تتسابق الدول العظمى على امتلاك تقنيات الاستشعار الكمومي، (Quantum Sensors) التي يقول الخبراء أنها ستحدث في العقد المقبل نقلةً نوعية تغير جذرياً الحروب التقليدية والنووية على حدٍ سواء. وبينما تشكل الغواصات والقاذفات الشبحية والمقاتلات المتقدمة من الجيل الخامس العمود الفقري لاستراتيجية الردع للدول العظمى بفضل قدرتها على البقاء واختراق دفاعات العدو من دون أن تُكتشف، تكشف تقنيات الاستشعار الكمومي عن التفاعلات على المستوى الذري في الجاذبية والمغناطيسية والضوء، ما قد يبطل مفعول أنظمة الأسلحة التي تعتمد على التخفي والاختفاء.
ومثلما أحدث الرادار تحولاً جذرياً في الحرب الجوية فوق أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، سيغير الاستشعار الكمومي أيضاً مسار الحرب الجوية والبحرية الحديثة. وأول دولة ستُفعّل هذه التقنيات في التطبيقات الدفاعية ستزيل الميزة النسبية للغواصات والطائرات الشبحية، معيدةً تشكيل الردع النووي والحرب التقليدية.
وما نتحدث عنه هنا ليس ضرباً من الخيال العلمي، إذ تُجرى حالياً اختبارات على النماذج الأولية، وتموّل وزارات الدفاع بعض الدول برامج موسعة، وتضع التحالفات تطوير تقنيات الكم على رأس أولوياتها.
تحويل التأثيرات الفيزيائية
تقوم أجهزة الاستشعار الكمومي بتحويل التأثيرات الفيزيائية الدقيقة للغاية إلى إشاراتٍ مفيدة، وتستطيع مقاييس المغناطيسية الكمية رصد التغيرات الطفيفة في المجال المغناطيسي للأرض، ما يمكّن من تتبع وتحديد أهداف تحت الماء، كالغواصات. كما تستطيع مقاييس "الجاذبية الكمية" رصد شذوذ الكثافة تحت سطح البحر وحوله، للكشف عن الأنفاق والممرات والأجسام الكبيرة. وتستغل هذه الأجهزة "ميكانيكا الكم" للكشف عن تغيرات متناهية الصغر في المجالات المغناطيسية، وقوى الجاذبية، والموجات الكهرومغناطيسية، وغيرها من الإشارات.
ويعمل العلماء حالياً على دمج أجهزة الاستشعار التقليدية مع تقنية الكم. ويمكن للمجموعات الهجينة، مثل الكم مع المدخلات الصوتية أو الكهرومغناطيسية أو البصرية، المفلترة بواسطة التعلم الآلي، العثور على الإشارة وسط الضوضاء، والحد من الإنذارات الكاذبة، وتحويل الإشارات الخافتة إلى مساراتٍ عالية الدقة.
ويتضح ما نشرحه جلياً في التجارب الأولية، فقد اختبرت البحرية الملكية البريطانية مقاييس مغناطيسية كمومية لرصد الأجسام الصغيرة المغمورة، وجرّبت الصين مقاييس مغناطيسية كمومية محمولة على طائرات مسيّرة لتتبع تحركات الأجسام تحت الماء من الجو، واستكشف علماء أميركيون أنظمة ملاحة لا تعتمد على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وتعتمد على قياس التداخل الذري.
من المختبر إلى ساحة المعركة
تتنوع أجهزة الاستشعار الكمومية بشكلٍ كبير، وكلٌ منها مصمم لتطبيقات مختلفة. يستخدم بعضها مجموعات من الذرات المعلقة في بخار ويتم فحصها باستخدام الليزر أو الموجات الميكروية، بينما يستخدم البعض الآخر مواداً صلبة تعمل كذرات اصطناعية.
ولنأخذ الملاحة كمثال، فها نحن نعيش في عالم تُشوّش فيه إشارات نظام تحديد المواقع العالمي بشكلٍ روتيني في مناطق النزاع، ويظهر تدخل روسيا في نظام تحديد المواقع العالمي في أوكرانيا ومنطقة البلطيق مدى هشاشة الملاحة المعتمدة على الأقمار الصناعية. وهنا توفر أجهزة الاستشعار الكمومية بديلاً لا يمكن التشويش عليه، وهو حل يعمل في جميع الأحوال الجوية والتضاريس، ويعتمد على التغيرات الدقيقة في المجالين المغناطيسي والجاذبي للأرض كبصمات لتحديد المواقع الجغرافية. وعلى عكس إشارات الأقمار الصناعية، لا يمكن للخصوم تعطيل هذه الظواهر الطبيعية.
وتتجاوز آثار هذه الأجهزة العمليات العسكرية بكثير، إذ يمكن لأجهزة الاستشعار الكمومية المغناطيسية والجاذبية تحديد مواقع الموارد تحت الأرض (مثل الرواسب المعدنية، واحتياطيات النفط، والبنية التحتية المخفية) بدقةٍ غير مسبوقة. كما يمكن لأجهزة الاستقبال الكمومية رصد الإشارات الكهرومغناطيسية الخافتة أو منخفضة التردد، ما يتيح اتصالات أوضح في البيئات الصعبة، أو نقلاً أكثر أماناً للمعلومات الحساسة.
توقعات المدى القريب
الفائدة من هذه الأجهزة على المدى القريب لا تكمن في تطوير رادار خيالي يكشف المقاتلات والقاذفات والغواصات فحسب، بل في استخدامات مدنية أخرى. فمن شأنها تحسين توجيه وتعزيز مرونة الملاحة، وزيادة دقة البحث على نطاق واسع، لا سيما في أعماق البحار والمناطق الساحلية، حيث تكون العديد من الأنظمة العسكرية عرضة للتشبع أو الخداع. ومن المتوقع أيضاً أن تعمل الحوسبة الكمومية كعامل مضاعف لقوة العمليات المشتركة الحالية، كتحديد الأهداف ومواقعها بدقة، وإطلاق النار عليها، مع الحفاظ على التوجيه في بيئات شديدة التنازع ذات طيف كهرومغناطيسي مشوش ومشبع.
يشير تقييم التهديدات العالمية لعام 2025 الصادر عن تقييم الاستخبارات الدفاعية إلى أن الصين وروسيا توسعان شبكات الاتصالات الكمومية، وتستثمران في أجهزة قياس المغناطيسية الكمومية، وأجهزة قياس الجاذبية الكمومية، وأنظمة الملاحة بالقصور الذاتي. وتسهم هذه الاستثمارات في تطوير أدوات تشغيلية لتحديد مواقع أنظمة الأسلحة التي كانت غير مرئية، وتتبعها، واستهدافها. وسواء أثبتت هذه الاستثمارات جدواها أم لا، فإن الاتجاه واضح ويتجسد بسعي خصوم الولايات المتحدة إلى تقليص مساحة المناورة للغواصات والطائرات الشبحية الأميركية، والتي تُعدّ حجر الزاوية في الردع الموسع.
عصر ما بعد التخفي
ستكون تداعيات دخول أجهزة الاستشعار الكمومية التطبيقات العسكرية الواقعية واضحة في مجالات الحرب البحرية، والطائرات الشبحية، والصواريخ. ومع تطورها، سيتعين على المنصات المصممة للتخفي التكيف مع ازدياد احتمالات رصدها.
لذا سيتعين حينها على القوات البحرية الاستثمار في تقليل البصمة المغناطيسية في الوقت الفعلي للتسلل عبر أجهزة قياس المغناطيسية الكمومية. وسيتعين على القوات الجوية إعادة النظر في الطلاءات الشبحية وتغيير تكتيكاتها لمراعاة البصمات الرادارية والليدارية الجديدة. وستحتاج الحرب الكهرومغناطيسية، التي برزت بشكلٍ واضح في الحرب الروسية-الأوكرانية، إلى التوسع لاستهداف أجهزة الاستقبال الكمومية. وسيؤدي الكشف الأسرع والأكثر دقة إلى تقليص جداول اتخاذ القرار، ما يزيد من مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
أين نحن الآن؟
على الرغم من تطورات في التكنولوجيا الكمومية، إلا أنه لا يزال هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها قبل أن تترجم هذه المزايا إلى واقعٍ ملموس في ساحة المعركة. فكل تقنية ثورية، من الرادار إلى نظام تحديد المواقع العالمي وصولاً إلى التخفي، مرت بمراحل هندسية معقدة قبل أن تحدث نقلة نوعية في القتال. ويشهد الاستشعار الكمي الآن هذه المرحلة، فهو هش ولكنه يتقدم بسرعة، حيث تقربه كل نسخة جديدة من أنظمة متينة وقابلة للنشر. وستمتلك الدول التي تستثمر وتجري أكبر قدر من التجارب التفوق الحاسم في ساحة المعركة.
أظهرت العديد من أجهزة الاستشعار الكمومية بالفعل مزايا أداء مذهلة. وتتمثل التحديات المتبقية في تقليل حجم ووزن واستهلاك الطاقة للمعدات الداعمة، والحد من التشويش والتداخل على المنصات التي تُركّب عليها، ودمجها في برمجيات التحكم على مستوى النظام. هذه التحسينات الهندسية، يمكن أن تحدث نقلة نوعية في الأداء من خلال جعل فئات كاملة من التكنولوجيا الكمومية قابلة للتطبيق العملي في الميدان.
ويقول الخبراء أنه ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات بأن الرادار الكمومي "سيكشف الطائرات والصواريخ الشبحية المتطورة" أو سيكون "قاتلاً للغواصات" في الأعوام القليلة المقبلة، نظراً لمدى محدودية نطاق هذه التقنية حالياً وتأثرها بفقدان الفوتونات والتشويش الجوي والضوضاء. والأرجح أن يتطور الرادار الكمومي قريباً إلى أنظمة هجينة، مقترنة بالرادار التقليدي ومعالجة الإشارات، لتحسين الكشف في بيئات متخصصة محددة، بدلاً من إحداث ثورة شاملة في الدفاع الجوي.




