آلية ترخيص التظاهر السلمي: حق للمجتمع أم قيود على المواطنين

لؤي مريودالأربعاء 2026/05/06
Image-1778058273
الترخيص المسبق للتظاهرة أمر تنظيمي فحتى في النرويج يُطلب إبلاغ الشرطة مسبقاً بالتظاهرات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار التعميم الصادر عن وزارة الداخلية السورية بتاريخ 29/4/2026 بشأن آلية تنظيم وترخيص التظاهر السلمي جدلاً واسعاً، عكس في جوهره إشكالية قانونية أعمق تتعلق بكيفية الموازنة بين صون الحريات العامة وضبط ممارستها ضمن إطار يحفظ النظام العام. فقد انقسمت الآراء بين من اعتبر الخطوة تطوراً ضرورياً نحو تنظيم هذا الحق، وبين من تخوف من أن تتحول إلى أداة لتقييده، وهو انقسام يعكس بطبيعته حساسية الموضوع وأهميته في أي نظام قانوني.


في هذا السياق، يُعد تنظيم الحق في التظاهر السلمي من أبرز التحديات التي تواجه الدول في المراحل الانتقالية أو في البيئات التي تتطلب إعادة ضبط العلاقة بين الحرية والنظام العام كالحالة السورية اليوم. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية بوصفها محاولة لإرساء نموذج تنظيمي يوازن بين تمكين المواطنين من ممارسة حقهم في التعبير، وضمان عدم انزلاق هذا الحق إلى الفوضى أو الإخلال بالأمن.

 

حق التظاهر السلمي
من أبرز الجوانب الإيجابية في هذه التعليمات، أنها تنطلق من اعتراف واضح بحق التظاهر السلمي، وهو ما يشكّل أساساً قانونياً مهماً، ويضع هذا الحق ضمن دائرة المشروعية بعد أن كان في مراحل سابقة محل تضييق أو غموض. كما أن النص على التزام الجهات المختصة بتوفير الحماية للمظاهرات يعكس توجهاً نحو تبني الدور الإيجابي للدولة، والذي لا يقتصر على الرقابة، بل يشمل أيضاً التأمين والدعم اللوجستي.
كذلك، فإن اشتراط تشكيل لجنة منظمة للمظاهرة يُعد إجراءً تنظيمياً يهدف إلى تحديد المسؤوليات بشكل واضح، بما يسهم في تسهيل التواصل بين المنظمين والسلطات، ويحد من العشوائية. هذا النموذج قريب من بعض الممارسات الإدارية المعتمدة في دول مثل ألمانيا، حيث يتم تحديد جهة مسؤولة عن التنسيق لضمان حسن سير التظاهرة.


أما مسألة تقديم طلب مسبق، فرغم الجدل الذي يثار حولها، يمكن فهمها ضمن إطار تنظيمي له نظائر في دول متقدمة. ففي النرويج، يُطلب إبلاغ الشرطة مسبقاً بالتظاهرات، ويُعد هذا الإخطار شرطاً عملياً لتمكين السلطات من تنظيمها وضمان سلامتها، مع صلاحيات تتعلق بتحديد المكان والزمان. وفي المملكة المتحدة، تُلزم القوانين بإخطار السلطات مسبقاً، مع تمكينها من فرض قيود محددة عند الضرورة. كما تعتمد فرنسا نظام التصريح المسبق، الذي يتيح للسلطات التدخل عند وجود مخاطر جدية على الأمن. وعليه، فإن الإجراء المسبق—سواء أُخذ بصيغة إخطار أو تصريح—يمثّل في هذه التجارب شرطاً أساسياً لتنظيم التظاهرات، ويؤدي في التطبيق العملي دوراً قريباً من فكرة الموافقة المسبقة، دون أن ينفي ذلك بقاء الحق في التظاهر كأصل عام.

 

تنظيم المجال العام
وعليه، فإن فكرة الإجراء المسبق سواء سُمّي (إخطاراً أو ترخيصاً) ليست غريبة عن الأنظمة الديمقراطية، بل تُعد أداة أساسية لتنظيم المجال العام. والفارق الجوهري لا يكمن في وجود هذا الإجراء، بل في طبيعة تطبيقه، وحدود السلطة التقديرية، ومدى خضوعها لرقابة قانونية فعالة. ففي التطبيق العملي، لا تُترك التظاهرات في هذه الدول دون إطار تنظيمي، بل تخضع لشروط تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحرية والنظام.
ومن النقاط الإيجابية أيضاً، الحظر الصريح لحمل السلاح في التظاهرات، وهو مبدأ مستقر في مختلف الأنظمة القانونية، ويُعد شرطاً أساسياً للحفاظ على الطابع السلمي للتجمعات. كما أن تحميل الجهة المنظمة مسؤولية الحفاظ على النظام الداخلي للتظاهرة يعزز مفهوم الشراكة بين المجتمع والدولة في إدارة الفضاء العام.


التعليمات كذلك تضمنت إمكانية إنهاء التظاهرة في حال خروجها عن طابعها السلمي أو مخالفتها للشروط المحددة، وهو إجراء يمكن فهمه في إطار مبدأ حماية النظام العام. ففي العديد من الأنظمة، ومنها فرنسا، تملك السلطات صلاحيات التدخل عند تحول التظاهرة إلى مصدر تهديد فعلي، على أن يكون ذلك خاضعاً لمعيار التناسب.


التمييز بين الإخطار والترخيص

ومن زاوية حيادية متوازنة، يمكن تناول بعض الملاحظات التي أثيرت حول هذه التعليمات بروح بنّاءة، باعتبارها فرصاً للتطوير لا نقاطاً للنقض. فالنقاش حول التمييز بين الإخطار والترخيص يعكس في جوهره اختلافاً في الأدوات أكثر منه في الغاية، ويمكن معالجته مستقبلاً من خلال تعزيز الضمانات التي تكفل عدم التعسف في منح الموافقات أو رفضها.
كما أن الإشارة إلى مفاهيم مثل "النظام العام" و"الأمن" تظل أدوات قانونية مشروعة، غير أن تطوير معايير تطبيقية أكثر دقة من شأنه أن يعزز الثقة ويحدّ من أي تخوفات محتملة. أما فيما يتعلق بالإجراءات الزمنية، فيمكن مستقبلاً إدخال قدر من المرونة لاستيعاب التظاهرات العفوية، بما يحقق التوازن بين الحاجة إلى التنظيم وحق التعبير الفوري.
وأما توصيف التظاهرات غير المنظمة، فإن تبني مقاربة تدريجية تميّز بين المخالفات الشكلية والتصرفات التي تنطوي على إخلال فعلي بالأمن، من شأنه أن يعزز مبدأ التناسب، وهو مبدأ معتمد في الأنظمة القانونية الحديثة.
في المحصلة، يمكن قراءة هذه التعليمات ضمن مقاربة إيجابية تسعى إلى الانتقال من حالة الفراغ عمليا أيام النظام البائد إلى حالة التنظيم القانوني، مستفيدة من تجارب دولية راسخة، وقابلة للتطوير بما يضمن تكريس حق التظاهر كحرية أساسية تُمارس ضمن إطار من المسؤولية واحترام النظام العام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث