يبدو أن وزارة التربية سلمت جمع البيانات عن واقع المدارس في الجنوب إلى هواة. ففي معرض البحث عن المدارس المدمرة كلياً أو جزئياً تبين لـ"المدن" أن البيانات المرسلة من المناطق التربوية غير صحيحة وتشوبها أخطاء جسيمة.
حصلت "المدن" على آخر نسخة محدثة حول واقع المدارس الرسمية في الجنوب، والتي أكدت الوزارة أنها محدّثة منذ بضعة أيام. وبحسب بيانات الوزارة جرى تدمير عشرة مبان مدرسية خلال الحرب الحالية تعود إلى أربع ثانويات وثلاثة متوسطات وثلاثة معاهد فنّية.
بيانات محدّثة غير دقيقة
بحسب البيانات، فقد تم بين شهري آذار ونسيان تدمير ثلاثة مبان مدرسية هي: ثانوية مروحين المختلطة ومتوسطة الناقورة ومتوسطة السماعية في قضاء صور. وهي تضاف إلى ست مدارس وثانوية جرى تدميرها كلياً في قرى قضاء صور في عام 2024. لكن كارثة البيانات تظهر في قضاء النبطية، إذ لحظت تدمير ثلاث مدارس في شهر نيسان هي: مدرسة الشهيد سعيد مواسي في عيترون، ومدرسة عيتا الشعب ومتوسطة قبريخا، بالإضافة إلى مدرستين مدمرتين بشكل كامل في بليدا ومركبا في عام 2024.
لكن لائحة المباني المدرسية في منطقة النبطية تكشف سوء التوثيق. فلائحة محافظة النبطية تعود لمئة واثنتان من المدارس في أقضية النبطية ومرجعيون وبنت جبيل، بغية توثيق حالة كل مدرسة. ويتبين أنه من نحو أربعين مدرسة مصنفة "لا إمكانية لمعرفة الأضرار في الوقت الحالي"، أكثر من عشر مدارس مسواة بالأرض، بحسب ما وثقت "المدن" من خلال التواصل مع أساتذة وسكان تلك القرى. فعلى سبيل المثال جرى تدمير مدرسة يارون الرسمية بالكامل، ومدرسة الراهبات المخلصيات الخاصة. وفي بنت جبيل سويت مدرسة عبد اللطيف سعد المتوسطة الرسمية بالأرض. علماً أن جزءا من المدرسة تشغله الجامعة اللبنانية. وفي بنت جبيل دمرت مدرسة جميل جابر بزي المتوسطة المختلطة الرسمية بالكامل، كما يكشف السكان من المنطقة، وتظهره الصور الجوية أيضاً. والأمر نفسه يسري على مدارس ميس الجبل وحولا والطيبة والخيام التي تعرضت لدمار كبير منذ نحو عام، لكنها دمرت بالكامل حالياً كحال الخيام، التي طال الدمار فيها الثانوية والمهنية والمدرسة الزراعية، ومدرسة العديسة التي دمرت بالكامل الأسبوع الفائت. أما في بيانات الوزارة فجميع هذه المدارس مصنفة تحت بند "لا إمكانية لمعرفة الأضرار في الوقت الحالي".
الإشكالية بآلية التوثيق
أما مباني المعاهد الفنية، فيتبين أن الدمار الشامل طال المعهدين الفنيين في القنطرة والخيام، بحسب الوزارة، فيما باقي المعاهد في بنت جبيل وعيتا الشعب وتبنين، وتول والنبطية والزرارية، وجباع ومعركة والعباسية وجويا وقانا وأنصار، فتعرضت لأضرار. علماً أن المعهد الفني في بنت جبيل تعرض للدمار.
إشكالية عدم دقة البيانات تعود إلى آلية توثيقها وكيفية طرح الأسئلة على المديرين. وبحسب معلومات "المدن" أرسلت الوزارة للمسؤول عن المدرسة قائمة أسئلة على "غوغل فورم" لكن من دون تحديد إذا كانت المعلومات المطلوبة عن المدرسة الأساسية للقرية أو المدرسة التي استحدثت مطلع العام الدراسي. وعليه ظن المدير أن الاستفسار يعود للمدرسة المستحدثة، فأتت أجوبته أنه لا يعرف عنها أي شيء.
وللتوضيح استحدثت القرى الحدودية مطلع العام الدراسي مدارس مؤقتة كبديل عن المدارس التي دمرت أو تعرضت لأضرار كبيرة أو للمدارس المتاخمة للحدود. وظن غالبية المدراء أن الوزارة تطلب معلومات عن المدرسة المستحدثة. وكان الجواب ألا معلومات حول وضع مدرسته. وعليه سجّلت الوزارة في بياناتها عن واقع المدارس ألا معلومات متوفرة حول مدرسة القرية. وهكذا سقطت من داتا الوزارة أن المدرسة الأساسية للقرية دمرت كلياً أو جزئياً في السابق. وخرجت معلومات محدّثة ناقصة وتشوبها الدقة مسقطة عشرات المدارس التي تعرضت لأضرار بالغة في الحرب السابقة، ودمار كلي في الحرب الحالية.
كيف تكون بيانات الامتحانات؟
اعتمدت الوزارة في بياناتها حول واقع المدارس على مدراء المدرسة وعددهم بالعشرات، فوقعت في فادحة، فكيف سيكون الحال مع البيانات التي تجمعها الوزارة حالياً حول الطلاب وواقع التعليم لتحديد أسئلة الامتحانات الرسمية؟ فالبيانات لتحديد نوعية وحجم الامتحانات تستقيها الوزارة من عشرات آلاف الأساتذة، والهدف منها معرفة مدى السير بإنجاز المناهج لتحديد حجم التقليص المطلوب لوضع أسئلة تتوافق مع ما تعلمه الطلاب. فهل تؤتمن الإدارة على وضع امتحانات رسمية لشهادة الثانوي تحدد مصير أكثر من أربعين ألف طالب، ويكون الامتحان عادلاً للجميع في ظل الحرب والنزوح؟
البيانات حول واقع المدارس بسيطة وحجمها قليل وحصلت تلك الأخطاء، بينما طبيعة البيانات حول تعلم الطلاب معقدة وغير مرئية، لأنها تعتمد على نوايا الأستاذ خلال فترة التعلم من بعد. الأستاذ سيسجّل أنه أنهى الدروس، لكن سيسقط من البيانات أن ثلاثة طلاب من أصل عشرين حضروا الدرس عن بعد.




