التظاهر في سوريا: حين يصبح الحق طلباً

بثينة عوضالثلاثاء 2026/05/05
Image-1777902791
يحال طلب التظاهر إلى اللجنة لتقرر الموافقة أو الرفض وتحدد المكان والزمان وتضع الشروط (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في 10 تموز 2000، خيم صمت رهيب على سوريا بأكملها… مات حافظ الأسد، الرئيس الخالد، بكاء وعويل وصراخ، وفي رأسي، أنا الطالبة الجامعية التي تقطن في السكن الجامعي بدمشق، سؤال ملح: كيف يمكن لهذا الرجل أن يموت؟

سؤال ارتبط بذاكرة اعتادت على الرجل الأوحد والزي العسكري، يومها طُلب منا الخروج في مسيرات قسرية، نحمل الشموع ونجوب دمشق بأكملها، كان على البلاد أن تغرق في الحزن عنوة، لمدة أسبوع كامل، مع الاتشاح بالسواد.

تملكني التعب، وقررت التمرد في اليوم الثالث، فاختبأت في خزانة الثياب، وانتقلت سدة السلطة إلى بشار الابن.

ومن الحزن إلى حلقات الدبكة، أرهقت الأقدام، وتوالت بعدها المسيرات المؤيدة القسرية.

 

ربيع دمشق

مع بداية حكم بشار الأسد عام 2000، ظهرت بوادر انفتاح عُرفت باسم "ربيع دمشق"، تمثّل هذا الحراك في انتشار المنتديات السياسية والثقافية، حيث اجتمع مثقفون وناشطون لمناقشة قضايا الإصلاح.

لكن اللافت في هذه المرحلة هو غياب التظاهر كأداة، كان هناك نقاش علني، لكنه بقي ضمن حدود مغلقة نسبيًا، ولم يتحول إلى حركة جماهيرية في الشارع. يمكن تفسير ذلك بالخوف المتراكم عبر عقود، إضافة إلى غياب الأطر التنظيمية.

لم يدم هذا الانفتاح طويلًا. ففي عام 2001 أُغلِقت المنتديات واعتُقل عدد من الناشطين، ما أعاد تثبيت حالة الجمود، وهكذا بقي الشارع غائباً، رغم وجود حراك فكري وسياسي محدود.

خرجت أولى التظاهرات في درعا، لتشكّل بداية مرحلة جديدة كلياً، ما يميز هذه اللحظة أنها جاءت بعد عقود من الغياب شبه الكامل للتظاهر، ما منحها طابعاً انفجارياً. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة "التظاهر"... تتالت بعدها التظاهرات. أكثرها التصاقاً في ذاكرتي تلك التي حدثت أمام وزارة الداخلية وتخللها اعتقالات كثيرة. 

وخلال أشهر قليلة عاد الشارع ليصبح الفاعل الأساسي في المشهد. ظهرت أشكال جديدة من التعبير، مثل اللافتات والشعارات المحلية، التي عكست تنوع التجارب والمطالب، رغم إصدار الوزارة حينها قانوناً يسمح بالتظاهر.

لكن هذا الحراك واجه قمعاً شديداً، ما أدى إلى تصعيد تدريجي، انتهى بتحول الصراع إلى مسلح. هنا فقد التظاهر دوره المركزي، لصالح أشكال أخرى من المواجهة.

 

النصر

تحقق النصر، وتحررت سوريا. استلمها الرئيس الشرع بإرث ثقيل، وما هي إلا أشهر حتى بدأت التظاهرات بالعودة إلى الشارع. تظاهرات تتعلق بمطالب معيشية وحماية الأقليات والاستملاكات. لكن وزارة الداخلية السورية أصدرت البلاغ رقم 201 لتنظيم التظاهرات.

اشترط البلاغ، لتنظيم أي تظاهرة، تشكيل لجنة ثلاثية لتقديم طلب الترخيص إلى المحافظة، على أن يُحال الطلب خلال 24 ساعة إلى لجنة مختصة للبت فيه خلال مدة أقصاها خمسة أيام.

اعتبرت الوزارة عدم الرد موافقة رسمية، فيما أتاحت حق الطعن القضائي في حال الرفض، كما تتكفل الجهات المختصة بحماية التظاهرة المرخصة، مقابل التزام المنظمين بحفظ النظام، مع المنع المطلق لحمل السلاح، حتى وإن كان مرخصاً، بما يشمل أي أداة حادة تشكل خطراً على السلامة العامة.

 

العودة إلى الوراء

أيضا منحت الوزارة لنفسها حق تفريق التظاهرة في حال تجاوز شروط الترخيص أو وقوع أعمال شغب، محذرة من أن التظاهرات غير المرخصة ستُعامل معاملة أعمال شغب، ويُحال المشاركون فيها إلى المساءلة القانونية.

