أثار هدم منزل في أحد أحياء بعلبك عاصفة من الانتقادات والأخذ والرّد، وسرعان ما تحوّل إلى شرارة غضب شعبي أعادت إلى الواجهة السؤال عن العدالة في تطبيق القانون. ففي مدينة مثقلة بالأزمات، لم يمرّ قرار البلدية بسلاسة، بالرغم من تبريره بإزالة تعدٍّ على الأملاك العامة، بل قوبل باعتراضات واسعة، لا رفضًا لمبدأ تطبيق القانون، بل اعتراضًا على ما يصفه كثيرون بـِ "الانتقائية والمحسوبية" في تنفيذه.
معايير مزدوجة
في الشارع البعلبكي - السني، لا يدور النقاش حول قانونية الهدم بقدر ما يتركّز حول المعايير المعتمدة في تطبيقه. ويشير كثيرون إلى وجود مئات المخالفات المشابهة "المحمية" في مناطق مختلفة، لا تُمسّ، بل تحظى بخدمات بلدية وافرة، وهذا ما يطرح علامات استفهام حول أسباب اختيار هذا المنزل تحديدًا.
الشعور بالاستنسابية هذا، تُرجم سريعًا غضبًا وبيانات وتحركات، وحضر أيضًا في خطب الجمعة في مساجد المدينة، فيما ذهب البعض إلى اعتباره "رسائل سياسية" في توقيت حسّاس أعقب بيان المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى.
البلدية: نطبّق القانون
في المقابل ترفض بلدية بعلبك اتهامات الانتقائية، مؤكدة أن ما جرى يندرج ضمن خطة لإزالة التعديات على الأملاك العامة. وتوضح مصادرها أن المنزل المهدوم "مُقام على مشاع بشكل واضح ومخالف للقوانين المرعية"، وأن قرار الإزالة "ليس استنسابيًا ولا مذهبيًا، بل يستند إلى ملفات موثّقة وإنذارات سابقة".
وتشدّد البلدية على أن "الإمكانات المحدودة تفرض التنفيذ على مراحل"، داعيةً إلى عدم "تسييس الملف أو تحويله إلى مادة للتجييش"، ومؤكدةً أنَّ "الدور سيطال جميع المخالفات تباعًا ضمن خطة واضحة".
كرامتنا ليست تفصيلاً
التبرير البلدي لم يُقنع شريحة واسعة من أبناء المدينة، الذين رأوا في ما جرى مساسًا مباشرًا بكرامتهم، وذهب بعضهم إلى تشبيهه بـِ "جرافات إسرائيل".
وفي بيان صادر عن أهالي حيّ الصلح، بدا الغضب واضحًا، إذ اعتبروا أنَّ "هدم هذا البيت كأن كرامتنا جميعًا قد استُبيحت"، داعين رئيس البلدية إلى تحمّل مسؤولياته وعدم "التفريط بالعدل أو المساواة بين الحق والهوى".
ولم يكتفِ البيان بالاعتراض، بل اتهم البلدية بـِ "التلاعب بالقانون وانتقائيته"، مؤكدًا أن القانون "لا يُفصّل على قياس أحياء وحارات"، وأنَّ تطبيقه بشكل غير متوازن "يُسقط مبدأ العدالة بالكامل". كما لوّحوا بخيارات تصعيدية سلمية، مؤكدين أنهم "لن يكونوا الحلقة الأضعف"، وأنهم سيفتحون "كل الملفات بلا استثناء" لكشف مكامن الخلل.
الغز: العدالة لا تُجزّأ
في هذا السياق عبّر الشيخ عامر الغز، في حديث إلى "المدن" عن رفضه لما جرى، معتبرًا أنَّ "تطبيق القانون يجب أن يكون شاملًا وعادلًا، لا أن يُستخدم بشكل انتقائي يثير الفتن ويعمّق الشرخ بين الناس".
وأكّد أنَّ "الناس ليسوا ضد إزالة المخالفات، بل ضد الكيل بمكيالين" محذرًا من أنّ "الإصرار على هذا النهج سيؤدي إلى احتقان شعبي لا تُحمد عقباه".
وأضاف الغز: "كرامة الناس خط أحمر، وأي قرار إداري يجب أن يراعي العدالة والإنصاف قبل التنفيذ"، داعيًا البلدية إلى "مراجعة قراراتها وفتح حوار جدّي مع الناس لتفادي مزيد من التوتر".
بين القانون والعدالة
بين رواية البلدية وغضب الشارع، تقف بعلبك أمام اختبار دقيق. هل يمكن تطبيق القانون في بيئة هشّة من دون أن يتحوّل إلى عامل تفجير؟ وهل تكفي الحجج القانونية لاحتواء شعور متنامٍ بالغبن؟ وهل كان التوقيت مناسبًا؟
في مدينة تختنق بالأزمات، لا يُقاس وقع القرارات بمدى قانونيتها فقط، بل بقدرتها على تحقيق عدالة متوازنة. ومع تآكل الثقة، يتحوّل أي إجراء - ولو كان مبرّرًا- إلى مشروع أزمة.
حتى الآن لا مؤشرات على انحسار التوتر. بل تتجه الأنظار إلى الخطوة التالية: هل تعمّم البلدية التنفيذ لإثبات حياديتها، أم يترسّخ الانطباع بأنَّ القانون في بعلبك يُطبّق حيث يجب ويُعلّق حيث يجب، وفقًا لموازين القوة واعتبارات أخرى؟




