نجوم حرب السنتين: القتل أو ثكنات "القوات"

محمد أبي سمراالاثنين 2026/04/27
Image-1777201635
جسد بشير الجميل قمة الإيحاء والإغواء والسحر في الشارع المسيحي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

حلّت الذكرى الـ 51 لبداية الحروب الأهلية أو اللعنة اللبنانية، فيما البلاد المنكوبة والمنقسمة غارقة في واحد من أقسى فصول الحرب الإقليمية والدولية، الأهلية في جذرها.

وفي هذه المناسبة من السواد المستمر، نحاول هنا استعادة صور ووقائع وشهادات لبدايات حروب لبنان في سنتيها الأوليين (1975- 1976)، كما حصلت في شوارع وأحياء مناطق محددة. 

وبعد حلقة أولى عن الأشرفية ما قبل الحرب، وثانية عن مقتلة عين الرمانة وسوابقها، وثالثة عن تحول الحرب إلى مهنة في لبنان وفي شطر واسع من

العالم، ورابعة عن حادثة الكحالة، وتدمير إسرائيل 13 طائرة في مطار بيروت... وجيل اليأس ودوار السعادة والآلام اللبنانية، وحلقة خامسة عن دبيب الحرب في الأشرفية، وجذورها المتأرثة كثرة من بلدان المشرق العربي، هنا حلقة سادسة وأخيرة عن نجوم حرب السنتين بين القتل وثكنات "القوات" النظامية.

 

هستيريا الغرباء 

تصدّر الرعبُ من "الغرباء" التعبئةَ السياسية في إعلام حرب السنتين الجماهيري المسيحي، وعلى رأسه إعلام حزب "الكتائب اللبنانية" الإذاعي من "صوت لبنان". والغرباء في الإعلام الحربي ذاك، حلّوا بلبنان، تسلّلوا أو جُلِبوا إليه، لتخريبه والاستيلاء عليه. وفي طليعتهم الفلسطينيون، منذ أن ظهرت منظماتُهم المسلحة في مخيمات لجوئهم بلبنان، لتعمل منه لتحرير فلسطين، فتمددت إلى خارج المخيمات، وانضم إليها يساريون ومسلمون لبنانيون، قبل نحو 7 سنوات من بداية الحرب. 

وبلغ الرعب من الغرباء طورُا هستيريًا وهذيانيًا عندما أضافت التعبئةُ إياها، إلى الفلسطينيين، الليبيين والعراقيين والسودانيين والصوماليين... وهؤلاء استقدمتهم المنظمات الفلسطينية إلى "دهاليز وأنفاق" تحت المخيمات في غرب بيروت، فدرّبتهم وأعدتهم كمرتزقة للقتال إلى جانبها مع مسلمين لبنانيين، لاجتثاث المسيحيين وترحيلهم من لبنان والاستيلاء عليه.

وإذا كان لهستريا الغرباء تلك نصيبٌ من الواقع، فهو -إلى نشاط الفلسطينيين المسلح في لبنان- وصول الموجة "الثورية اليسارية" المعولمة في الستينات والسبعينات إلى بيروت، التي فرّ "ثوريون يساريون" كثيرون إليها من بلدان عربية عدة، هاربين من موجات الاعتقال والقمع الدموي التي تعرضوا لها من أنظمة بلدانهم الديكتاتورية، كمصر والعراق وسوريا... وقد سمح لهم بذلك مناخ الانفتاح والحرية السائد في لبنان وعاصمته، وتنامي نشاط منظمات المقاومة الفلسطينية فيهما، واستقبالها إياهم واستقطابهم في صفوفها.

 

جماعات الخوف والشٍّقاق

لكن هناك عوامل عدة عميقة وبطيئة الأثر، كان لها دورها في ما يمكن تسميته "تخندق" الفلسطينيين ومنظماتهم المسلحة بـ"حصون أهلية" في المجتمع اللبناني، لحماية ثورتهم وسلاحها وأهلها، تحت إلحاح خوفهم من تكرار ما أصابهم في الأردن. فعملهم "النضالي" المسلح هناك ضد إسرائيل بعد هزيمة 67، تسبب بحرب أهلية أردنية فلسطينية أدت إلى طرد وفرار ورحيل مقاتلي منظماتهم المسلحة وأهلهم وبعض جماعاتهم من الأردن إلى سوريا. 

وبما أن ما يسري كعقيدة، بل كغربزة أمنية، بين كبار ضباط النظام السوري البعثي الحاكم -المؤسَّس أصلًا على تناسل نزاعات وانشقاقات وانقلابات عسكرية بين أركانه- هو الخوف على نظامهم الأمني الجهازي المغلق، وخوف كلٍّ منهم من الآخر، إضافة إلى عدم اتفاقهم وإجماعهم إلا لفظيًا على شعار تحرير فلسطين، فقد أجمعوا فعليًا على منع منظمات الفلسطينيين المستقلة من العمل المسلح من سوريا ضد إسرائيل، وأنشأوا للفلسطينيين منظمة "الصاعقة" لتعمل كجهاز من أجهزتهم الأمنية. ثم قاموا بتصدير مقاتلي المنظمات الفلسطينية إلى لبنان الذي اعتمدوه خندقًا أماميًا للدفاع عن نظامهم تحت عنوان أو بذريعة المقاومة لتحرير فلسطين.

أما اللاجئون الفلسطينيون في لبنان منذ العام 1948، فكانت الدولة اللبنانية -قبل ثورتهم المسلحة- قد كدَّستهم وأهملتهم في مخيمات البؤس والشقاء. ثم نسيتهم إلا من الحصار والمراقبة الأمنيين، ومن التمييز الاجتماعي، وحرمتهم من العمل إلا في مهن وحرف متواضعة، فتحول شطر كبير منهم عمالًا زراعيين مياومين بأجور قليلة، وبلا أي ضمانات إنسانية. 

ولما هزمتْ إسرائيل النظامين العسكرين والأمنيين، المصري الناصري والبعثي السوري ومعهما الملكي الأردني في حزيران 67، قرر النظامان العسكريان التصدي للاحتلال الإسرائيلي بالفلسطينيين وبحرب تحرير شعبية تخوضها منظماتهم المسلحة في الأردن ولبنان فقط. وبعد تجربة الأردن الدامية والمريرة، وطردِ سلطته المقاومين الفلسطينيين منه، استبد بالفلسطينيين ومنظماتهم المسلحة التي تكدست بلبنان خوفٌ من أن يكون مصيرهم فيه شبيهٌ بمصيرهم في الأردن. 

لذا داووا خوفهم ذاك بالتخندق بجماعات ما سُمي "الشارع الإسلامي" المتململ والخائف من ما يسميه "المارونية السياسية" و"الغلبة المسيحية" في الحكم وأجهزة الدولة وإدارتها. وقد ساعد الفلسطينيين في تخندقهم ذاك تلك الموجة الثورية، اليسارية والشبابية والطلابية المعولمة والناشطة آنذاك، ووصول أصدائها قوية إلى لبنان وبيروت.

وهكذا تشابكت عوامل متأرثة وظرفية كثيرة، مع سريان خوف متبادل بين جماعات وأنظمة ودول مشرقية كثيرة. ومثلُ هذا الخوف هو البطن الخصبة للحروب الأهلية. 

 

صور الذعر الكتائبي 

وضرب الخوفُ من المقاومة الفلسطينية، ومن الموجة اليسارية، مسيحييّ لبنان. وعبّر عن ذاك الخوف حزبهم الأقوى، "الكتائب اللبنانية"، فراح مذعورًا يقرع ضدهما النفير السياسي والأمني. وأخذ زعيم "الكتائب" المؤسس، بيار الجميل، يكرر لازمة شبه يومية في تصريحاته الصحافية والإذاعية في السنوات الأخيرة من الستينات والنصف الأول من السبعينات. لازمةُ خوفٍ وشكوى وتذمر، زعم فيها أن ما سماه "اليسار الدولي" و"الشيوعية الدولية" يحركان الجناح اليساري وأحزابه النامية في الحركة الطلابية اللبنانية وتظاهراتها الحاشدة، المطلبية منها والمؤيدة للمقاومة الفلسطينية، ويؤججانها في بيروت. وهذا للقول ضمنًا إن ذاك الجناح اليساري الطلابي، الكبير والفاعل، مصدره قوىً وجهات وإرادات خارجية "غريبة" عن لبنان، وتريد به شرًا لا يقل عن تقويض "صيغته السياسية الفريدة"، وتدميره وتخريبه.

أما الشبحيّة شبه الأسطورية أو الهذيانية والخرافية التي لابست صورة الغريب في المخيلة السياسية العصبية للإعلام الحربي اللبناني المسيحي، فضاعفت الرعبَ الموتور منه في وعي المسيحيين وواقعهم الحي المعيش، باعتباره أصل البلاء والشر، وجالب الدمار والخراب إلى لبنان. 

وفي الأوقات العصيبة من حرب السنتين، شعر المسيحيون أن كل ما ليس هم -حتى الهواء والظّل والأشباح- غريبٌ عنهم ويريد إفناءهم والسطو على بلدهم الجميل، الحر، والفريد في محيطه، انتقامًا منه ومن عدم مشاركته في الحروب العربية السابقة ضد إسرائيل، لا سيما في حرب حزيران 67. وصار يستحيل في تلك المخيلة منع الغرباء من النيل من لبنان ومسيحييه، بغير "المقاومة المسيحية اللبنانية"، قدرهم الوحيد المنتدبين له انتدابًا شبه صوفي، يعادل ويشبه حبهم لبنان وجماله، والذي صنعوا هم مع الطبيعة فرادته ومعجزته، وعليهم الاستماتة في حمايته والدفاع عنه، وإلا لن يستحقونه، ولما استحق هو من دونهم الفرادة والإعجاز.

ولاحقًا -بعد أن كان الشاعر السوري نزار قباني قد ذاق جمالات وأطايب العيش في لبنان وبيروت الستينيات والسبعينيات- كتب معتذرًا منهما على طريقته الغزلية البدوية التي تذكّر بهجائه البدوي العربَ بعد هزيمة 67، وبرثائه جمال عبد الناصر بعد موته سنة 1970. وقد غنت ماجدة الرومي قصيدته الاعتذارية التي قال فيها: "يا ستَّ الدنيا يا بيروت: نعترف أمام الله الواحد أنّا كنا منك نغار/ وكان جمالك يؤذينا/نعترف الآن أنّا أهديناك مكان الوردة سكينا".

 

وكان يمكن إرجاع المخيلة الإعلامية المسيحية المذعورة من الغريب إلى صورة له ابتكرها الأخوان رحباني في مسرحهم الغنائي الفولكلوري نهاية الخمسينات، وجسّداها في شخصيتي "هولو" و"راجح". لكن ما يهيمن على مخيلة الرحبانيين من حنين رومنطيقي إلى الزمن الريفي والقروي، ومنه صُنِعت في مسرحهما صورة الغريب الموسوم بوداعة وبراءة تجعلانه كذبة بيضاء، لطيفة وعابرة، تجدد وئام أهل القرية وهناء حياتهم. لكن هذا يمنع تشبيه الغريب الرحباني بغرباء ذاك الأعلام الحربي الدامي، والذي ألصق بغربائه القتلة، الدناءة والنذالة والخسة والرثاثة الأخلاقية والبدنية. 

وتُلازم هذه الصفات الغريبَ الفلسطيني. فهو بلا أصل وبلا أرض وبلا شرف. وباع أرضه وبلاده، شرفه وعرضه، وامتهن اللصوصية والاعتداء على بلاد الآخرين، شرفهم وأعراضهم. وهو وسخ بدنيًا (مجوي). وفي مقابل تحضُّر اللبنانيين، المسيحيين بالتحديد، تمدنهم وعراقتهم ورفعة أصلهم وفصلهم وثقافتهم، ليس الفلسطينيون سوى تتار العصر وأوباشه. وهم جمعوا في صفوفهم أمثالهم وأشباههم. وشاع في الإعلام الحربي المسيحي أن مجموعات هائلة العدد من الصوماليين تقاتل إلى جانبهم، كأنهم من أكلة لحوم البشر. 

ولدفع هذا الرعب الأسطوري، شاع أيضًا أن مجموعة ضئيلة العدد من المقاتلين الكتائبيين، بينهم الطبيب والمهندس والمحامي... استطاعت في موقع قتالي استراتيجي أن تبيد زهاء 300- 500 من جحافل المهاجمين الصوماليين. وهذا دليل يؤكد المقولة الشائعة المأثورة: "النوعية في مقابل همجية العدد". وعلى هذا المنوال والمثال قال بعد عقود زجالٌ لبناني يدّعي الشعر في مديحه ديكتاتور سوريا حافظ الأسد: "أسد والناس تحتك عدد". 

وتجسيدًا لذلك انتشرت في أشرفية حرب السنتين روزنامة تحمل صورة امرأة على شكل يمامة تمثل لبنان وترمز إليه. وحول المرأة-اليمامة ينتشر شياطين سود، في أيديهم سكاكين وحراب يمزقون بها اليمامة، رمز الطهارة والملائكية.

 

دبيب الفوضى بين الإغواء والسحر والتنافس الفردي

في أشرفية حرب السنتين، شبّه من كان فتىً كتائبيًا آنذاك حضور المسلحين وحركتهم في شوارعها بسيرك فوضوي استعراضي، له شلله وشخصياته، نماذجه ونجومه. ولم يكن واضحًا التمييز بين المقاتل الكتائبي النظامي، ومن انجذب عفويًا إلى حمل سلاح خاص، ومنها أسلحة الصيد في البدايات. 

فالحدود بين الحزبي وغير الحزبي كانت غائبة تقريبًا بعدُ. وكل شاب ارتدي زيًا عسكريًا وحمل سلاحًا وسار في شوارع الأحياء أو شارك في أطلاق النار على خط التماس، كان يحسب أنه في عداد المقاتلين. فالحرب في الأشرفية وسواها آنذاك كانت شبيهة بمهرجان شبابي شعبي، فوضوي ومفتوح لكل من يرغب أداء دور ما فيه على هواه ومزاجه. 

التحريضُ والحض على الحرب، صوغ المواقف اليومية منها، تلقيها والتفاعل معها، كانت كلها تعتمد على الإيحاء والسحر والانجذاب في الدرجة الأولى. وكان الزعيم الساحر، الموحي والجذاب والمغوي، هو محور التفاعل بين الحرب وجمهورها الأهلي ومقاتليها في الشارع وعلى خط التماس. وفي "الشارع المسيحي" الحربي، وربما في زمن ما قبل الحرب أيضًا، كانت جاذبية الزعيم الأبوي والانسحار به وتلقي إيحاءاته وكلماته، هي مادة العلاقة بين السياسة والجمهور، وليس الإيديولوجيات ولا "التثقيف الحزبي" وأطره التنظيمية. 

 

كأنما الغريزة المباشرة الصافية، بلا وسائط ولا تحوير، هي قوام السياسة والحرب في الشارع المسيحي. وفي هذا المجال كانت شخصية بيار الجميل، المتنسك، المتقشف، والمتدين، تتكفل بالإيحاء، فيما تكفلت شخصية كميل شمعون بالإغواء والسحر. ولربما جسد مؤسس "القوات اللبنانية" وقائدها لاحقًا، بشير الجميل الشاب، بطبيعته وكلماته وحركات جسمه الغرائزية، والاستفزازية النارية، قمة الإيحاء والإغواء والسحر في الشارع المسيحي. وهناك من يرى أنه استوحى كاريزما كميل شمعون، ودفعها إلى أقاصي العنف الغرائزي، متجنبًا ما في شخصية والده من تقشف وتنسُّك مسيحيي المصدر.

لم يكن التعاطف والتضامن التكافل من الروابط الظاهرة بين مجموعات شبان وفتيان ميليشيا "الكتائب" التي بدأت تتشكل وتتسع فوضويًا في مختبر حرب السنتين. وفيما كان مقاتلو الميليشيات الأخرى الصغيرة وغير الجماهيرية، متضامنين متعاطفين ويعرفون قادتهم معرفة قريبة أو حميمة، كان شبان الميليشيا الكتائبية وفتيانها يجسدون في شوارع الحرب فرديات يشوبها التنافس والتنابذ اللذان يصدران عن رثاثة اجتماعية وأخلاقية، ما كان يخفيها أو يسترها ذوبانهم الجمعي المسحور بإيحاءات الأب العراب بيار الجميل، ولا مظاهر تباهيهم واعتدادهم بأنفسهم. وكان مطلب هذه الفردية التنافسية، حيازة حماية اجتماعية مفقودة، ويصدر طلبها عما يشبه "يتم" اجتماعي، يتخذ من الوصولية المقرونة بالعصامية سبيلًا إلى المرتبة والترقي الاجتماعيين. وفي أثناء الارتقاء في المراتب التنظيمية والعسكرية، كانت علاقات التضامن تخلي مكانها للثأر والتنافس والمصالح الشخصية والصفقات والمشاريع التجارية والرغبة في الثراء.

