في كل بلدان العالم، يأتي اليوم العالمي للتمريض على وقع احتفال، إلا في لبنان، حيث يأتي هذا اليوم مثقلاً بالوجع والغياب والخسارات. هنا، لا تمر المناسبة كتحية عابرة لجنود القطاع الصحي، بل كاستعادة لأسماء وصور وأصوات فقدت في الحرب الأخيرة، من مسعفين وأطباء وممرضين، سقطوا وهم يؤدون واجبهم الإنساني تحت النار.
عصب القطاع الصحي
بحسب آخر تحديث لمنظمة الصحة العالمية، تعرض القطاع الصحي في لبنان، بين الثاني من آذار والسادس من أيار، إلى 152 هجوماً خلال الحرب الأخيرة، ما أسفر عن سقوط 103 شهداء و240 جريحاً. وبين هؤلاء، الممرض محمود أحمد ناصر من مستشفى نبيه بري الحكومي الجامعي، ومحمد أبو خدود من مستشفى النجدة الشعبية، اللذان قتلا خلال العدوان على الجنوب.
يعاني هذا القطاع في لبنان، كغيره من القطاعات، منذ العام 2019، وتفاقم الوضع في ظل الحرب المتواصلة منذ سنتين. وتقول نقيبة الممرضات والممرضين في لبنان، عبير الكردي علامة، لـ"المدن"، إن "اليوم العالمي للممرضين والممرضات لم يعد مجرد مناسبة رمزية، بل بات يشبه مرآة لحجم ما مرّ به القطاع الصحي في لبنان، منذ انفجار الرابع من آب، ومروراً بالانهيار الاقتصادي الذي أصاب القطاع بأكمله، ولا سيما التمريض باعتباره عصب القطاع الصحي، ووصولاً إلى الحرب الحالية".
التمريض بين النزوح والخوف
لم تكن الحرب مجرد ضغط مهني على الممرضين والممرضات، بل تحولت إلى تهديد مباشر لحياتهم واستقرارهم النفسي والعائلي. كثيرون نزحوا من منازلهم، وآخرون بقوا داخل المؤسسات الصحية، فيما نقلوا عائلاتهم إلى مناطق أكثر أمناً. بعضهم كان يعمل لساعات طويلة وهو يفكر بأطفاله وعائلته ومصير منزله، لكن ذلك لم يمنعه من البقاء في حالة تركيز كاملة أمام المرضى والجرحى.
وتكشف الكردي أن النقابة أجرت استبياناً شمل نحو 300 ممرض وممرضة، أظهر أن حوالى 200 منهم نزحوا من مناطقهم، مع الإشارة إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بكثير، لأن كثيرين لم يتمكنوا من تعبئة الاستبيان. كما اضطر عدد كبير من الممرضين إلى النوم داخل المستشفيات والمؤسسات الصحية، وكانت الأعداد تتغير يومياً تبعاً لتطورات القصف. إلا أن المؤكد، وفق الكردي، أن أكثر من 70 ممرضاً وممرضة كانوا يقيمون داخل المؤسسات، وبعضهم أحضر أولاده أو أفراد عائلته معه خوفاً عليهم.
المستشفى الصامد بوجه العدوان
خلف الأرقام والإجراءات، ثمة حكايات شخصية ثقيلة. في مستشفى النجدة الشعبية، المستشفى الصامد في الجنوب في وجه العدوان، تتحدث مسؤولة قسم التمريض سارة سلوم عن خسارة زميل لهم بالمستشفى. وتقول إن معايدتها هذا العام مختلفة، لأن الظروف كانت أقسى من أي وقت مضى.
وتضيف: "أريد أن أقول للممرضين والممرضات إنهم القلب الذي ينبض، والأمل بالنسبة إلى المستشفى".
أما الممرض علي عواركة، فيختصر المشهد كله بكلمات بسيطة لكنها قاسية: "نحن نعيش الحرب منذ ثلاثة أشهر، ولذلك فإن عيد التمريض هذا العام مختلف جداً عن كل السنوات السابقة". ويتحدث عن شهداء في قسم التمريض، وعن مصاعب عمل الطواقم الطبية في الخطوط الأمامية تحت القصف، والمعاناة الكبيرة في ممارسة هذا العمل. لكن التعاون بين أفراد الطواقم هو ما يجعلهم أقوى، وما يبقيهم قادرين على الاستمرار، كما قال.
محاولات الدعم والاستمرار
رغم هذه الظروف القاسية لم يتراجع دور القطاع واداؤه. تقول الكردي إن النقابة كانت على تواصل دائم مع مديري التمريض والمؤسسات الصحية لمتابعة احتياجات الطواقم. كما عملت على ربط الممرضين النازحين بمؤسسات صحية في مناطق نزوحهم، مثل صيدا وعرمون، عبر عقود مؤقتة إلى حين استقرار الأوضاع وعودتهم إلى مؤسساتهم الأصلية. كذلك جرى ربط عدد منهم بالبرنامج الوطني للصحة النفسية، إضافة إلى تأمين فرص عمل ضمن مراكز الرعاية الصحية الأولية والمنظمات الدولية.
في لبنان، لا يعمل الممرض داخل المستشفى فحسب، بل يحمل معه خوفه الشخصي وقلقه وخسائره، ثم يدخل إلى غرف المرضى كأن شيئاً لم يكن. يعمل لساعات طويلة، في ظل تدني الأجور ونقص الإمكانات والضغط النفسي الهائل، لكنه، رغم كل ذلك، لم يُظهر يوماً أنه ليس على قدر المسؤولية. في الحرب، لم يكن القطاع الصحي مهنة فقط، بل تحوّل إلى شكل يومي من أشكال النجاة والصمود وذكريات سوداء لأسماء رحلت وهي ترتدي بزاتها البيضاء.




