المشهد الأول
كان السيد الواقف أمام الطاولة طويل القامة، قوي البنية، عالي الصوت والنبرة، ناطقا باسم بيروت وبلدية بيروت على ما يبدو من الفيديو المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي. وخلف الطاولة تجلس على كراسي مدولبة مجموعة من قادة حركة الإعاقة في لبنان، للتحدث عن الصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة من النازحين سواء في مراكز النزوح، أو أماكن نزوحهم أو تشردهم خارجها.
المشهد الثاني
تروي السيدة النازحة، التي تشكو من إعاقة بصرية، معاناتها اليومية. هي تتحدث بصوت منخفض وبخفر في فيديو منشور أيضا من موقع التجمع. تقول: "انا أمتنع حتى عن شرب الماء كي لا أضطر إلى استخدام الحمام". مشكلة بسيطة جدا ويفترض أن يكون حلها بسيطا أيضا: مراكز إيواء مجهزة لاستقبال ذوي الإعاقة تحفظ حقوقهم وكرامتهم كما سائر الناس، فلا تضيف إلى تشريدهم من بيوتهم الذي هو بحد ذاته انتهاكا لحقوقهم كما حقوق كل النازحين، انتهاكا إضافيا "بسيطا" مثل استخدام الحمام، أو القدرة على التنقل، أو تواجد أفراد عائلاتهم معهم لتقديم المساعدة والعناية الإضافية التي يحتاجون إليها.
فهل المسؤولون المعنيون بذلك يعتبرون أن هذه الاحتياجات الإضافية غير مهمة لمجرد أنها بسيطة، مع أنها حيوية وبالغة الأهمية للأشخاص المعنيين ولا يمكن تجاوزها؟ أم أن هناك أسباب أخرى لمثل هذا التقصير، كأن تكون خطط الطوارئ التي جرى تصميمها والتدريب عليها منذ سنوات ومرات عديدة وأنفقت عليها مئات ألوف الدولارات لم تكن بالفعالية المطلوبة، على الرغم من أننا عشنا حرب الإسناد الأولى وكانت شديدة القساوة، واختبارا واقعيا لهذه الخطط؟ أم أن الذريعة هي من النوع المالي (عدم وجود تمويل) أو من النوع السياسي – الطائفي الممزوج مع خطاب الكراهية والانقسام العمودي؟ أم أنه قصور إداري ومؤسساتي في التعامل مع أزمة النزوح؟ أو أنه مزيج مركب من كل هذه الأسباب معا؟
القضية
نظّم تحالف جمعيات الأشخاص ذوي الإعاقات تجمعا أمام مبنى سوق الخضار في قصقص، حيث عرضوا مشكلتهم واقترحوا على الحكومة أن يجري تأهيل المبنى من أجل أن يكون صالحا لإيواء الأشخاص ذوي الإعاقة المسنين والنساء الحوامل وإحالة النازحين منهم مع عائلاتهم إلى هذا المركز التابع لبلدية بيروت والمغلق منذ عام 2019.
البنية التحتية لهذا المبنى مؤهلة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة، ويحتاج إلى تأهيل بسيط نسبيا لاسيما توفير الكهرباء والماء إليه، بكلفة غير مرتفعة. وكان تحالف الجمعيات المعنية قد سبق له على امتداد الأسابيع الماضية أن طالب المسؤولين باتخاذ إجراءات لحل مشكلة إيواء الأشخاص ذوي الإعاقة.
قامت الجمعيات مثلا بتسليم وزيرة الشؤون الاجتماعية (ومسؤولين حكوميين آخرين) لائحة بالمدارس المجهزة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف المناطق اللبنانية، وطلبت تحديد مركز في كل قضاء لإحالة الأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين والنساء الحوامل من النازحين إليها. ولم يلق هذا الطلب آذاناً صاغية. ومع امتداد أزمة النزوح تواصلت الصعوبات والشكاوى التي تتلقاها الجمعيات المعنية بالإعاقة، حيث لم يكن هناك تجاوب كاف ولا حلول فعلية لاحترام حقوقهم التي لا تضمنها التصريحات الكلامية.
في هذا السياق أتى التحرك الأخير أمام مبنى سوق الخضار في قصقص. إذا قامت الجمعيات المعنية باستكشاف أمكنة مرشحة لاستقبال النازحين من الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعرفوا إلى هذا المبنى المقفل منذ سنوات وهو بناء صالح لاستقبالهم، وحجمه كبير نسبيا ويحتوي على 140 غرفة، وتجهيزه ممكن. وبناء عليه خاطبوا المسؤولين فتواصلوا مع محافظ بيروت ووزير الشؤون الاجتماعية ووزير الداخلية والأمم المتحدة لهذا الغرض، وطلبوا تأهيل المبنى لاستقبالهم بشكل مؤقت ريثما تحل مسألة النزوح كلها. لكن يبدو أن هذا الطلب وعلى الرغم من الردود الإيجابية التي تلقتها الجمعيات - من خلال اتصالات إضافية مع مكتب رئيس الحكومة وعدد من نواب بيروت – أبلغت الجمعيات عن إحالة الموضوع إلى وزارة الشؤون الاجتماعية. لكن على الأرض، يبدو أن هذا الطلب سرّع من عملية الإعلان عن تأهيل وإعادة فتح سوق الخضار خلال الأشهر المقبلة، وأعلن عن ذلك في تغطية إعلامية بحضور وزراء ورئيس بلدية بيروت، بعد يوم أو أيام قليلة من تواصل جمعيات الإعاقة مع المسؤولين، وكانت الجمعيات تنتظر وتتوقع جوابا إيجابيا على طلبها. ثمة وجهان لهذه المشكلة:
الوجه الأول للمشكلة
هو مسؤولية الدولة والحكومة في معالجة أزمة النزوح بكل تعقيداتها، وبشكل دامج يستجيب للتنوع وللحاجات المتفاوتة للجميع. ويقع عليها أن تجد الحلول وتوزع الأدوار والمسؤوليات وأن تتعامل مع أي طارئ جديد أثناء التنفيذ. لهذه الغاية وضعت خطة الاستجابة للكوارث وشكلت اللجان المختصة في إدارة الأزمات. ولا عذر للدولة في أي تقصير حاد غير مبرر، لاسيما بعد تجربة 2024. صحيح أن حجم النزوح هذه المرة أكبر بكثير وحصل في فترة زمنية قصيرة، إلا أن ذلك لا يعني اختلافا في المنهجية والمقاربة، بل ربما تقصيرا كميا أو سرعة أقل في الاستجابة. كما أن أزمة النزوح هذه دخلت شهرها الثالث، ولا تزال هناك قضايا أساسية لم تعالج على النحو المطلوب، ومنها المشكلات المتعلقة بالنازحين من ذوي الإعاقات والمسنين والحوامل وسائر أصحاب الاحتياجات الإضافية.
من يدير أزمة النزوح؟
لقد اختارت الحكومة إدارة هذه الأزمة من خلال إيكال الدور الأكبر إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، وهذا أمر ممكن إذا كانت قدرات الوزارة كافية، وإذا كان التنسيق مع الوزارات الأخرى وغيرها من مؤسسات الدولة قائما وفعالا بالقدر الكافي. وما يلفت النظر في هذا المجال أن معظم مراكز الإيواء هي مدارس رسمية، ومع ذلك لا نلحظ دوراً هاماً لوزارة التربية وجهازها في إدارة الأزمة، بما في ذلك الدوائر الإقليمية لوزارة التربية، ولا الجهاز الإداري ولا المعلمين. فكل مدرسة مستخدمة كمركز إيواء فيها مدير وإدارة ومعلمين كثر، وكان يمكن بسهولة نسبية أن يتولوا إدارة مركز الإيواء، لاسيما إذا جرت الاستعانة أيضا بالمدراء والجهاز التعليمي من القرى النازحة أيضا. أياً تكن الأسباب التي أدت إلى عدم تفعيل مثل هذا التنسيق، فهو يقع على مسؤولية الحكومة في نهاية المطاف، ويبقى ذلك غير مفهوم وغير مبرر.
تخصيص التمويل
من جهة أخرى، من غير المفهوم أيضا أن التمويل الذي تحصل عليه الحكومة لمعالجة أزمة النازحين من هبات وقروض (بنك دولي، اتحاد أوروبي...إلخ) تذهب في معظمها إلى برنامج واحد هو برنامج "أمان" دون غيره. وهذه استراتيجية أحادية تمثل تشوها في عمل برنامج "أمان" وازدواجية مع عمل الهيئة العليا للإغاثة، ومصادرة لدورها. على سبيل المثل، يتم توسيع المستفيدين من برنامج "أمان" كلما حصل طارئ ما، بما في ذلك ضم مجموعات النازحين إلى برنامج التحويلات النقدية والمساعدات الشهرية من خارج آليات اختيار المستفيدين من هذا البرنامج. أي أنه يتحول إلى هيئة إغاثة بديلة وهذا بدوره غير مبرر.
من جهة أخرى، لا يزال هناك قصور هام في تغطية جميع النازحين، فمن هم في مراكز الإيواء لا يمثلون سوى 12 إلى 13% من اجمالي النازحين. وهؤلاء الذين ليسوا في مراكز الإيواء لا نسمع عنهم كثيرا ولا تتوفر معطيات كافية عن أوضاعهم.
الاستعانة بالقدرات المجتمعية
معالجة أزمة بهذا الحجم تتطلب دون شك أعلى درجات التنسيق والتكامل في التدخلات بين كل المؤسسات الحكومية، والاستخدام الأمثل للقدرات البشرية والمؤسسية الحكومية. ونضيف أن ذلك ليس كافيا، اذ أن تجربة العقود السابقة برهنت أهمية الدور الكبير الذي تقوم به الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني في ظروف الأزمات، وهو دور بالغ الأهمية يوازي دور المؤسسات الحكومية. وخلافا للتجارب السابقة، قلما نسمع عن شراكة حقيقية مع منظمات المجتمع المدني والجمعيات في إدارة ازمة النزوح الحالية رغم إمكانياتها وفعاليتها المشهود لها. في المقابل نرى مبالغة في التأكيد على دور الحكومة (وهو أمر ضروري حتما) لكن مع ميل نحو التشديد على انفراد الحكومة بهذا الدور، والمبالغة في الإنجازات المحققة المعلن عنها في المؤتمرات الصحفية اليومية والأرقام المنشورة على المنصات...الخ، في حين لا يبدو أن حقيقة الوضع هي كذلك.
الوجه الثاني للمشكلة
... يتعلق بالمجتمع نفسه. ففي الموضوع الذي نتطرق إليه – أي التجمع أمام سوق الخضار في قصقص والمطالبة بتأهيله من أجل استقبال الأشخاص ذوي الإعاقة والاحتياجات الإضافية – تكرر مشهد الحساسيات السياسية – الطائفية – المناطقية الصريحة أو المضمرة في سلوك بعض المواطنين في التعامل مع التجمع. فثمة من اعترض كأن التجمع والمطالبة بمعالجة هذا الجانب من الأزمة هو اقتحام ديموغرافي وسياسي غريب للمجال المحلي، ولذلك لا بد من التصدي له بهذه الذريعة. وقد حصل ذلك رغم أن الجهات المنظمة معروفة بخياراتها ومواقفها الوطنية والسلمية واللاعنفية على امتداد عقود، حيث أن حركة الإعاقة في لبنان لطالما كان تنظم الحملات من أجل السلم الأهلي والوحدة الوطنية في كل مناسبة، وهي حركة صادقة تماماً في مواقفها وممارساتها خلافاً لكثيرين من رافعي الشعارات التي تناقض نواياهم وممارساتهم. بهذا المعنى لم يكن مقبولا على الإطلاق أن يتم التنمر على المنظمين على مرأى من قوى الأمن التي كانت حاضرة بكثافة في المكان، والتي كان يفترض بها أن تحول دون هذا التنمر المرفوض.
الحل الممكن والمطلوب
على الحكومة أن تتحمل مسؤولية خطتها وأسلوب عملها، وكذلك على وزارة الشؤون الاجتماعية التي كلفت بإدارة هذا الملف نيابية على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها في طريقة تنفيذها لتوجهات الحكومة أيضا، وطريقة عملها كوزارة، التي تمثل تراجعا كبيرا عن ممارسات سابقة أكثر انفتاحا ومرونة وفعالية في إشراك الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني في التعامل مع هذه الأزمة.
لا يزال بإمكان الوزارة والحكومة أن تجدا الحلول المناسبة، طالما انهما لا تعترضان على حق النازحين من ذوي الإعاقة بالحصول على العناية المستحقة لهم. واذا كانت هناك أي "هواجس" مبررة أو غير مبررة ناجمة عن ممارسات أخرى لا علاقة لجمعيات الإعاقة بها ولا تشبه تاريخهم، يمكن ببساطة – اذا وافقت الحكومة على تخصيص هذا السوق للأشخاص ذوي الإعاقة – أن تشكل إدارة قوية وفعالة لهذا المركز بقيادة وزارة الشؤون الاجتماعية وبلدية بيروت، مع إشراك الجمعيات الناشطة في المكان وجمعيات الإعاقة من أجل إدارة نموذجية لهذا المركز، ولما لا أن توفر له حماية أمنية إضافية على مداخله ومحيطه لنزع أي تخوف من تحوله إلى "احتلال ديموغرافي" دائم، لاسيما أن الحكومة قد سبق لها أن قررت جعل بيروت تحت سيطرتها الكاملة ودون أي سلاح خارج أجهزة الدولة المعنية.
أما إذا كانت الحكومة الوزارة لا ترغب في هذا الحل، فعليها أن تقترح حلا بديلا بشكل فوري لمشكلة لا تتحمل الانتظار. فلائحة المدارس المؤهلة لا تزال عندها ويمكنها تخصيص مراكز دامجة نموذجية في بعضها موزعة على الأقضية أو المدن الرئيسية. أو لها أن تختار أي حل آخر مناسب ويحقق الهدف المنشود وهو ليس الحصول على البناء بل توفير العناية اللائقة بكرامة الأشخاص ذوي الإعاقة من النازحين.
ونلفت النظر مسبقا إلى أن أي جواب من نوع إننا نعالج هذه المشكلة، وأن الوزارة أو الجهات المعنية تستجيب لكل طلب فردي وتجد حلا له، غير مقنع لأن الأمر لا يتعلق بحالات فردية هنا وهناك، كما أن ذلك يناقض عشرات الاتصالات اليومية والشهادات والتقارير الصحفية التي تؤكد أن أوجه القصور أكبر من أن يتم التغافل عنها. والمسألة ليست في النيات الطيبة للمسؤولين، ولا في تصريحاتهم المعززة بالأرقام، بل في النتائج الفعلية على الأرض.
ونحن في الانتظار.