 

فرقتا الموت والرهبان ومار شربل 

ولما بلغت الحماسة الطائفية ذروتها -قبل أن "يوحّد" الجميل الإبن الشاب الكاريزمي بشير "البنادق" في الشارع المسيحي- شاع في أحياء الأشرفية صيت "مجموعة الرهبان". وهي شلة شبان مسلحين حلقوا شعر رؤوسهم على "الزيرو" وارتدوا أزياء رهبان. ولم يلبث حزب "الكتائب" أن استوعبهم وضمهم إلى مجموعاته العسكرية.

وفي تلك الأثناء انتشرت شائعة عن ظهور مار شربل ومريم العذراء هنا وهناك. وفي إحدى جولات القتال الحاسمة، تدافع الأهالي للوصول إلى قطعة أرض خالية على طرف الأشرفية، لالتقاط بذور قيل إن القديس شربل رماها بعد ظهوره فيها.

وهناك شاب كان من فئة الفتوّات الزعران الكتائبيين وفي مرتبة حزبية متواضعة قبل الحرب، بادر في مطلع حرب السنتين إلى تشكيل فرقة عسكرية من أمثاله. وبعدما سماها "فرقة الموت"، وجعل الانضمام إليها امتيازًا، استولى على بيت قديم مهجور قريب من مدرسة كبرى، وحوّله مقرًا لفرقته التي جلب لها مدربًا أميركيًا لرياضة "الكنغ فو".

كان الشاب معدمًا قبل الحرب. ويكثر من حضور موجة أفلام الكاراتيه من بطولة نجمها بروس لي في إحدى الصالات السينمائية بوسط بيروت. لكنه سرعان ما صار صاحب ثراء في الجولات الأولى من الحرب. فجعل يقود سيارة أميركية سوداء، تتقدمها دراجات نارية عدة يقودها شبان من فرقته مسلحين ببنادق رشاشة. وانتقامًا من فقره ورثاثته الاجتماعية السابقين، تولّه لاحقًا بحياة البذخ والترف والسهر في مرابع القليعات الليلية، والأرجح أنه قتل أو صُفِّي في عمليات "توحيد البندقية". 

 

أزياء وهوايات وحفلات راقصة

اتخذت مجموعات من المقاتلين بيوتًا قديمة مهجورة في الأشرفية مقارًا للقاءاتها وتجمعها، من دون أن تكون البيوت مراكز رسمية لأحزابها. لكن مجموعات أخرى كانت تلتقي وتتجمع في بيوت أهل أفراد منها، فتقيم فيها أحيانًا حفلات راقصة يكثر فيها تعارف ونشوء علاقات عاطفية بين شبان وشابات. وغالبًا ما كانت هذه البيوت تخلو من الحياة العائلية. فالآباء والأمهات وأفراد العائلة الصغار غادروا بيوتهم إلى مساكن خارج المنطقة، أو إلى بيوت في بلداتهم وقراهم الجبلية. 

وازدهرت في حرب السنتين مناطق وبلدات بعيدة من خطوط التماس، مثل جونيه والمعاملتين والقليعات وعجلتون وريفون، وانتشرت فيها المرابع الليلية. أما بعض المدارس الرسمية في الأشرفية فتحولت إلى ما يشبه مقار عسكرية، للتجمع والتدريب، فحظيت بحراسة دائمة.

وكان الشعر الطويل، اللباس على الموضة، اختلاط الجنسين في حفلات راقصة (بارتي)، ركوب الدراجات النارية، هواية العزف على آلات موسيقية غربية، وتشكيل فرق موسيقية محلية... كانت هذه كلها من المظاهر الغالبة في حياة الطلاب اليومية من مراحل تعليمية مختلفة في أشرفية ما قبل الحرب. فأضافت الحرب إليها ارتداء ثياب عسكرية على الموضة، فوقها سترات جلدية، وفي القدمين "بوط" على طريقة الكاوبوي، والتمنطق بأحزمة جلدية عريضة تتدلى منها مسدسات. 

 

وفي الحفلات الراقصة صارت هذه المظاهر من مميزات الـ"دنجوان"، ومحط أنظار الفتيات. وبعد ظهر نهارات الآحاد، أثناء توقف القتال على خطوط التماس، كانت مجموعات من راكبي الدراجات النارية تؤدي حركات بهلوانية في الشوارع. وفي أثناء المعارك راحت فتيات ترافقن أصحابهن من المقاتلين إلى خطوط التماس.

لكن انخراط بعض أصحاب الكفايات العلمية في القتال (مهندسون على وجه الخصوص)، رفع من شأن صورة المقاتل. كان هؤلاء من الشبان المتخرجين حديثًا من الجامعات، فتولوا تسديد مدافع الهاون المنصوبة في مرابضها. وهذا أكسب عمليات القصف المدفعي بعدًا تقنيًا رفيعًا في تصور الأهالي. فترسخت بذلك الصورة الشائعة لدى عامة المسيحيين عن أنفسهم: "النوعية في مقابل العدد". 

أما الطلاب الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب ومنظمات يسارية ويقيمون مع أهلهم في الأشرفية، فغادروا بيوتهم ومنطقتهم إلى بيروت الغربية في مطالع حرب السنتين (كتاب "الجبل الصغير" لإلياس خوري، يذكّر بأجواء هذه الظاهرة). لكن بعضًا من الطلاب الذين كانت تجمعهم صداقات بشيوعيين حزبيين، ولم يغادروا، فانخرطوا في "الكتائب"، أو كتموا ميولهم وظلوا مقيمين في المنطقة ولم ينخرطوا في الحرب.

 

نجوم الحرب والسرقات

في مطالع حرب السنتين انتسب إلى حزب "الكتائب" نجمٌ شاب لامع في فريق الدرجة الأولى لنادي كرة قدم شهير. وكان ذاك النجم مدرِبًا في نادي مدرسة كبرى للعبة "الجيو- جتسو" الرياضية. وهذه أهم لعبة كاراتيه في اليابان. وأكسبته نجوميته الرياضية نجوميةً قتالية بين المقاتلين. ثم حظي بحب وتقدير على الصعيد الجماهيري. أما انقلاب أحواله المادية إلى الثراء، بعدما كان متوسط الحال، فأضاف إلى نجوميته المزدوجة حظوة اجتماعية بين الأهالي.

شاب آخر من لاعبي كرة القدم المشهورين، أطلق على نفسه اسم "زورو"، وارتدى ثيابًا سوداء على نحو دائم. ونادرًا ما كان يشاهد إلا يقود سيارة مكشوفة، يضع على مقعدها إلى جانبه مسدسًا فضيًا لامعًا، فيزداد بريقه على خصره، كلما ترجل من السيارة بحركات استعراضية تذكِّر بأداء لاعبي كرة القدم في الملاعب. أما الشاب الذي أطلق على نفسه اسم "كوزوف"، فكان شديد الإعجاب بصور تشي غيفارا ويتمثله في أزيائه العسكرية.

وهذا طالب مدرسة خاصة كبرى، ومن عائلة متوسطة، ومن عدّائي مدرسته البارزين لمسافة 100 متر، إلى جانب تفوّقه في لعبة الجيدو. لكن الحرب أفقدته مميزات الطالب المهذب المجتهد التي كانت تهيمن على شخصيته، فتحوّل مقاتلًا شرسًا احترف الفتوّة وفرضَ الخوّة والتعديات المجانية على الآخرين في الشارع. وحوّلت الحرب أحد لاعبي السيرك من محترفي مضغ الزجاج والشفرات ونفث النار من فمه، مقاتلًا شرسًا، فاشتهر بارتكابه أعمالًا إجرامية في المعارك ضد منطقة الكرنتينا. لكنه ظل شديد اللطف والدماثة في حياته العادية وفي محيطه الاجتماعي.

أما الذين تولوا مهمة تعذيب الأسرى والمخطوفين في السجون والأقبية، فكانوا في معظمهم من أصحاب حرف يدوية: حداد، منجد، لحام، نجار... إلخ.

