فلسطين الجيل الجديد: ذاكرة القصف لا ذاكرة نكبة 1948

نغم ربيعالجمعة 2026/05/15
Image-1778763930.Jpeg
حين يُسألون إن كانت فلسطين ستتحرر، تأتي الإجابات شبه متشابهة، كأنها رد واحد يتكرر (ناجي مزبودي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في مخيم مار إلياس، لا يبدو الخامس عشر من أيار مجرّد تاريخ محفوظ في الذاكرة الفلسطينية، بقدر ما يبدو شعورًا ثقيلًا يتوارثه الناس أكثر مما يتوارثون تفاصيله. بعد 78 عامًا على النكبة، لم تعد الحكاية الأولى واضحة بالكامل في أذهان كثيرين من أبناء الجيل الجديد، لكن أثرها ما زال حاضرًا كحياة يومية مستمرة: تهجير طويل، خسارة مفتوحة، وصور حرب لا تنتهي. هنا، يعرف معظم الشبان أن الفلسطينيين اقتُلعوا من أرضهم، لكن كثيرين لا يعرفون تمامًا ماذا حدث في 1948، ولا لماذا صار 15 أيار يومًا مفصليًا في التاريخ الفلسطيني. فالقضية، مع الوقت، انتقلت من سردية تاريخية تُروى بالأرشيف والذاكرة، إلى قضية تُفهم عبر المجازر الحديثة، لا على تراكم معرفي بتاريخها الطويل. 

 

حضور عاطفي مبني على التاريخ الحديث

في مكان ما، خسرت النكبة معركتها مع الإيقاع المستمر للمجازر والمعاناة الفلسطيني. حتى صار الفلسطيني نفسه، ابن المخيم، يتعامل مع القضية من زاوية مختلفة. ليس بوصفها سردية تاريخية طويلة، بل كواقع يومي متكرر. الاحتلال لم يعد حدثًا مؤسسًا في الماضي، بل بثًا مباشرًا مستمرًا. وكل جيل، كما يقول أحد أبناء المخيم ساخرًا، "يتعرف على الإسرائيلي من مجازره الخاصة". 

في المخيم، كثيرون لم يرغبوا أصلًا بالكلام. التعب بدا واضحًا على الوجوه. ليس تعب السياسة فقط، بل تعب تكرار الحكاية نفسها.
أم علي، التي اعتادت التحدث للصحافة، بدت هذه المرة منهكة. قالت لـِ "المدن": "تعبت من حكي لا فائدة منه". وحين سألناها عن تاريخ 15 أيار، انفعلت فجأة، كأن السؤال نفسه استفزاز لذاكرة متعبة أكثر من كونها ذاكرة وطنية: "دخيلكم أنا خلقت نهار النكبة".

أما الشاب بلال أحمد ديبو احتاج إلى بعض التفكير قبل أن يجيب: "15 أيار هو يوم النكبة التي صارت بالأربعينيات". ثم يضيف ببساطة صادمة: "ما خبروني أهلي كثير ما عانوه". كأن الذاكرة الفلسطينية نفسها تعبت من إعادة السرد. بعض الأهالي اختاروا الصمت، ربما لأن الألم أكبر من أن يُورّث، أو لأن الحياة داخل المخيمات دفعت الناس للانشغال بالنجاة اليومية أكثر من حفظ الرواية الكبرى.

 

التحرير آت؟

ومع ذلك، يبقى شيء ما راسخًا. حين يُسألون إن كانت فلسطين ستتحرر، تأتي الإجابات شبه متشابهة، كأنها ردّ واحد يتكرر بأفواه مختلفة.

مريم عثمان تقول: "هذا يوم النكبة، وقت تهجروا وطلعوا من بلادهم… لكن فلسطين رايحة عالتحرير". وصديقتها جمال تضيف: "عدد النكبات كثيرة… خسرنا أرضنا وناسنا… لكن سننتصر، فلسطين شعب لا ينهزم". أما إبراهيم الكردي، ابن يافا، فلا يعرف أن 15 أيار هو تحديدًا تاريخ النكبة، لكنه يعرف الحكاية الأساسية: "يوم هاجروا الفلسطينيين وطلعوا من الأرض". ثم يختم تلقائيًا: "إنشاءالله تحرير".

كأن فكرة التحرير نفسها باتت أقوى من معرفة التفاصيل التاريخية. الإيمان بالقضية بقي، حتى حين تآكلت بعض ذاكرتها.

طه أبو شلاح يروي ما سمعه من جدته عن التهجير: "قالولهم روحوا ومنرجعكن عالبيوت". ثم يضيف يقينًا دينيًا أكثر منه سياسيًا: "أكيد فلسطين ستتحرر طالما مذكورة بالقرآن". أما عائشة سالم، فتعرف أن هذا "تاريخ النكبة الفلسطينية"، لكنها لا تعرف شرحًا دقيقًا لما حدث. تختلط عليها النكبة بالتحرير، التهجير بالوعد.
ومحمد الخطيب من عكا لا يعرف التاريخ أيضًا، لكنه يتذكر العبارة التي سمعها من أهله: "كحشوهم من بلادهم".

هذه الفجوات في الذاكرة لا تعني بالضرورة تراجع القضية الفلسطينية، وربما تعني العكس تمامًا. فالقضية خرجت، منذ سنوات، من إطارها التاريخي التقليدي، لتتحول إلى تجربة شعورية عالمية مرتبطة بالظلم المباشر والصورة الفورية أكثر من ارتباطها بالسردية التاريخية الكاملة. 

هكذا تُبنى الذاكرة اليوم: باللقطات لا بالأرشيف. وربما هذه إحدى أكثر مفارقات فلسطين قسوة؛ فالقضية التي قامت أصلًا على اقتلاع شعب من أرضه وذاكرته، باتت هي نفسها مهددة بتآكل ذاكرتها التاريخية التفصيلية، لا بسبب النسيان الكامل، بل بسبب فائض المآسي المتلاحقة. وحين تتحول النكبة إلى حدث يومي مستمر، يصبح من الصعب التعامل معها كذكرى سنوية منفصلة، أو كحادثة بعيدة انتهت في الماضي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث