الجنوب اللبناني يُفرَّغ تدريجيًا، والضاحية الجنوبية لبيروت تُوضَع تحت اختبار الانتظار، فيما يُدفَع السكان إلى النزوح كمسار قسري يتكرس يومًا بعد يوم. أكثر من خمسين بلدة طلب جيش الاحتلال إخلاءها، لكن في كثير من القرى لا يأتي التهجير بإنذار واضح، بل يُصنَع بالخوف: غارات مفاجئة، أصوات قريبة، لا مقومات للعيش، وتهديد دائم يدفع الناس إلى المغادرة قبل أن يُطلب منهم ذلك.
استحالة البقاء في الأمان
في ما يُسمى "وقف إطلاق النار"، انقسمت العائلات بين من قرر العودة إلى قراهم، ومن حسم خياره بالبقاء في أماكن النزوح. والسبب هو إدراك الجميع أن الهدنة ليست سوى استراحة ملتبسة في الحرب المستمرة.
دخلت زهراء منزلها في بلدة ياطر، قضاء بنت جبيل، مع الأيام الأولى للهدنة، كأنها تختبر صدق ما قيل عن "وقف إطلاق النار". كان المنزل لا يزال قائمًا، لكن نوافذه مفتوحة على الريح، والزجاج متناثر في الزوايا، فيما تحمل الجدران آثار الشظايا.
تقول لـ"المدن": "نظفنا البيت وقررنا البقاء، رغم كل شيء. كانت الحركة خفيفة في البلدة، وقد تغيرت ملامحها كثيرًا حتى بالكاد تعرفنا إليها من شدة القصف". وتضيف: "لكن عندما وصلنا، شعرنا بشيء ما… كأننا عدنا إلى الأمان: الجيران، الحي، رائحة البيت". غير أن تلك الطمأنينة لم تدم طويلًا. سرعان ما تكسرت مع أول موجة قصف جديدة، ولم تترك الإخلاءات المتكررة لها خيارًا سوى المغادرة مجددًا. تقول: "توقعنا أن نعود ونعيش حياةً طبيعية، لكن للأسف، لم يكن هناك أصلاً ما يمكن وصفه بالطبيعي، كنا نخدع أنفسنا".
تفقد عابر للبيوت بلا استقرار
عادت زينب إلى بلدة الأنصارية مع بداية الهدنة، بنيّة الاستقرار والبقاء. مكثت في البلدة نحو 15 يومًا، وتقول إن الأيام الأولى حملت شيئًا من الطمأنينة الحذرة: "حاولنا أن نعيش رغم كل شيء، لكن ذلك لم يدم". مع اشتداد أصوات القصف واتساع رقعته، بدأ القلق يتسلّل إلى تفاصيل يومها، خصوصًا مع وجود الأطفال.
وتشرح لـ"المدن": "لم يعد الخوف يُحتمل. أصوات القصف عنيفة، وكثير من الجيران غادروا البلدة، فحسمت أنا وزوجي أمرنا وغادرنا مجددًا".
في بلدة عرمتا، كانت العودة أقرب إلى تفقد عابر منها إلى محاولة استقرار. نجاة لم تعد لتبقى، بل لتلقي نظرة على ما تبقى من البيت. وقفت أمام منزلها للحظات، دخلت إلى الداخل لدقائق معدودة، تجوّلت بنظرها في الغرف الصامتة، ثم غادرت دون أن تمكث.
تقول بحسم: "ما بينقعد". فالمشهد في البلدة لا يشجع على البقاء؛ خطر حاضر في الخلفية، وصمت ثقيل يلفّ المكان، وبيوت شبه خالية من سكانها. "إذا الكل غادر، كيف بدك تبقي؟"، تضيف، في إشارة إلى شعور يتجاوز الخوف الفردي إلى إحساس جماعي بانسحاب الحياة من المكان.
بلا مقومات فعلية للحياة
في كفررمان، يتخذ المشهد طابعًا أقرب إلى هجرة معاكسة ومؤقتة، حيث يغادر السكان تباعًا ويعود بعضهم على نحو متقطع. يختصر مختار البلدة علي شكرون الوضع بالقول: "الناس عم تغادر". يقول إنه حاول المبيت ليلة واحدة في البلدة، لكنه لم يتمكن من البقاء. "صرنا نطلع ويك أند عبلدنا".
ويضيف أن كفررمان تحولت من مكان إقامة إلى وجهة زيارة مؤقتة لا أكثر. ويشير إلى أن الأطفال لا يستطيعون تحمّل الوضع: "الصوت وحده كافٍ. لا محلات تفتح في البلدة، ولا مقومات فعلية للحياة".
في كفرصير، حاولت حوراء أن تعيد بناء روتين يومي: ترتيب المنزل، تنظيم وقت الأطفال، استعادة تفاصيل صغيرة من الحياة. لكن القصف كان أقوى من أي محاولة. الأصوات اليومية، الدمار المحيط، واستمرار التهديد، كلها دفعتها للتراجع. عادت إلى خيمة النزوح في بيروت، إلى حياة مؤقتة تعرف قسوتها لكنها أقل خداعًا. وأضافت: "رجعوا طلبوا إخلاءها… منيح فلينا بكرامة"، تقول، كأن الكرامة هنا تُقاس بسرعة الانسحاب قبل أن يفرض العدو بالقوة.
بين عودة معلنة وانسحاب ضمني
في الضاحية الجنوبية لبيروت، المشهد مختلف في الشكل، متشابه في الجوهر. لا غارات منذ أسابيع حتى الآن، لكن الحياة لم تعد كما كانت. الشوارع أهدأ من اللازم، محال كثيرة لا تزال مقفلة، وأبنية بلا سكان. حتى الذين فتحوا محالهم، فعلوا ذلك بحذر، ببضائع محدودة. لا أحد يعلن عودة كاملة، بل حضور مشروط، قابل للتراجع في أي لحظة.
في الطيونة، تتجسد هذه الحالة المعلقة بوضوح حيث الخيام بعدها. بلال مرعي النازح من الشياح. يعيش بين مكانين، من دون أن ينتمي كاملًا لأي منهما. يقضي يومه متنقّلًا: يزور منزله، يتفقده، ثم يعود إلى الخيمة. "لا يمكنني ترك الخيمة"، يقول، خوفًا من أن يخسر مكانه. البيت لم يعد ملاذًا، والخيمة لم تعد مؤقتة. بينهما، حياة مؤجلة.
على الواجهة البحرية لبيروت، تواصل أميرة عياش الإقامة في خيمتها، من دون أن تعود إلى منزلها في برج البراجنة. اختارت البقاء في هذا الفضاء المؤقت. وتقول لـ"المدن": "لا أحد عاد إلى المبنى حتى الآن، ولا يمكننا أن نعود بمفردنا. المكان موحش، والونس ضروري". وتشير إلى أن قرار العودة الفردية يبدو شبه مستحيل في ظل غياب الجوار واستمرار الشعور بعدم الأمان، حيث لا يقتصر الأمر على البيت نفسه، بل على البيئة الاجتماعية المحيطة به، التي تمنح الإحساس بالاستقرار أو تسلبه.
في المحصلة، لا يبدو "وقف إطلاق النار" مرحلة ما بعد الحرب، بل كمساحة رمادية بين حربين. الناس لا تعود لتستقر، بل لتقيس المخاطر، لتختبر الأصوات، لتتأكد إن كان بإمكانها البقاء ليوم إضافي. الجنوب يُفرَّغ ببطء، والضاحية تنتظر دورها المحتمل، فيما تتحول العودة إلى فعل هشّ: خطوة إلى الداخل… تتبعها سريعًا خطوة إلى الخارج.




