"القنطرة دائمًا كانت معبرًا"، يقول مصطفى صبرا، ابن البلدة، كمن لا يصف قرية بقدر ما يستعيد ذكريات غابرة عن الجنوب، الذي كانت أوديته معبراً لكل شيء: الماء، القمح، المقاتلون، الخوف، وحتى الأخبار.
القنطرة، بالنسبة إليه، ليست مجرد بلدة على كتف وادي الحجير، بل مكان عاش طويلًا بوصفه معبراً أكثر منه نقطة وصول. الناس كانوا يهبطون نحو الوادي ثم يعودون محمّلين بما استطاعوا حمله من حياة: أكياس الطحين، حطب الشتاء، أخبار القرى المجاورة، وحكايات الذين مرّوا واختفوا.
معبراً للمقاومين
الحكايات نفسها في القنطرة تبدو عابرة. لا تستقرّ تمامًا، كأنها تخشى أن يداهمها القصف أيضًا. يتذكر مصطفى امرأة من البلدة، توفيت السنة الماضية، كانت بين الأعوام 1958 و1990 تُحضّر الطعام للمقاومين وتتركه في "مضافة" صغيرة داخل وادي الحجير. مكان أشبه بمحطة، يعمل فيها أشخاص في البساتين.. "هذا المكان قُصف قبل نحو شهر"، يقول مصطفى، بجملة قصيرة تشبه الجنوب كله.
ويستعيد حكاية أخرى تبدو كأنها مقتطف من زمن كامل، لا من حادثة فردية. في عام 1988، كان أحد شباب المقاومة يستعد للتقدم للامتحانات الرسمية. أمضى نحو 15 يومًا في أحد منازل القنطرة، يدرس لامتحانات الـ "ترمينال"، فيما يراقب في الوقت نفسه تحركات الإسرائيليين. في الجنوب آنذاك، لم تكن الحياة تتوقّف كي تبدأ الحرب، ولا الحرب تتوقف كي يكمل الناس حياتهم. الدراسة والمقاومة كانتا تتقاسمان الغرفة نفسها أحيانًا، كما لو أن النجاة تحتاج إلى دفتر وقلم وبندقية في الوقت ذاته.
وعندما جرت محاولة اغتيال أنطوان لحد، عبرت مجموعة من القنطرة نحو الطيبة المحتلة، تحمل صور سهى بشارة. يومها، كانت البلدة تشبه ممرًا سرّيًا مفتوحًا بين القرى المحتلة وتلك التي ما زالت تتنفّس بصعوبة خارج الاحتلال.
أما يوم الأحد، 23 أيار 2000، يوم التحرير، فيتذكر صبرا المشهد ويرويه كما لو أنه يراه الآن. "كنّا في الغندورية، وصعدنا مشيًا نحو القنطرة، حوالى 8 كيلومترات. كنّا أنا وصديقي أول اثنين يدخلان البلدة، وبعدها بدأ الناس يتوافدون. لا يمكن وصف هذه اللحظة".
تشبه حكايات مصطفى صبرا أشخاصًا يحاولون استعادة مكان اختفى. كأن أهالي القنطرة، وهم يدخلونها يوم التحرير، لم يكونوا يعبرون الطريق فحسب، بل يعبرون سنوات كاملة من الخوف والمنفى والانتظار، ليصلوا أخيرًا إلى تلك النسخة الصغيرة من طفولتهم، التي ظلّت هناك، قرب الوادي، تنتظرهم.
بلدة محاصرة بالأودية
من هذه الحكايات يمكن الدخول إلى القنطرة. لا كبلدة جنوبية عادية، بل كحافة طويلة معلّقة فوق الأودية. من ثلاث جهات تحاصرها الوديان: وادي الحجير شرقًا، ووادي السلوقي جنوبًا، فيما تمتد شمالًا نحو وادي الخنازير ودير سريان والقصير.
القنطرة بلدة قديمة تعود جذورها، بحسب الروايات المحلية والآثار المكتشفة فيها، إلى الحقبة الكنعانية. أما اسمها، كما يرويه أهلها، فيرتبط بشكلها الجغرافي الذي يشبه القنطرة، إذ تشرف على الأودية والقرى المحيطة كأنها قوس حجري معلّق فوق الجنوب. ويُقال إن هيئةً تشبه القنطرة كانت ترتفع يومًا في البلدة القديمة ثم اندثرت مع الزمن، لكن ظلّ أثرها حاضرًا في شكل المكان نفسه، وفي شعور أهلها بأنهم يعيشون فوق معبر طويل يصل بين الأزمنة أكثر مما يصل بين الجهات.
القنطرة صغيرة. نحو ستة آلاف دونم فقط، وحوالى 3500 نسمة وفق لوائح الشطب. لكنها، مثل كثير من بلدات الجنوب، لا تُقاس بمساحتها، بل بما مرّ عليها. بالأودية التي حفظت خطى الفدائيين، وبالمطاحن التي طحن فيها الناس قمحهم، وبالحروب التي كانت تدخلها كل مرة من جهة مختلفة وتتركها أقل شبهًا بنفسها.
في البلدة القديمة، كانت البيوت متلاصقة، كأنها تحتمي ببعضها. أزقة ضيقة، حجارة قديمة، وأبواب يعرف أصحابها بعضهم بعضًا قبل أن يطرقوها.
تاريخ من الحروب والدمار
في العام 1978، تعرّضت البلدة لقصف جوي دمّر البلدة القديمة بالكامل تقريبًا. سقط شهداء مدنيون، إضافة إلى فلسطينيين كانوا منخرطين في العمل الفدائي. ثم جاء اجتياح 1982، وتمركز الإسرائيليون في البلدة حتى العام 2000. ومنذ ذلك الوقت، صار أهل القنطرة يعيشون علاقتهم بالمكان كما لو أنها هدنة مؤقتة بين حربين.
بعد اجتياحي 1978 و1982، بدأ الناس يبنون بعيدًا عن وسط القرية القديم، أي فوق التلال المشرفة على الوادي. هناك وُلدت "القنطرة الجديدة"، ببيوت متباعدة هذه المرة، كأن الأهالي صاروا يحتاجون مسافة إضافية بينهم وبين الخراب. لكن الخراب كان يجد طريقه دائمًا.
"ما نشهده اليوم يشبه ما حصل سابقًا، لكن بطريقة أكثر وحشية"، يقول مصطفى. ثم يصمت قليلًا قبل أن يضيف: "هناك شيء لا يُقال بسهولة. القهر لا يخرج مرتبًا".
بعدها يعود مباشرة إلى طفولته، إلى البلدة التي اختفت تقريبًا بعدما فجّر جيش الاحتلال نفقين فيها. "كل شيء كان محبوبًا"، يقول. النزول إلى المطاحن، التنزّه في الأحراج، اللعب في الأزقة الصغيرة، والهبوط نحو وادي الحجير كأن الوادي جزء من البيت نفسه.
على ضفاف الوادي، كانت تقوم أكثر من 10 مطاحن مائية. كان الناس يقصدونها لطحن القمح، فيما تعود ملكية معظمها لأهالي القنطرة بحكم الموقع الجغرافي. اليوم، لم يبقَ إلا أثر خافت لما كان يومًا قلبًا اقتصاديًا واجتماعيًا للمنطقة. بعضها اندثر مع الزمن والإهمال، وبعضها دمّرته حرب تموز 2006، وما تبقّى منها أصابته الحرب الأخيرة.
حتى مسجد القنطرة القديم، الذي يُقال إن عمره يناهز 700 عام، لم ينجُ. تفجّر في الحرب الأخيرة، وسقط كما سقطت أجزاء كثيرة من البلدة، تاركًا ذلك الشعور الثقيل بأن الحرب لا تقتل الناس فقط، بل تحاول محو الذاكرة نفسها.
في القنطرة، لا ينفصل التاريخ عن المقاومة. هنا انعقد مؤتمر وادي الحجير عام 1920، في لحظة مبكرة من تاريخ مواجهة الاستعمار. ومنذ أيام العثمانيين، مرورًا بالانتداب الفرنسي، وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي، ظلّت البلدة تحمل صورة مكان عاش السياسة كما عاش الزراعة والماء والخوف اليومي.
"عدد كبير من بيوت البلدة كان يضم وطنيين وشيوعيين"، يقول مصطفى. كانت القنطرة نقطة انطلاق للمقاومين نحو القرى المحتلة، فيما تحوّل وادي الحجير في مراحل طويلة إلى ما يشبه منطقة محرّرة يصل الناس إليها ثم يتوقفون عند حدود الاحتلال.
اليوم، تبدو القنطرة كأنها تعيش فوق طبقات متراكمة من الحروب. قرية مدمّرة بالكامل. وبالرغم من كل شيء، لا يتحدث أهلها عن الرحيل بوصفه احتمالًا نهائيًا. ثمة شيء يشدّهم دائمًا إلى هذا المكان المعلّق فوق الأودية. ربما لأن القنطرة نفسها، مثلهم، تعلّمت أن تعيش على الحافة وتبقى واقفة.




