أرض جلول بين مشروعين: سوق أم مأوى لذوي الإعاقة؟

نغم ربيعالسبت 2026/05/02
Image-1777656256
معظم مراكز الإيواء التي فُتحت على عجل لم تُصمم أصلًا لاستقبال أشخاص ذوي إعاقة. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مبنى في أرض جلول، في طريق الجديدة، مؤلف من 140 غرفة موزعة على 4 طوابق، بينها طابقان تحت الأرض، مساحة قادرة على أن تتحول إلى مركز إيواء دامج يحفظ الحد الأدنى من كرامة أشخاص ذوي إعاقة تُركوا خارج كل الحسابات. هكذا تقدم رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيً سيلفانا اللقيس اقتراحها. 

 

مبنى موجود… ودولة غائبة

تضيف اللقيس: "التقى وفد بوزيرة الشؤون الاجتماعية، وطلبنا منها ضرورة وجود مراكز مجهزة وسهلة التنقل، فقالت إن بيروت إمتلأت ولم يعد هنالك أماكن مناسبة".

في محاولة لإيجاد حلول، تحرك الاتحاد بنفسه. توضح اللقيس: "توصلنا إلى المبنى في أرض جلول، وطلبناه من محافظ بيروت، وأبلغنا وزارة الشؤون بوجوده، كما تواصلنا مع الأمم المتحدة لمساعدتنا".

تضيف: "يمكن أن يكون نقطة انطلاق. المبنى قابل للتحوّل إلى مركز إيواء دامج، وقد خاطبنا الجهات المعنية بشأنه، لكن حتى الآن لا قرار نهائياً. الفكرة موجودة، والمكان موجود، لكن التنفيذ غائب".

 في المقابل، تحمل هذه الأرض قصة أخرى. فقد كانت مخصّصة أصلًا كسوق للخضار والفاكهة، قبل أن يعود وزير الاقتصاد عامر البساط ويُحرّك هذا الملف، معلنًا في منشور أن "مسألة سوق الخضار والفاكهة في بيروت لا تزال عالقة من دون حلّ أو تشغيل، ومن دون أن تستفيد منها العاصمة أو التجار أو المزارعون". وأشار إلى اجتماع عُقد مع محافظ بيروت ورئيس البلدية ووفد من المجلس البلدي، إلى جانب مدير عام الوزارة ونقيب تجار الخضار والفواكه بالمفرق، بهدف تفعيل السوق وتأمين مساحة منظمة لتجار المفرق وأصحاب المحال الصغيرة والبسطات.

لكن، في موازاة هذا المسار، تطرح اللقيس أولوية مختلفة. بالنسبة لها، المسألة ليست مشروعًا مؤجّلًا بل حاجة طارئة. تؤكد ضرورة حجز الموقع لصالح الأشخاص ذوي الإعاقة، "فليس هذا وقت الاستثمار فيما الناس في الطرقات". وتشدد على أن المشاركة في إدارة المركز ليست شكلية، بل أساسية "لنصحّح الخلل في إدارة مراكز النزوح، خصوصًا في ما يتعلّق بالتعامل مع تنوّع الاحتياجات".

وأشارت اللقيس إلى ضرورة التخطيط لاحقاً لإنشاء مراكز إضافية في جبل لبنان وصيدا، فيما يبقى الشمال، بحسب تعبيرها، "مسألة صعبة" لهؤلاء الأشخاص.

إلا أن قرار فتح أي مركز يعود للمحافظ، ووزارة الشؤون فقط تدير إحتياجاته.. وبحسب مصدر في وزارة الشؤون، أكد أن "التواصل مع رؤساء البلديات ووزارة التربية وننسق مع المحافظين وبلديات لإيجاد أماكن مناسبة. كما ونحاول، قدر المستطاع، تجهيز الأماكن التي يمكننا استقبالهم فيها، رغم النقص الكبير. نعمل على تأمين الحد الأدنى من المقومات الأساسية، مثل الحمامات، والمياه الساخنة، والكراسي، وغيرها من الاحتياجات الضرورية".

 

خارج الخطط… خارج الأولويات

يشكّل الأشخاص ذوو الإعاقة نحو 15% من سكان لبنان، وفق بيانات البنك الدولي للعام 2011. نسبة كبيرة، لكنها لم تُترجم يومًا إلى سياسات عامة جدية، ولا إلى إدماج فعلي في خطط الدولة. في الأزمات، يتكرس هذا الإقصاء أكثر: لا خطط طوارئ تراعي احتياجاتهم، ولا تجهيزات تضمن الحد الأدنى من القدرة على العيش.

تقول رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا سيلفانا اللقيس لـ"المدن"، إن أزمة الأشخاص ذوي الإعاقة لم تبدأ مع موجة النزوح الأخيرة، إلا أن "منذ أكثر من شهر، طالبنا بأن يكون هناك مركز إيواء دامج في كل قضاء"، موضحة أن "الهدف هو أن يعيش الناس بكرامة، لا أن يُذلّوا في أماكن غير مجهّزة".

 

مراكز إيواء بلا مقاييس

رغم وجود 116 مركزًا يُفترض أنها مجهّزة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن موجات النزوح المفاجئة حالت دون تخصيصها فعليًا لهم، فامتلأت سريعًا بغيرهم. مرة جديدة، تتقدّم الفوضى على التنظيم، وتُترك الفئات الأكثر هشاشة لتدبّر أمرها بنفسها.

ومعظم مراكز الإيواء، التي فُتحت على عجل، وغالبيتها مدارس، لم تُصمَّم أصلًا لاستقبال أشخاص ذوي إعاقة. سلالم تعيق الحركة، ممرات ضيقة، ومراحيض لا تتّسع لكرسي متحرّك. تفاصيل تبدو "تقنية" في ظاهرها، لكنها كفيلة بجعل الحياة اليومية مستحيلة.

تلفت اللقيس إلى بعض المبادرات الخجولة، مثل المدينة الرياضية أو مركز "فرح العطاء" في الكرنتينا، حيث جرى إدخال تعديلات محدودة بعد فترة، كتركيب حمامات مجهزة. لكنها خطوات جاءت متأخرة، وبعد ضغط ومناشدات.

يُقدّر عدد النازحين من الأشخاص ذوي الإعاقة داخل مراكز الإيواء بنحو 3000 شخص. أما الباقون، فتوزعوا بين من لجأ إلى أقارب، ومن استأجر منازل، ومن فضل البقاء في بيته، حتى لو كان في منطقة مهددة بالقصف.

في البقاع، كما تنقل اللقيس، قرر كثيرون البقاء تحت الخطر بدل تكرار تجربة النزوح القاسية. "في الحرب الماضية تعذّبوا كثيرًا"، تقول، "وهذه المرة فضلوا أن يبقوا في بيوتهم على أن يُذلّوا في أماكن غير مرحبة بهم".

 

"إلى متى سنبقى على الهامش؟"

من لديه إعاقة جسدية، تؤثر عليه طبيعة المكان بشكل مباشر. أما الإعاقات الذهنية، فالمسألة أكثر تعقيدًا. الاكتظاظ، الضجيج، وغياب الخصوصية، كلها عوامل قد تُحدث اضطرابات حادة. تقول اللقيس إن وجودهم "مع عدد كبير من الناس، وليس في غرفة خاصة، يسبب اضطرابات لأنهم غير معتادين على العيش في هذا الاكتظاظ"، قبل أن تضيف: "هؤلاء الناس ليسوا أقل قيمة من غيرهم، لمتى سيبقون غير محسوب لهم حساب؟".

في خلفية هذا الواقع، غضب واضح. "الناس يونتصل ويستنجدون بنا، وهذه جريمة بحقهم"، تقول اللقيس. "لا يتذكروننا إلا بعد الضجة، بعد تراكم الاتصالات. لماذا نبقى دائمًا خارج الأولوية؟".

وتختم: "المسؤولية لا تعني عدم الرد على الناس، بل الاهتمام بشؤونهم. نحن لن نسكت عن المآسي اليومية، نقوم بواجبنا وأكثر، لكن لا يمكننا أن نلعب دور الدولة".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث