في شتاء العام 2013، وتحت سماء مثقلة بالمطر والدخان، بدأ جنوب دمشق يدخل واحدة من أكثر مراحله قسوةً في تاريخه الحديث، فرضت قوات النظام السوري السابق والمجموعات الموالية له حصاراً خانقاً على مخيم اليرموك ومحيطه، لتحاصر معه حياة مئات آلاف المدنيين، وتحوّل المكان خلال أشهر قليلة إلى مساحة معزولة عن العالم، لا يصلها غذاء ولا دواء ولا حتى الحد الأدنى من شروط البقاء.
هناك، في أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، بدأت "التغريبة الثانية". لم تكن مجرد استعارة أدبية، بل واقعاً عاشه سكان المخيم يوماً بيوم؛ الجوع ينهش الأجساد، والقصف يطارد الأحياء، والموت يتحول إلى خبر يومي. في بداية الحصار وحدها، توفي ما لا يقل عن 85 شخصاً بسبب الجوع وسوء التغذية، بينما كان مئات المرضى يموتون بصمت نتيجة انعدام الرعاية الطبية ونقص الأدوية.
حصار الدواء
توقفت معظم المراكز الطبية عن العمل تباعاً، الأطباء غادر بعضهم قسراً، وبعضهم قتل أو اعتقل، فيما نفدت المستلزمات الأساسية بشكل شبه كامل. بقي "مستشفى فلسطين" وحيداً يقاوم بإمكانيات محدودة للغاية، قبل أن يخرج هو الآخر عن الخدمة تحت ضغط الحصار والقصف ونقص الموارد، وفي الخارج، كانت الطائرات الحربية والمدفعية تواصل استهداف المخيم ومحيطه، فيما تحولت البراميل المتفجرة إلى جزء من المشهد اليومي.
اشتد الحصار أكثر بعد دخول فصائل معارضة إلى المنطقة، ليتحول المخيم إلى ساحة حرب مفتوحة دفعت ثمنها الأبنية والسكان معاً، كان الناس عالقين بين أطراف الصراع، بينما تتآكل تفاصيل حياتهم تدريجياً. المخيم الذي كان يوماً يعج بالحياة والأسواق والمقاهي والازدحام، أصبح مدينة أشباح.
مدينة للحياة
قبل الحرب، كان مخيم اليرموك يأوي نحو 160 ألف لاجئ فلسطيني، إضافة إلى عشرات آلاف السوريين، لم يكن مجرد مخيم لجوء، بل مدينة حقيقية نابضة بالحياة، ومركزاً تجارياً وثقافياً مهماً في دمشق، شوارعه كانت تضج بالحركة، ومحاله التجارية لا تهدأ، ومقاهيه تمتلئ بالناس حتى ساعات الليل المتأخرة. كان الفلسطينيون والسوريون يعيشون فيه بوصفه مساحة مشتركة للعيش والعمل والذاكرة، لكن كل ذلك تبدد سريعاً.
مدينة اختفت
بعد سنوات من الغياب، قررتُ دخول المخيم مجدداً. كنت قد زرته قبل الحرب برفقة إحدى الصديقات اللواتي كنّ يعشن فيه. يومها كان المكان مليئاً بالحياة بشكل يصعب وصفه. أما هذه المرة، فقد بدا كأنَّ المدينة اختفت بالكامل. الصدمة كانت أكبر من القدرة على الاستيعاب.
أين البيوت؟ أين الناس؟ أين المحال التجارية التي كانت تملأ الشوارع؟ أين أصوات الأطفال والباعة وروائح الطعام الخارجة من النوافذ، كل شيء بدا مفقوداً.
الأحياء التي كانت مكتظة تحولت إلى كتل من الإسمنت المحطم، الأبنية مفتوحة على بعضها كأنَّ زلزالاً مرّ من هنا، شوارع كاملة اختفت معالمها تحت الركام، فيما بدت الجدران المثقوبة شاهداً صامتاً على سنوات من القصف والحصار.
أما السكان، فقد توزعوا في أنحاء دمشق وخارجها. بعضهم عاش لدى أقارب أو أصدقاء، وآخرون افترشوا الحدائق ومراكز الإيواء المؤقتة. عشرات آلاف العائلات حملت ما استطاعت من ذكريات وغادرت، تاركة خلفها منازل لم تعد تشبه المنازل. كان الخراب هو الشيء الوحيد الذي بقي.
فرح ناقص
ثم سقط النظام الذي أسقط معه بلداً كاملاً قبل رحيله، ومع مجيء السلطة الجديدة، عاشت البلاد لحظة فرح جماعية، خصوصاً لدى أولئك الذين اعتقدوا أن نهاية سنوات القمع قد تعني بداية حياة جديدة، لكن ذلك الشعور لم يدم طويلاً.
سرعان ما بدأ الناس يواجهون الأسئلة الأكثر قسوة: أين سنعيش؟ كيف سندفع الإيجارات؟ كيف يمكن البدء من جديد وسط اقتصاد منهار ومدينة متعبة؟
في دمشق، ارتفعت أسعار الإيجارات بشكل جنوني، كما ارتفعت أسعار المواد الأساسية والخدمات، وجد أبناء المخيم أنفسهم أمام خيار شبه إجباري: العودة إلى الخراب.
وهكذا بدأت العائلات تعود بخطوات مترددة إلى مخيم اليرموك، بعضهم عاد إلى منزل متصدع، وبعضهم إلى غرفة واحدة فقط وسط بناء مدمر، فيما عاد آخرون إلى ركام يحاولون تحويله إلى مكان صالح للحياة.
حياة داخل الركام
في الخارج تبدو الأبنية كأنها مهجورة بالكامل لا نوافذ، لا أبواب، لا شبكات كهرباء، ولا بنية تحتية حقيقية. داخل بعض المنازل، وضعت أغطية بلاستيكية مكان النوافذ المفقودة، فيما يستخدم السكان أسطوانات غاز بدائية تعمل بمادة البوتان للطهو وتسخين المياه. المشهد، حين تراه من بعيد، يبدو أقرب إلى لوحة عن العصور الأولى للبشر، لا إلى مدينة كانت قبل سنوات قليلة واحدة من أكثر مناطق دمشق حيوية.
تقول رنيم لـِ "المدن"، وهي شابة عادت إلى المخيم بعد سنوات النزوح: "منزلي مدمر بالكامل، لكنه أرحم من أسعار الإيجارات"، جملة قصيرة تختصر واقع آلاف العائلات.
حال رنيم يشبه حال معظم سكان المخيم اليوم. كثيرون يعيشون داخل بيوت مدمرة جزئياً أو كلياً، ويحاولون ترميم الحد الأدنى الممكن للحياة بوسائل بدائية. أغطية بلاستيكية تمنع الهواء والمطر، تمديدات كهربائية مؤقتة وخطرة، ومياه تصل بشكل متقطع، إن وصلت أساساً. لكن حتى رنيم تعتبر نفسها أفضل حالاً من غيرها.
هناك عائلات بأكملها لا تستطيع استخدام أكثر من غرفة واحدة داخل منزل مدمر بالكامل. البعض يعيش وسط الجدران المتصدعة لأنهم ببساطة لا يملكون القدرة على دفع إيجار شقة صغيرة قد يصل إلى 600 دولار شهرياً في دمشق.
شتات داخل الوطن
هكذا عاد الناس إلى المخيم، ليس لأن الحياة عادت إليه، بل لأن المدينة خارجه أصبحت مستحيلة.
اليوم، يعيش سكان اليرموك شتاتاً من نوع آخر، ليس شتات المنافي وحده، بل شتات العودة إلى مكان لم يعد مكاناً، حياة على حافة الحياة، طرق ترابية، وغياب شبه كامل للكهرباء، ونقص المياه، وانهيار شبكات الصرف الصحي، وانعدام الخدمات الطبية الحقيقية، ورغم ذلك، يتمسك كثيرون بالبقاء.
بالنسبة للفلسطينيين في سوريا، لم يكن مخيم اليرموك مجرد حي سكني، بل جزءاً من الهوية الجماعية. لعقود طويلة شكّل المخيم مركزاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً للفلسطينيين، ومساحة للتعايش اليومي مع السوريين، لذلك، فإن ما حدث فيه لا يمكن اختزاله فقط بصور الدمار، لأن خلف كل جدار مهدّم توجد حكاية عائلة، وخلف كل شارع ذاكرة كاملة عن حياة كانت هنا يوماً.
مفاتيح بلا أبواب
في اليرموك، يحمل كثيرون مفاتيح قديمة لبيوت لم يعودوا قادرين على الوصول إليها في فلسطين. واليوم، بعد كل ما جرى، بات بعضهم يحمل أيضاً مفاتيح لبيوت لم تعد لها أبواب أساساً، إنه قدر الشتات الذي يتكرر بصيغ مختلفة.
شتات بدأ بالنكبة، ومرّ بالمنافي، ثم عاد ليظهر داخل المكان نفسه؛ بين القمع والحرب والانهيار الاقتصادي ومحاولات النجاة اليومية.
ورغم كل هذا الخراب، لا يزال الناس يحاولون خلق شكل ما للحياة. طفل يلعب بين الركام، امرأة تنظف مدخل بيت بلا سقف كامل، شاب يصلح أسلاك الكهرباء بيديه، وعائلة تجتمع مساء حول ضوء خافت في منزل نصفه مدمّر، تفاصيل صغيرة، لكنها تقول إن الحياة، مهما تعرضت للهزيمة، تحاول دائماً أن تجد طريقة للاستمرار.
مخيم اليرموك اليوم ليس مجرد قصة دمار في جنوب دمشق، بل مرآة لبلد كامل عاش سنوات من الحرب والاقتلاع والفقدان، وما بين الجوع والحصار والعودة القسرية، بقي السكان عالقين بين ذاكرة المكان وواقع لا يشبهه، وربما كانت المأساة الأكبر أن كثيرين عادوا أخيراً إلى بيوتهم، فقط ليكتشفوا أن البيت نفسه صار يحتاج إلى من يؤويه.