قوبل القرار برد فعل غاضب من السوريين، الذين رأوا فيه نسخة مكررة عن قانون التظاهر في أيام النظام البائد.

يقول فراس لـ"المدن": "في الدول التي تحترم نفسها، لا يُسأل المواطن إن كان يملك الحق في التظاهر، بل يُناقش كيف يمارس هذا الحق، أما حين يتحول السؤال إلى هل سيسمح لنا بالتظاهر؟ فنحن لا نكون أمام حق، بل أمام امتياز تمنحه السلطة متى شاءت وتسحبه متى أرادت".

التعليمات الأخيرة الصادرة عن وزارة الداخلية لتنظيم التظاهر في سوريا تضعنا أمام هذا السؤال تحديداً. فهي في ظاهرها تعلن تنظيم حق دستوري لكنها في جوهرها تعيد تعريف هذا الحق على نحو يجعله خاضعاً بالكامل لإرادة السلطة.

 

الانزلاق الصامت

القاعدة البسيطة في القانون الدستوري تقول: الحقوق تُمارس أصلاً، وتُقيَّد استثناءً.

لكن ما تقدمه التعليمات هو العكس تماماً؛ فبدل أن يكون التظاهر حقاً يُمارس مع إشعار الدولة، يصبح نشاطاً يحتاج إلى طلب رسمي، وموافقة لجنة، وانتظار قرار، وقبول أو رفض.

بهذه البنية، يتحول التظاهر من حق إلى طلب إذن، ومن ممارسة طبيعية إلى إجراء إداري. وهنا لا يكمن الخطر في النصوص بحد ذاتها، بل في الفلسفة التي تقف خلفها فالدولة لا ترى التظاهر حقاً يجب حمايته، بل حالة يجب ضبطها والتحكم بها.

 

عبارات مطاطة

تتكرر في التعليمات عبارات مثل: "النظام العام"، "الأمن"، "الإخلال".

هذه الكلمات، رغم أهميتها، تُعد في الفقه القانوني من أخطر الأدوات إذا تُركت من دون تعريف دقيق. فهي تمنح الإدارة سلطة واسعة لرفض أي طلب، فقط لأنها "تقدّر" وجود خطر.

بمعنى آخر، يمكن منع أي تظاهرة لأي سبب، من دون الحاجة إلى تبرير حقيقي. وهنا لا يعود القانون إطاراً للحق، بل يتحول إلى أداة مرنة للمنع.

ولعل من أخطر ما في التعليمات إسناد القرار إلى لجنة إدارية. فهذه اللجنة تقرر الموافقة أو الرفض، تحدد المكان والزمان، وتضع الشروط.

لكنها ليست جهة قضائية، ولا تخضع لرقابة فورية فعالة. وهنا لا بد من التذكير أنه في الأنظمة القانونية المتقدمة لا تُترك الحقوق الأساسية لتقدير الإدارة بل تُحمى برقابة قضائية مستقلة.

أما هنا، فالمعادلة معكوسة الإدارة تقرر، والمواطن ينتظر.

 

الوقت كأداة للمنع

خمسة أيام لتقديم الطلب قد تبدو مسألة تنظيمية بسيطة، لكنها في الواقع تحمل أثراً عميقاً. فالتظاهر بطبيعته هو رد فعل على حدث غضب، قرار، حادثة، أزمة… وكلها تتطلب استجابة سريعة.

حين تُفرض مهلة طويلة، يفقد التظاهر وظيفته الأساسية، لا يعود صوتاً حياً، بل نشاطاً مؤجلاً منزوع التأثير.

كل هذا مع غياب الضمانات. إذ تعطي التعليمات للجهات الأمنية حق تفريق التظاهرة في حال مخالفة الشروط، لكنها لا تحدد معايير واضحة للتفريق، ولا حدود استخدام القوة، ولا ضمانات لحماية المتظاهرين.

في القانون، لا يكفي إعطاء الصلاحية، بل يجب تقييدها بمبادئ واضحة. وغياب هذه المعايير يفتح الباب أمام الاستخدام المفرط للقوة، حتى في حالات بسيطة.

 

الاعتراف والإنكار

نصل إلى التناقض الأكبر: الاعتراف والإنكار. التعليمات تبدأ بالإشارة إلى الإعلان الدستوري وكأنها تستند إليه، لكن عند التدقيق يظهر تناقض واضح. الإعلان يعترف بحق التظاهر، فيما تجعل التعليمات ممارسته مشروطة بإذن.

هذا ليس إلغاءً صريحاً للحق، بل ما هو أخطر: تفريغه من مضمونه مع الإبقاء على شكله، لنجد أنفسنا مجددًا أمام تظاهر مُدار، لا تظاهر حر.

وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الهدف تنظيم الحق… أم إعادة تشكيله بما يتناسب مع حدود السلطة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث