يتقاضون بين 220 و450 دولاراً بالشهر لقاء عملهم في التنظيفات أو في حراسة مباني الجامعة اللبنانية المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية. يتلقى هؤلاء رواتب شهرية ضحلة لا تكفي كبدل مواصلات تجعل منهم عمال بالسخرة. وإلى تشغيل الشركات الملتزمة الحراسة والنظافة العمال بهذه الظروف الصعبة، يتبين أن قيمة المناقصات التي فازت بها الشركتان المشغلتان منذ نحو سنتين كانت بمبالغ ضئيلة، وتثير الشكوك حول مدى قدرة التزام الشركات بدفتر الشروط.
دفتر الشروط في المناقصات
بحسب الوثائق، تسلمت شركة "هاي سيرفيس كلين"، الكائنة في بيروت، أعمال التنظيف في مباني الجامعة (القيمة الإجمالية في كل المجمعات نحو مليون ونصف المليون دولار سنوياً). وتسلمت شركة اليمن للتجارة والتعهدات العامة، الكائنة في طرابلس، حراسة مباني الجامعة (القيمة الإجمالية نحو مليون دولار).
يفصّل دفتر الشروط في كل مناقصة كل الأمور التي على الشركة العمل عليها بأدق التفاصيل. وعلى سبيل المثال، تفصّل مناقصة التنظيفات الأعمال اليومية والأسبوعية والشهرية. التنظيف اليومي يشمل مثلاً مسح الغبار داخل المكاتب وتنظيف الأسطح الداخلية والمراحيض. والأسبوعية تشمل تنظيف الزجاج من الداخل والمكتبات والشرفات، والشهرية تتضمن تنظيف الزجاج من الخارج بواسطة الرافعات، وغيرها من الأمور مثل تنظيف المجاري ورش مبيدات للحشرات. وتفصّل كمية المواد التي يجب أن تستخدم لتنفيذ المناقصة. ومثل مناقصة التنظيف، تتضمن مناقصة الحراسة كل الأمور المتعلقة بعدد العمال في كل مبنى ونوعية الهندام والأجهزة المستخدمة وقيمة التأمين على السرقات التي يجب أن تقدمها الشركة.
ومن ضمن الشروط لتحديد الفائز بالمناقصة، حددت الجامعة في دفتر الشروط عدد العمال في كل مجموعة من مجموع مباني الجامعة. واشترطت أن يكونوا منتسبين للضمان الاجتماعي، وأن يكون للشركة عمال مثبتين بالضمان في السنوات الثلاثة السابقة لتسلم المناقصة. بما يتعلق بشركة التنظيف فهي ملزمة بتأمين 246 عامل نظافة لكل المباني، و177 حارساً بما يتعلق بشروط شركة الحراسة.
من دون ضمان اجتماعي
وبحسب إفادات عاملين في الشركتين، كانت شركة التنظيفات تدفع لهم مئتي دولار بالشهر منذ سنتين، وزادت لهم مؤخراً عشرين دولاراً. لكن يختلف الأجر بين كلية وأخرى ومنطقة وأخرى، على أن أعلى راتب يصل إلى 450 دولاراً للمشرفين على العمال، الذين يتنقلون بين كلية وأخرى. أما شركة الحراسة فتدفع 300 دولار، وزادت لهم مؤخراً خمسين دولاراً. لكن يختلف الأجر بين منطقة وأخرى ويصل إلى نحو 400 دولار.
التلاعب الأول الذي تمارسه الشركات يتمثل في عدم تسجيل العمال بالضمان الاجتماعي. وأكد العمال الذين عرضوا لـ"المدن" مشاكلهم أنهم وزملائهم غير منتسبين للضمان الاجتماعي. وعدتهم الشركة ولم تنفذ. بالنسبة لعمال الحراسة علموا أنه في حال ضمهم إلى الضمان عليهم دفع 50 دولاراً بالشهر من راتبهم الهزيل.
لكن مخالفة شروط المناقصة لا تقتصر على عدم تسجيل العمال بالضمان الاجتماعي، بل بتوظيف عمال سوريين وأجانب، خلافاً لنص دفتر الشروط. هذا فضلاً عن التلاعب بالمواصفات لتأمين الوفر المالي.
الكلفة أكبر من المردود
بما يتعلق بشركة الحراسة تبدو الصفقة خاسرة. فكلفة أجور العمال الآنفة الذكر، في حال سجّلت العمال بالضمان ودفعت الاشتراكات (كما تنص الشروط) تصل إلى نحو900 ألف دولار بالسنة (177 حارساً براتب 350 دولاراً). أما كلفة التأمين على السرقات وكلفة شراء الهندام وأجهزة الاتصالات، فتزيد عن مئة ألف دولار بالسنة. وعليه، قبل حساب تكاليف الشركة الثابتة وكلفة الموظفين والمكاتب، كيف تستلم شركة مناقصة بهذه المواصفات، كلفتها أعلى من مردودها؟
أما بما يتعلق بشركة التنظيفات، فكلفة أجور العاملين مع اشتراكات الضمان (في حال سجّلتهم) تزيد عن 750 ألف دولار بالسنة (246 عاملاً براتب 220 دولاراً كمعدل وسطي). وقبل الحديث عن الكلفة التشغيلية للشركة والموظفين، تحدد المناقصة كمية كل مادة من مواد التنظيف التي يجب أن تستخدم سواء للبلاط أو الزجاج أو المكاتب أو المراحيض ومسح الغبار وغيرها. وهي كميات ضخمة جداً شهرياً، ولا يقل ثمنها عن 50 ألف دولار، ذلك أن المناقصة تشترط أن تكون من أفضل الأنواع وتراعي الشروط الصحية والبيئية. وهذا ناهيك عن مبيدات الحشرات التي يفترض أن تستعمل مرة كل شهر، وتنظيف زجاج المباني من الخارج، الذي يحتاج إلى معدات خاصة.
عملياً، التزام الشركة بدفتر الشروط يفضي إلى خسائر مالية لا أرباح. فلماذا تستلم أي شركة مناقصة خاسرة، بهذه الشروط والمواصفات والكلفة؟ الجواب يكمن في التلاعب بالتنفيذ والتسليم لتلافي الخسائر.
رقابة الجامعة غائبة
في التفاصيل، وضعت الجامعة لجان إشراف على حسن تنفيذ شروط المناقصات، وتتألف من أساتذة في الجامعة اللبنانية بينهم من الأساتذة المقربين جداً من رئيس الجامعة بسام بدران. ومن مهام اللجان الإشراف على كل الأعمال والشراء للتأكد من نوعية المواد المستخدمة ومطابقتها للمواصفات. وعلى اللجان وضع تقرير دوري عن سير الأعمال، كما جاء في وثائق المناقصات والمراسيم الخاصة التي حصلت عليها "المدن".
وتضيف المصادر أن دفاتر شروط المناقصة غير مسلمة من الإدارة المركزية للجامعة إلى الفروع كي يطلع عليها مدير الفرع وأمين السر، ومعرفة حقوق الجامعة وواجبات الشركات.
وبعيداً عن خرق الشركات حقوق العمال بعدم تسجيلهم بالضمان الاجتماعي، وعدم دفع بدل مواصلات، لتأمين وفر مالي، تؤكد المصادر أن الوفر الذي تحققه الشركات يتمثل بعدد من الأبواب في ظل عدم وجود رقابة. فلناحية عدد العاملين، عوضاً عن ثلاثة حراس للمباني الصغيرة (تغطية داوم 24 ساعة) يضعون حارساً واحد. وعوضاً خمسة عمال نظافة يؤمن ثلاثة أو أقل.
لا رقابة على العاملين ولا على المواد المستخدمة ولا على كيفية تنفيذ شروط المناقصة. وأبسط دليل على عدم رقابة الجامعة أن زجاج مباني الفروع في المناطق لم ينظف خلال سنتين إلا مرة أو مرتين، بينما كان يفترض أن ينظف كل شهر، بحسب دفتر الشروط. والسبب، بحسب المصادر، أن كلفة تنظيف المباني من الخارج مرتفعة جداً وتحتاج إلى عمال متخصصين، ولأنها بحاجة إلى رافعات أو عمال يستعملون الحبال (كما ينص دفتر الشروط)، وكلفة تأمين صحي وعلى الحياة.




