منذ بداية الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة انقطع الطلاب الفلسطينيون عن دراستهم التعليمية، وتحولت العديد من المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين الفلسطينيين في غزة.
آلة الحرب الإسرائيلية تعمدت استهداف البنية التعليمية في غزة خلال الحرب، حيث قصفت مئات المدارس ودمرت كل الجامعات الرئيسية في غزة، واستهدف العديد من المراكز التعليمية في القطاع خلال حرب الإبادة التي استمرت أكثر من سنتين. وانعكس الأمر على القطاع التعليمي ككل، وبات طلاب الثانوية العامة مهددين بخسارة متابعة تحصيلهم العلمي في الخارج.
قطاع التعليم في غزة يشبه المدينة المدمرة. وقد أكد عدد من الخبراء في التعليم والأكاديميين الفلسطينيين أن ما يقارب 700 ألف طالب باتوا خارج نظام التعليم الرسمي. ومن بين هؤلاء، أكثر من 88 ألف طالب كان من المفترض التحاقهم بالجامعات منذ بداية الحرب. وأصبح مصيرهم التعليمي مجهولًا اليوم.
من البشر إلى الحجر، أكثر من 90 بالمئة من المدارس في قطاع غزة جرى تدميرها جزئياً أو كلياً، وكانت جميعها مجهزة بكل الإمكانيات البشرية والتكنولوجية قبل الحرب. وبالأرقام دمّر الاحتلال 172 مدرسة، إضافة إلى أكثر من 63 مبنى جامعياً، في ظاهرة يمكن القول إنها أكبر عملية "إبادة تعليمية" في العصر الحديث.
محرومون من منحهم في الخارج
عمر أحد الطلاب المتفوقين في الثانوية العامة، وهو واحد من آلاف في غزة يعانون من متابعة تحصيلهم العلمي في الخارج. درس عمر الثانوية في ظروف النزوح القاهرة حيث نزح من رفح، التي احتلتها قوات الاحتلال إلى دير البلح. ورغم الظروف الاستثنائية والصعبة التي مر بها أصر على تقديم امتحان الثانوية العامة عبر الإنترنت وحصل على معدل 91 من مئة وتقدم للحصول على المنح التعليمية في الخارج، وجرى قبوله في تركيا. لكنه ما زال منذ أشهر ينتظر تحسن الأوضاع وفتح المعابر للسفر دون أي أمل حتى اللحظة.
محاولات إنعاش التعليم
بعد التدمير الممنهج للمدارس والجامعات في غزة، وانهيار الإدارات التعليمية والحكومية، بدأت بعض الفرق التطوعية في محاولة لإيجاد بديل تعليمي، حتى لو كان بأقل الجهود. وبدأت العديد من المبادرات في مخيمات النزوح في إنشاء مدارس من خيام يتناوب عليها معلمون بشكل تطوعي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خصوصًا الطلاب الصغار الذين فاتتهم أعوام دراسية منذ بداية الحرب. وانتشرت هذه الظاهرة بين مخيمات النزوح وتحولت إلى ظاهرة عامة في غزة. وكذلك شرع بعض المعلمين بتعليم الطلاب في بيوتهم ولا سيما طلاب الثانوية العامة. وقد انتقل هؤلاء الطلاب إلى تعلم من بعد وذلك وسط انهيار مؤسسات الحكومة وعلى رأسها وزارة التعليم، التي خرجت فعليًا من الخدمة، وأصبحت لا تستطيع تقديم أي خدمات تعليمية.
منظمات محلية ودولية تكافح
استدعى انهيار التعليم تدخل مؤسسات دولية لإيجاد حلول بديلة ومؤقتة لهذه الأزمة. وبدأ العديد من المؤسسات والمنظمات بوضع خطط طوارئ، وعلى رأس هذه المنظمات "اليونيسف" تابعة للأمم المتحدة. وإضافة لليونيسف تعمل العديد من المؤسسات في غزة في قضية إنقاذ التعليم مثل الصليب الأحمر الدولي ومؤسسة إنقاذ الطفل وغيرها.
وعملت هذه المؤسسات على توفير بيئة مناسبة نوعًا ما لدراسة الطلاب في مخيمات النزوح، من خلال إنشاء خيم كبيرة كمدارس مؤقتة. وتعاقدت مع معلمين محليين لتشغيل هذه الخيام التعليمية.
وأكد الدكتور عبد المنعم، أحد المستشارين في اليونيسف، لـ"المدن" أن توزيع الخيام التعليمية يتم وفق معايير تضمن التعليم الجيد للطلاب.
وتعمل العديد من المدارس في غزة التي يتم إنشاؤها في مخيمات النزوح بصورة جزئية ووفق نظام ثلاث فترات يومية كل واحدة منها تمتد لساعتين فقط، ويتناوب الطلاب خلالها، بغية تغطية التعليم لشريحة واسعة من الطلاب. ويعود السبب في اختيار هذا النظام إلى تكدس الطلاب في مخيمات النزوح وضيق المساحات، وقلة عدد الكوادر التعليمية، التي غالبًا ما تعمل بصورة شبه تطوعية.
عزوف المعلمين الرسميين عن العمل
ويشير الأستاذ منذر، وهو أحد المعلمين في المدارس الحكومية قبل الحرب، إلى أنه لا يستطيع العودة للدوام بسبب غياب مؤسسات وزارة التربية والتعليم. هذا فضلاً عن ضعف الأجور التي تمنح للمعلمين رغم الغلاء الفاحش للأسعار والمعيشة.
وإلى عزوف الأساتذة الرسميين خسر قطاع التربية أكثر من 900 أستاذ سقطوا شهداء. وهذا أدى إلى عجز كبير في تأمين بديل عنهم لمحاولة سد الثغرات. وزد على ذلك أن عدم وجود آلية لتوظيف معلمين. وهذا أدى إلى إنشاء مراكز خاصة لتعليم الطلاب وتزايد ظاهرة الدروس الخصوصية التي يلجأ إليها الأهل كبديل مؤقت لتعليم الأبناء.
إلى ذلك تعتمد إدارة الأونروا على التعليم الإلكتروني من بعد. ووزعت الأونروا لمعلميها روابط مجموعات عبر الواتساب للتنسيق بين المعلم وطلابه وبمتابعة من أولياء الأمور. ولم يكن غيرها من وسيلة للتعليم والانتقال في المراحل التعليمية. وواجهت هذه الطريقة المتبعة تحديات منها انقطاع الإنترنت عن مناطق واسعة وعدم قدرة جميع الطلاب على الوصول للإنترنت. واشتكى الكثير من الأهالي والمؤسسات والأكاديميين من تدني جودة التعليم الإلكتروني. فالأطفال يتهربون من واجباتهم والتزاماتهم التعليمية، ويواجه أهلهم صعوبات وعدم خبرة في مواكبتهم في التعليم الإلكتروني. هذا فضلاً عن انقطاع الإنترنت والتيار الكهربائي، وغيرها من المشاكل اللوجستية.




