"في كل الحروب، من العثمانيين إلى الانتداب الفرنسي وصولًا إلى الاحتلال، كان لبلدة حولا موقع ودور، وكل ما مرّ عليها لم يزدها إلا صلابة". يقول الدكتور أيسر حجازي، ابن بلدة حولا لـ"المدن".
من هذه الجملة يمكن أن تُروى حولا كما تُروى البلدات الجنوبية التي لا تُختصر بجغرافيتها، بل بما حملته من حروب وذاكرة وناس يشبهون أرضهم أكثر مما يشبهون زمنهم. بلدة صغيرة على خريطة الجنوب، لكنها في السرد تقف على حافة التاريخ نفسه.
كهف مفتوح على الرياح
حولا، كما يشرح اسمها في الذاكرة المحلية، هي من "الحَوْل"، أي القوة، ومن "حولو" بالسريانية، أي الكهف. بين المعنيين تمتد صورة البلدة كما يراها أهلها: مكان قاسٍ يفرض على ساكنيه أن يشبهوا صلابته، وكهف مفتوح على الرياح، يُحتَمى به بقدر ما يُختبر فيه الإنسان. مساحة لا تتجاوز 16 كلم مربع، وعدد سكان يقارب 13 ألف نسمة، لكن الكثافة فيها ليست عددًا، بل زمنًا متراكمًا.
في تفاصيلها اليومية، الأرض جبلية، شحيحة الماء، رغم قربها من نهر الليطاني. وكما يرد في كتيّب "حولا الشهيدة" الصادر عن رابطة إنماء حولا عام 1998، من إعداد الدكتور أيسر حجازي، فإن البلدة "لم تكن تملك الماء وغيره من متطلبات الحياة، ما يفرض الصبر لتأمينها". الأهالي كانوا يذهبون إلى فلسطين لملء الجرار، يحملونها على الأكتاف ويعودون.
هذا العيش الصعب لم يكن تفصيلًا عابرًا. هو الذي شكّل علاقة الناس بأرضهم.
يقول حجازي إن قسوة الجغرافيا "تشتدّ بها عزيمة الناس، فتجعل الصبر شيمة، والقوة سلوكًا يوميًا". لذلك التصقت بأهل حولا صورة الصلابة، لا بوصفها صفة، بل بوصفها نتيجة طبيعية لحياة لا تسمح بالهشاشة.
في عمق البلدة أيضًا طبقات من التاريخ: مغاور ومعاصر وكهوف، وقلعة دوبية الصليبية التي تُنسب إداريًا إلى شقرا، والتي كانت، بحسب الرواية المحلية، محطة لكل من مرّ في هذه المنطقة عبر العصور.
لكن حولا، في السرد الأعمق، ليست مكانًا فقط، بل تماسًا دائمًا مع فلسطين. يقول حجازي إن قربها من الحدود مع فلسطين كرّس وعياً مبكراً: "قسم من أهلنا كان يعمل في حيفا وصفد، فتفتح على وعي اجتماعي وسياسي نتيجة الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين". الحدود كانت خطّ حياة مفتوحًا، قبل أن يتحول إلى خط حرب.
من هذا التماس، تبدأ الحكاية التي ستصبح لاحقًا جرحًا مؤسسًا في ذاكرة البلدة. ففي أيار 1948، دخلت فرقة صهيونية إلى حولا ليلًا، وقتلت الشيخ عبد الخالق مزرعاني، وعبد شبيب شريم، ومحمد ياسين (أبو عباس). كانت تلك، بحسب الكتيّب، "أولى الاعتداءات"، وبداية ذعر استمر لأشهر. ثم جاء جيش الإنقاذ، وتمركز على تلة الشيخ عباد، ليمنح الناس لحظة توازن مؤقتة. شارك أبناء البلدة في الدفاع، وحملوا السلاح إلى جانبه.
لكن ذلك التوازن لم يدم. في 27 تشرين الأول 1948 انسحب جيش الإنقاذ فجأة. ترك البلدة مكشوفة، بلا حماية. وبعد أربعة أيام فقط، في 31 تشرين الأول، وصلت قوة مسلحة من الشمال، من جهة مركبا، كان بعض أفرادها يعتمرون الكوفية والعقال، وتحدثوا بلهجة عربية.
"فوجئنا بجيش يطوق البلدة من جميع الجهات"، يروي أحد الشهود الناجين من المجزرة في الكتيّب الآنف الذكر، مضيفًا: "اعتقدنا أن جيش الإنقاذ قد عاد". خرج الأهالي لاستقبالهم. الترحيب تحول خلال دقائق إلى اعتقال. أسر الإسرائيليون خمسة وثمانون رجلًا من شيوخ وشباب، إضافة إلى نساء وأطفال. ثم جرى تقسيم الرجال إلى ثلاث مجموعات بحسب العمر، ووُضعوا في ثلاثة منازل داخل البلدة. أطلقوا عليهم النار، ثم فجروا المنازل فوق رؤوسهم. وحده التدخل المتأخر لمراقبي الأمم المتحدة منع امتداد المجزرة إلى النساء والأطفال.
"بعد المجزرة، مُنع الناس من التحدث عنها"، يقول حجازي بسبب اتفاقية الهدنة التي فرضت نوعًا من التعتيم الرسمي. أحد أبناء البلدة حاول نقل ما جرى، فأوقفته المباحث اللبنانية واتهمته بنشر الشائعات.. حتى إحياء الذكرى مُنع في الستينيات، قبل أن يُسمح بها لاحقًا، وأصبحت الذكرى طقسًا سنويًا منذ عام 1993.
شيّد أبناء حولا نصباً تذكارياً بجانب مقبرة شهداء المجزرة، لكن جيش الاحتلال دمره لاحقًا خلال الحرب الماضية، واعتُدي عليه بكتابات عبرية. يقول حجازي "في المجزرة قُتل أكثر من 10 بالمئة من السكان. اليوم، نحن في أنياب وحش ولا أحد ينظر إلينا، نقتل يوميا ومجازر يومية، تهجير وإبادة جماعية".
لا تنفصل المجزرة عن ما تلاها: قصف متكرر، ألغام في الحقول، اعتقالات واسعة. ومرّ أكثر من 300 معتقل من أبناء البلدة في سجون الخيام وأنصار وغيرها. وهجّرت وأبعدت إسرائيل أكثر من 80 من سكان البلدة قبل العام 2000. ومع ذلك، بقيت هناك لحظة واحدة تُستعاد بوصفها نقيضًا لكل ما سبق: التحرير عام 2000. يقول حجازي: "حالة فرح لا مثيل لها، طلعنا كأن العالم رايحة تحج… هجموا باللحم الحي". رغم القصف والغارات، دخل الناس إلى بلدتهم، فيما كانت الدبابات الإسرائيلية تنسحب مع جيش لحد.
في الحرب الماضية، دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلة آل حجازي الذي عمره أكثر من 70 عاماً. يقول " كان تدميره صعباً، هذا بيت العائلة الأساسي، تعمر على مرحلتين، الأجيال كلها مرّت عليه، وكنت قد جمعت مقتنيات مع صور الأهل كي تبقى ذكرى للأولاد، لكن كله راح".
في الوعي المحلي، حولا ليست حدثًا من الماضي، بل حالة مستمرة. يقول حجازي: " نحن معتادون على الصمود، فقد احتُلّت حولا مرات عدة، وحتى اليوم لا تزال تحت التهديد. فكرة الاستيطان مرفوضة بالكامل، وغير قابلة حتى للتخيّل، ليسوا مستوطنون، إنهم مغتصبون".
حولا ليست مجرد بلدة بالنسبة لأهلها، "هي روح، أينما ذهبنا، نحمل تاريخنا معنا، نحن مجبولون بها". واليوم، كما في الأمس، يبقى السؤال عند أهالي البلدة نفسه معلّقًا: هل نعود؟ لكن الجواب، كما يقول حجازي، ليس سؤالًا بقدر ما هو يقين: "نحن أصحاب الأرض… لدينا أمل في العودة في كل دقيقة".




