كابلات الإنترنت البحرية: عمود فقري من زجاج

نافع سعدالأحد 2026/05/10
Image-1778319936
العمود الفقري الرقمي للعالم يتسم بهشاشة تفوق بكثير ما توحي به خرائط الاتصال الحديثة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُعدّ كابلات الإنترنت البحرية عصباً حيوياً للاقتصاد العالمي ومحركاً أساسياً لحركة الأموال والبيانات التي لا تتوقف. فهي شبكة من الألياف الضوئية تمتدّ تحت البحار لتربط القارات ببعضها، فيما تتشابك مساراتها مع خرائط النفوذ الجيوسياسي بطريقة تجعل ملامح الحرب الهجينة حاضرة في أدقّ تفاصيل هذه البنية التقنية.

 

وهم اللامركزية: اختناق جغرافي

على الرغم من أن الإنترنت يُقدَّم غالباً بوصفه شبكة لامركزية، فإن الكابلات البحرية لا تزال تمر عبر عدد محدود من الاختناقات الجغرافية الحرجة حول العالم. ويُمثل الشرق الأوسط إحدى أكثر نقاط هذا النظام العالمي هشاشةً وتعقيداً.

 

تتلاقى أربع من أكثر حزم الكابلات ازدحاماً في العالم ضمن شريط ضيق يمتدّ لنحو 1,900 كيلومتر عبر البحر الأحمر، مروراً بجسر بري مصري يبلغ طوله نحو 160 كيلومتراً، وصولاً إلى مداخل الخليج. ويحمل هذا الجسر وحده ما يُقدَّر بين 17 و30 في المئة من حركة الإنترنت العالمية، فيما تمر عبره 16 منظومة دولية للكابلات البحرية.

 

أما مضيق باب المندب جنوبي البحر الأحمر، فيجمع بين 14 و17 كابلاً داخل ممر مائي لا يتجاوز عرضه 26 كيلومتراً، بمحاذاة مباشرة لمناطق نفوذ الحوثيين. وفي الخليج، يستضيف مضيق هرمز كابلات بالغة الأهمية مثل AAE-1 و FALCON و GBI، في بيئة بحرية تتصاعد فيها اليوم المخاطر والتهديدات الأمنية.

 

أزمة الصيانة: الحلقة الأضعف

تمتدّ تحت سطح البحار اليوم نحو 600 كابل من الألياف الضوئية، بطول إجمالي يقارب مليوناً وأربعمئة وثمانين ألف كيلومتر. وتنقل هذه الكابلات أكثر من 95 في المئة من حركة الإنترنت عبر القارات، إلى جانب ما يُقدَّر بعشرة تريليونات دولار من المعاملات المالية اليومية، من تحويلات "سويفت" إلى تداولات أسواق الأسهم.

 

غير أنّ القدرة على إصلاح الكابلات التالفة تُعدّ إحدى أكثر الثغرات إهمالاً في هذا القطاع الحيوي. فالعالم لا يملك سوى 19 سفينة متخصّصة بأعمال الصيانة، فيما يُتوقَّع أن يصل نحو ثلثَي هذا الأسطول إلى نهاية عمره الافتراضي بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي. وتشير تقديرات مؤسسة "تيلي جيوغرافي" إلى حاجة القطاع لاستثمارات تقارب 3 مليارات دولار لبناء 15 سفينة بديلة وخمس سفن إضافية، وذلك فقط للحفاظ على مستويات الخدمة الحالية.

 

فالكابل المقطوع يمكن إصلاحه خلال أيام إذا توفّرت سفينة متخصّصة وتصاريح من السلطات الساحلية المعنية، لكن غياب أحد هذين الشرطين كفيل بتحويل المشكلة من عطل هندسي إلى أزمة جيوسياسية، خصوصاً عندما تمر الكابلات عبر مياه متنازع عليها أو مناطق تشهد نزاعات مسلّحة واضطرابات أمنية، حيث تصبح عمليات الإصلاح رهينة التوازنات السياسية والمخاطر الميدانية.

 

الممرات المشتعلة: من باب المندب إلى هرمز

أصبح البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة مسرحاً لأخطر حوادث الكابلات البحرية المعاصرة. وتُعدّ حادثة السفينة "روبيمار" في شباط 2024 مثالاً صارخاً على هشاشة هذا النظام. فبعد تعرّض السفينة لضربة صاروخية حوثية، تخلى طاقمها عنها تاركاً المرساة مُلقاة في المياه. وخلال أسابيع من الانجراف، تسببت المرساة بقطع ثلاثة كابلات حيوية، وهذا ما أدى إلى اضطراب واسع في حركة البيانات. ولم تقتصر الأزمة على الأضرار التقنية فحسب، إذ استغرق الحصول على تصاريح الإصلاح نحو ثمانية أسابيع، بينما امتدت عملية استعادة القدرة الكاملة على نقل البيانات لأشهر عدّة.

 

وفي السادس من أيلول 2025، تعرّضت كابلات SMW-4 و IMEWE و FALCON لأضرار قرب مدينة جدة السعودية. وأدى ذلك فوراً إلى تدهور أداء الإنترنت من مومباي إلى فرانكفورت، مع اضطراب واسع في حركة البيانات العابرة للبحر الأحمر، والتي تُقدَّر بنحو 17 في المئة من إجمالي حركة الإنترنت بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

 

أما في مضيق هرمز، فإن التمركز الكثيف يخلق نقطة ضعف استثنائية، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الصيانة داخل الخليج. ويقتصر الوجود التشغيلي في المنطقة اليوم على سفينة إصلاح واحدة، هي السفينة الفرنسية "إيل دو باتز" (Ile de Batz). ووفق بيانات التتبع البحري لشهر أيار 2026، ترسو السفينة حالياً في ميناء الدمام. غير أن وضعها التشغيلي متوقف فعلياً بعد إعلان الشركة المشغلة حالة "القوة القاهرة" نتيجة التوترات في المنطقة. وذلك في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من مخاطر الألغام البحرية والتهديدات غير المباشرة، في سياق الحرب الدائرة وما نتج عنها من تقييد للملاحة وحصار في المنطقة. وبالرغم من عدم وجود أدلة علنية تربط إيران مباشرة بأي حادثة قطع سابقة، فإن وسائل إعلام إيرانية وصفت الكابلات الخليجية مراراً بأنها إحدى نقاط الضعف الحيوية في المنطقة.

 

سلاح المراسي: تحت راية الملاءمة

أكثر ما ميّز السنوات الأخيرة في قطع الكابلات البحرية هو بروز نمط منخفض التكنولوجيا وعالي الفعالية: "تكتيك المرساة". فمنذ العام 2023، شهدت مياه بحر البلطيق سلسلة حوادث متشابهة تورطت فيها سفن مثل Newnew Polar Bear و Yi Peng 3 الصينيتين والناقلة Eagle S التي قيل أنها جزءاً من "أسطول الظل" الروسي، حيث جرى سحب المراسي لمسافات قد تصل إلى 300 كيلومتر، ما أدى إلى قطع كابلات بيانات وأنابيب غاز حيوية.

 

وقد انتهت معظم التحقيقات الأوروبية إلى توصيفات مرتبطة بسوء الأحوال الجوية، ما جعل هذا النمط يتميز بفعاليته القائمة على البساطة التشغيلية أكثر من التعقيد التقني، إذ لا يتطلب قدرات عسكرية متقدمة أو عمليات سرّية معقّدة، بل يكفي ربّان يعمل ضمن ظروف تشغيل غير شفافة تحت "علم ملاءمة" (Flag of Convenience)، مثل جزر كوك. هذا الغطاء القانوني يمنح بيئة لإخفاء المالكين الحقيقيين ويُضعف المساءلة بموجب قانون البحار (UNCLOS)، بما يطمس الحدود بين الحادث العرضي والفعل المتعمّد. وهكذا تتبلور ملامح "الحرب الرمادية"، التي لم تعد محصورة بالغواصات المجهولة، بل امتدت إلى طبقات أعمق حيث يصبح الضرر مباشراً وتتبخر المسؤولية.

 

لبنان: تشريح الهشاشة المركّبة

في لبنان، تتداخل القيود التقنية مع الأزمات الاقتصادية والاضطرابات المؤسسية لتشكّل نموذجاً للهشاشة المركّبة. تعتمد البلاد على ثلاثة كابلات بحرية رئيسية فقط تربطها بالعالم: IMEWE الذي يصل إلى أوروبا عبر مصر والشرق الأوسط، و Cadmos/Alexandros المتصل بقبرص، و Berytar المرتبط بطرطوس، ما يجعل أي خلل فيها ذا أثر بالغ على الاتصال الخارجي. وتتركز نقاط ربط الكابلات البحرية بالشبكة الأرضية في ثلاث مناطق رئيسية، وتُدار بالكامل عبر مشغّل واحد هو "أوجيرو" الذي يحتكر البوابات الدولية.

 

تتفاقم هذه البنية المحدودة بفعل أزمة كهرباء مزمنة، إذ تعتمد محطات الإنزال على مولدات خاصة تستهلك كميات كبيرة من الوقود لتأمين التشغيل المستمر، في ظل ميزانيات تشغيلية شديدة الانكماش. وقد انعكس هذا الواقع على قدرات الصيانة والاستثمار، خصوصاً مع أضرار كبيرة لحقت بالبنية التحتية للاتصالات خلال حربي 2024 و2026.

 

غير أنّ جوهر الضعف يكمن في تراكبه مع عناصر أخرى: احتكار التشغيل، محدودية المسارات البحرية، الاعتماد على نقاط عبور خارجية في مصر وقبرص، والانكشاف على تعقيدات إقليمية. كما أن إصلاح كابل Berytar، على سبيل المثال، يرتبط بتنسيق سياسي ولوجستي معقد عبر الأراضي السورية.

 

خريطة طريق لتفكيك الهشاشة الرقمية

لمواجهة هذا الخطر المتصاعد، بدأت الجهات الدولية بالتحرك. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي في شباط 2026 صندوقاً لأمن الكابلات البحرية بقيمة 347 مليون يورو، كما أطلق حلف الناتو مهمة "حارس البلطيق". في المقابل، لا تزال منطقة الخليج والمشرق تعاني من نقص واضح في الحوكمة وغياب استراتيجية إقليمية موحدة.

 

وفي ضوء ذلك، تبرز حاجة ماسة لخطوات عملية تشمل:

- تقليص زمن التصاريح: ضرورة التوصل إلى ترتيبات مسبقة بين الدول لتسريع إجراءات تصاريح الإصلاح، بما يخفض فترة الانتظار من أسابيع إلى أيام معدودة عند وقوع الأعطال.

- تعزيز قدرات الصيانة الإقليمية: إنشاء منظومة إقليمية لسفن الصيانة، مع تخزين معدات الإصلاح مسبقاً في موانئ استراتيجية مثل طرطوس وجدة والفجيرة، بهدف تقليل زمن الاستجابة عند وقوع الأعطال.

- تنويع المسارات الجغرافية: العمل على كسر الاعتماد على مسارات عبور محددة، خصوصاً في المضائق التي تشكل نقاط اختناق جيوسياسية، عبر فتح المجال أمام مشغّلين متعددين وتطوير مسارات بديلة أقل ازدحاماً وأكثر استقلالية.

- تبني تقنيات المراقبة المتقدمة: استخدام أنظمة الاستشعار الصوتي الموزع (DAS) على الكابلات البحرية لتمكين الكشف المبكر عن التهديدات ورصد أي اضطرابات في الوقت الفعلي.

- بناء بنية تحتية هجينة: دمج شبكات الألياف الضوئية مع شبكات الأقمار الصناعية منخفضة المدار (LEO) لتوفير مسارات بديلة تضمن استمرارية تدفق البيانات في حالات الطوارئ.

 

يبرز جلياً أن العمود الفقري الرقمي للعالم يتسم بهشاشة تفوق بكثير ما توحي به خرائط الاتصال الحديثة، حيث تمثل منطقة الشرق الأوسط إحدى أكثر النقاط تركزاً وانكشافاً في هذا النظام. ولا يكمن الخطر الداهم بالضرورة في عمليات تخريبية معقدة، بل في قدرة جهات فاعلة من غير الدول، بتمويل محدود، على شلّ أجزاء واسعة من الشبكة عبر حوادث متزامنة، مثل سحب مرساة سفينة لمسافة قصيرة في ممرات مائية حساسة.

ويزداد المشهد تعقيداً مع احتمال اتساع نطاق الاستهداف ليشمل سفن الصيانة النادرة، وهذا ما قد يجعل عمليات التعافي شبه مستحيلة. وفي المحصلة، وبالرغم من سعي رأس المال إلى تعظيم الأرباح وخفض التكاليف، فإن البنية التحتية الحالية للإنترنت لم تُصمَّم للتعامل مع واقع تتصاعد فيه النزاعات المسلحة وحروب التخريب الاقتصادي، وقد يدفع العالم ثمن هذا الإهمال.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث