شهران على نزوحهم إلى هنا، لتأويهم خيمة نزوح جديد، أشار زين بيده إليها بعيدًا هناك على طرف الساحة.
وفجأة توقف عن الكلام، واحتقنت عيناه الواسعتان الخضراوان دموعاً حائرة. وفيما هو يكبحها بكلامه عن البناية التي بها بيتهم وقتل فيها بعض جيرانهم، تخيّلتُ أن الانفعال الذي أسال ماء الأسى في عينيه، فصله أو أخرجه للحظات عابرة من المشهد كله في الساحة، وأراه إياها كصورة مغبّشة في منام أو كذكرى بعيدة.
في وجهه جمال صافٍ نقيّ كبشرته التي تلونت بأسىً زهري قد يكون الخجل من مشتقاته. لكن زينًا سرعان ما تدارك أساه وخجله، أو ضيقه وتوتره ودموعه، بقفزه إلى مقعد دراجة نارية خلف صبي في سنّه تقريبًا. وصل الصبي فجأة وأوقف دراجته قربنا، ثم انطلقا بها سريعًا على إسفلت الساحة في اتجاه الخيم.
قال فتىً صغير كان يقف قربنا صامتًا إن سائق الدراجة هو ابن حارس في شركة "سوليدير"، وخيمة أهله النازحين من ضاحية بيروت الجنوبية، كبيرة ومميزة هناك على طرف المخيم.
بين وقت وأخر، كثيرًا ما لمحت زينًا لا يتوقف عن الحركة والتجوال الحر، المتوتر والعشوائي، في الساحة. كأنما قلق وضياع يحرّكانه في المكان الفسيح الخالي. أو كأنما وجد لتصريف قلقه وضياعه مكانًا فسيحًا هنا لضيق حياته السابقة هناك في حي السلم.
فجأة تذكرت مشهد غروب قديم: بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت نمشي بخطواتنا السريعة هنا في هذا الخلاء المقفر، أنا ومشّاء الغروب، فأقول له فجأة: أنظر، أنظر، إلى أين يمشي هذا الطفل الذي تجره أمه هنا في هذا القفر؟!
بيسان التي تنسى أنها سورية
اسمي بيسان، ونسيت اسم عائلتي، فأنا كثيرًا ما أنسى أشياء وكلمات كثيرة، قالت فتاة صغيرة ترتدي بلوزة بيضاء قصيرة وشورتًا، وتمشي بمشاية بلاستيكية بحركة مدروسة وشبه استعراضية بين جموع الأطفال، كأنها تدرك أنها تتميز عنهم وعنهن بمشيتها وحركتها وتسريحة شعرها.
ولما ابتعدت، قالت فتاة صغيرة كانت تقف إلى جانبها إن اسمها ليس بيسان، وهي سورية، وكان أهلها يقيمون في الليلكي بضاحية بيروت الجنوبية.
تعالٍ وقنوط
لما تراكض الأطفال وتزاحموا حول نشطاء شرعوا في توزيع محافظ القماش عليهم، استنكف فتىً صغير عن الركض ومزاحمة أمثاله للحصول على محفظة.
جلس منفردًا على الإسفلت بعيدًا منهم، شابكًا يديه حول رجليه، وينظر إليهم نظرة تعالٍ وعتب وقنوط. قال إن اسمه حسن، ونزح مع أهله من بلدة في جنوب الليطاني، وأضاف: إذا أرادوا أن يعطوني محفظةً، فليكن. لا، لن أركض إليهم، ولن أزاحم الآخرين للحصول عليها. بعضهم أخذوا محافظ وضعوها في الخيم، وها هم عادوا راكضين ليتزاحموا مجددًا كي يحصلوا على محفظةٍ ثانية.
وبعد لحظات من صمت قال: أنا لا أقوى على الركض مثلهم، ولا أريد. لقد أصابتني شظيّة في رأسي، وأجروا لي عملية استغرقت ساعات في مستشفى تبنين.
واستدار حسن برأسه نحوي: ها هو الجرح، أنظر، فرأيته طويلًا يمتد من أسفل عظمة فكه حتى أعلى أذنه. صمتُّ، وظل الفتى الصغير صامتًا يحدّق في أقرانه من حاملي المحافظ، ثم قام عن الأرض ومشى بطيئًا بطيئًا على الإسفلت، كأنما إلى لا مكان.
دموع غامضة
حملتْ طفلة صغيرة محفظتها ومشت متنقلة خلف حلقة أطفال جالسين على الإسفلت يرسمون.
سحابة حزن تكسو وجهها الأسمر. وفجأة ركضت نحو ناشطة وعانقتها من ساقيها باكية، فانحنتْ الناشطة عليها وداعبت شعرها القصير، ثم أجلستها على الأرض وجلست قربها تمسح دموعها عن وجهها.
أخرجت الناشطة عدة الرسم من المحفظة، ففتحت الطفلة دفتر الرسم وأخرجت من علبة التلوين أقلامًا وراحت ترسم بها خطوطًا على ورقة بيضاء، فسقطت من عينيها دموع بلّلت الورقة والخطوط التي اختلطت ألوانها.
سوري وأعلام لبنان
قال فتىً صغير إن اسمه سامر، فيما هو يعرض علينا ما رسمه على ورقةٍ في دفتره: بيوت بألوان كثيرة مزروعة بينها أعلام لبنان.
لم يقل إنه من سوريا إلا مداورة وبعد كثير من التحفّظ والريبة. بدا في كلامه الذي يفكر فيه ويقلّبه في رأسه قبل أن يقوله، كأنه رجل صغير. حتى في وقفته وحركته بدا متحفظًا ويقيم مسافة ما بينه وبين الآخرين الذين يكلمونه ويقف إلى جانبهم من أقرانه الفتيان الصغار والأطفال.
كومة ركام: هذا بيتنا
قالت الفتاة الصغيرة زهراء إن أمها أخبرتها أن والدها استشهد في الجنوب. لا تتذكر متى استشهد ومتى أخبرتها أمها بذلك. ذكرت اسم قريتها الجنوبية الحدودية، وأنها منذ بداية الحرب تنقّلت كثيرًا مع أمها وإخوتها الصغار. مكثوا مدة في بيت خالتها بضاحية بيروت الجنوبية، ثم لجأوا إلى مدرسة لا تعلم مكانها، وغادروها إلى قريتهم.
وضعت إصبعها على كومة ركام في ورقة دفتر الرسم، وقالت: هذا بيتنا في الجنوب. وبعد أن نزحنا إلى بعلبك، كما قالت أمي، عدنا إلى هنا، والتقينا بخالتي وأولادها، قبل انتقالهم إلى المدينة الرياضية.
فجأة ابتسمت زهراء ابتسامة مكتومة، ثم استدارت ومشت مبتعدة إلى حيث قعدت على الإسفلت منفردة وفي شرود من دون أن تلتفت إلينا.
البحر والسماء وألمانيا
على ورقة في دفتر الرسم ينكبُّ فتىً صغير على تلوين نصفها بالأسود الفاحم، فيما لون رمادي يملأ نصفها الآخر.
قال إن اسمه جهاد. والمساحة السوداء التي يلونها هي السماء، والبحر هو المساحة الرمادية. وقال أيضًا: أمي قُتلت في الليلكي مع أختي الكبرى. أتينا مع عمتي إلى هنا، وللمرة الأولى في حياتي أرى البحر. والدي غادر إلى سوريا قبل سنة، ولم يعد. أمس تقاتلت نسوة هنا في الساحة أثناء توزيع ثياب على النازحين. وفي المساء رأيت عمتي تبكي في الخيمة. سمعتُ قبل الحرب سوريين كثيرين يتحدثون عن ألمانيا. أريد أن يأخذني أحدٌ ما إلى هناك، حيث أتعلم الرسم.
وألصق جهاد دائرة صفراء على اللون الرمادي في الورقة، وقال هذه الشمس. ساعد ولدًا يصغره سنًا يقعد إلى جانبه على الإسفلت، بنزع دائرة حمراء لاصقة من مكانها بين أشكال هندسية كثيرة ملونة، فقام الولد الصغير بإلصاقها على ورقة بيضاء من دفتر الرسم أمامه.
قبل أن نترك جهادًا ونمشي، قال: في حدا بياخدني ع ألمانيا... مين بياخذني ع ألمانيا؟
تونسية تعشق الشرق وتكره فرنسا
هل من علاقة ما بين السماء والبحر والشمس وألمانيا في مخيلة الفتى الصغير
جهاد؟ فكرت، فيما أحادث ناشطة ثلاثينية تتكلم باللهجة التونسية.
قالت إنها من تونس العاصمة، ودرست العلوم السياسية في باريس التي لا تحبها ولا تحب فرنسا، بل تكره العيش فيها، وجاءت إلى بيروت قبل أكثر من سنة لتتابع دراستها في جامعة القديس يوسف.
إلى عشقها الشرق وفلسطين، تفضل بيروت على بلدها الذي كانت فتاة صغيرة بعدُ عندما قامت فيه "ثورة الياسمين" سنة 2011، ويحكمه اليوم "رجل من شمع وخطابه من خشب".
طوال الوقت الذي أمضيته في ساحة المخيم الفسيحة، غالبًا ما لمحت الشابة التونسية تبتسم مبتهجة، ممتلئة حماسة وحيوية في تنقلها بين حلقات الأطفال وجموعهم.
وحينما قلتُ لها إن كل يوم يمضي في هذه البلاد يزداد يأسي وقنوطي منها، أخبرتني مبتسمة وفي خفر أن والدها عارض مجيئها إلى لبنان في هذه الظروف، وكثيرًا ما يرجوها ويطلب منها أن تعود إلى باريس أو إلى تونس، فتعده بأنها تفكر في الأمر، مقررة أو عازمة على البقاء هنا، حيث تجد أن لوجودها معنىً لا يتوافر في أي مكان آخر.
نُسّاك بلاد مريضة
ناشط آخر لبناني شاب، وشارك في توزيع أدوات الرسم على الأطفال، وفي
تدريبهم على استعمالها، قال إن الناشطين أعدوا خطة مسبقة لتوزيع محافظ القماش عليهم على نحو منظم لتلافي فوضى تزاحمهم للحصول عليها. لكن الخطة فشلت وجاءت التجربة الأولى هذه سيئة، وسوف يفكرون ويتناقشون في أسباب فشلها.
وأمل الشاب الناشط بأن ينجحوا في إعداد برنامج نشاطات مسرحية يشارك فيها الأطفال الذين اكتشفَ أن لدى بعضهم ميلًا فطريًا إليها.
لا أدري لماذا تهيّأ لي أن هؤلاء النشطاء أشبه بنُسّاكٍ هذه البلاد التي أمرضتنا، ولا شفاء لنا من أمراضها. وتذكرت قول المتصوف الكبير النفري في مواقفه ومخاطباته: "أوقفني في الاختيار وقال لي كلهم مرضى".
اضطهاد أنصار "حزب الله" السوريين
لما لمحت ناشطة تجالس رجلًا وامرأة ترتدي الشادور، هناك أمام خيمة على طرف الساحة، مشيتُ في اتجاههم. قدّم لي الرجل الشاب كرسيًا ودعاني إلى الجلوس مرحبًا، فجلست.
تابع الرجل حديثه في لهجة سورية لبنانية مختلطة، مثل لهجة المرأة التي قال إنها زوجته، وارتدت الشادور منذ أن حاصرت قوات الثورة السورية المسلحة بلدتيهما الشيعيتين، نبّل والزهراء المتجاورتين في ريف حلب، في العام 2014. وعندما انتهى الحصار، ودخل مقاتلو "حزب الله" اللبناني إلى البلدتين، تجنّد محدّثي وتدرّب في صفوفه مقاتلًا حتى سقوط نظام بشار الأسد في نهاية العام 2024.
وقال إنه أصيب ونجا من الموت 4 مرات، قبل أن يغادر وزوجته وطفليهما سوريا، فارين مع مقاتلي "حزب الله" إلى الهرمل، حيث مكث مدة في مخيم لأمثاله السوريين أقامه الحزب إياه هناك.
ثم غادروا المخيم إلى ضاحية بيروت الجنوبية، حيث أقاموا وعمل هو في سنة الهدنة بين حربي "إسناد غزة" و"الثأر لخامنئي". وروى محدثي أنهم ذاقوا الأمرّين طوال تلك السنة جراء التمييز الذي مُورس عليهم كسوريين، في العمل والسكن: لا أفهم لماذا يكرهوننا. مُلّاك بيوت استأجرناها في الضاحية الجنوبية، ياما أنذرونا، نحن السوريين، بإخلائها فورًا، لأن أقارب لهم أو معارف من بلداتهم في الجنوب، نزحوا إلى الضاحية وأرادوا إسكانهم في البيوت التي كنا قد سدّدنا لهم بدلات إيجارها سلفًا لشهرين أو ثلاثة. لم أفهم قسوتهم علينا. كانوا يعيّروننا بأننا تركنا بلدنا ولم ندافع عنه، علمًا أننا معهم كنا نقاتل في بلادنا، ومعهم انسحبنا منها هاربين إلى لبنان.
فجأة ذكرني كلامه هذا بأحوال "الحركيين" الجزائريين الذين كانوا يوالون المستعمر الفرنسي، وعملوا معه في الإدارة والأمن في بلدهم، ومعه فروا إلى فرنسا فور انتصار الثورة الجزائرية، وفيها أقاموا مكتومين مذلولين مهانين لجيل أو جيلين اثنين.
ثم روى محدّثي السوري أن ثلث نزلاء المخيم من السوريين من أمثاله وأشباهه. وعانوا مثله التمييز بصمت ومغلوبين على أمرهم، ليس في الضاحية الجنوبية أو سواها من مناطق لبنان فحسب، بل هنا في مخيم النزوح الأخير هذا.
وتريد السلطات اللبنانية إخلاء مخيم "البيال" ونقل نزلائه اللبنانيين إلى مبنى المدينة الرياضية على طرف بيروت. أما السوريون، فقال أحد أعضاء بلدية بيروت إنهم مخيرون بين أن تنقلهم باصات إلى الحدود السورية ليتدبروا مع سلطاتهم أمر عودتهم إلى بلادهم، وبين أن تتولى قوى الأمن اللبنانية إخلاءهم من المخيم، وإجراء المقتضى القانوني بحقهم. أي معاملتهم كمقيمين غير شرعيين على الأراضي اللبنانية.
ولما وصلتْ ابنة الزوجين السوريين الطفلة، آتية من ساحة المخيم، لم تكن تحمل محفظة أدوات الرسم. دخلت إلى الخيمة خلفنا، ثم خرجت منها. وكما تحرص سيدات منازل قديمات على قيامهن بأصول الضيافة التقليدية لزوار يبوتهن، وقفت الطفلة أمامنا وأصرّت على أن تقدم لنا قطعًا من علبة بسكويت صغيرة في يدها.