 

وكانت أخبار السرقات من وسط بيروت التجاري من أحاديث الناس اليومية في الأشرفية أثناء حرب السنتين، باعتبارها آفة قتالية، معنوية وأخلاقية. وبعد خسارة معركة عسكرية كان يتفشى الحديث عن السرقات، وتنهال الشتائم على السارقين. كأنما خسارة المعارك والسرقة متلازمان ومتكافئان. أو كأنما الناس كانوا في حاجة إلى تحميل أوزار الخسارة العسكرية لمن يصمونهم بالمروق والانحطاط الأخلاقي، فيصيرون بذلك "كبش محرقة". وهذا ما كان  يريح ضمير الناس ويساعدهم في تحمّل  أعباء الخسارة العسكرية. 

وغالبًا ما كانت السرقات والنهب تُلصق بالزعران المنحطين أخلاقيًا من أبناء المدينة، ويُبرّأ منها المقاتلون من أبناء الريف. وفي الواقع كانت تُنظم للسرقة مجموعات خاصة بها. ومع تفاقم هذه الظاهرة وتفشي التذمر منها، بدأ الكلام عن ضرورة القضاء على الزعران، وتنظيف المنطقة منهم. 

وهذا ما وجد موجته القصوى وجوابه ببروز ظاهرة بشير الجميل وحملته الشهيرة المعروفة على "الزعران" التي توّجها في نهاية حرب السنتين بتدبير وسائل شتى لتصفيتهم والقضاء عليهم.

أما من لم تطوِّع "القوات" النظامية وثكناتها لاحقًا، طباعَهم وأهواءهم من نجوم المقاتلين الفوضويين، فغاليًا ما جرت تصفيتهم بطرق شتى وفي ظروف غامضة. 

 

الشهيد.. صورة باهتة على جدار

لم يظهر في البيئة المسيحية في حرب السنتين، ولا فيما تلاها، أدبٌ شفهي أو مكتوب، ولا كُتبت قصائد وأغانٍ ولا صُوّرت أفلام سينمائية ولا ظهرت أفيشات عن الحرب ومعاركها، ولا عن الشهيد وفي تمجيده ومديحه. وهذا مقارنة بما أُنتج في بيروت الغربية من سيلٍ أو طفح في هذه المجالات كلها، تحت عموان ما سُمي "الثقافة الوطنية الجديدة"، وفي مواجهة ما وصمته هذه الثقافة عينها بـ"الثقافة الإنعزالية" السائدة في الشطر المسيحي من البلاد.

وهذه الظاهرة تحتاج إلى دراسة مقارنة، خاصة ومستقلة ومعمّقة، تكشف عما لابس دوافع الحرب ومنطلقاتها، مجرياتها ومساراتها، معانيها واجتماعياتها وثقافاتها وسردياتها، طقوسها وشعائرها ورموزها وشعاراتها، شحناتها الانفعالية والعاطفية وأنماط عيشها... دراسة ما لابس هذا كله من اختلافات وتباينات عميقة تكمن في التكوين التاريخي والهوياتي للجماعات الأهلية التي خاضت الحرب. 

وتشير شهادات عدة إلى أن الشهيد مثلًا، ظل كلٌّ من حضوره صورته في المجتمع المسيحي عاريًا من أي طاقة وأصداء غنائية، احتفالية وبطولية. بل هما اقتصرا (الحضور وصورته) على طقوس وشعائر تشييع الشهداء إلى مثاويهم الأخيرة، وعلى استخدام الاستشهاد مادة تحريضية وتعبوية باردة في الأطر الحزبية الضيقة الوليدة في مجتمع الحرب.

 

ولولا صور الشهداء الصغيرة المطبوعة على بطاقات نعيهم التقليدية الصغيرة بدورها، وبحلّتها المتقشفة الباهتة (بالأسود والأبيض) الشائعة والنمطية منذ زمن ما قبل الحرب، بلا أي تعديلات أو إضافات سوى تذييلها بعبارة "مات ليحيا لبنان" -لولا هذه البطاقات التي كانت تُلصق بتقشف على بعض الجدران، لما كان للشهداء من حضور يذكر في "وجدان" الناس العام أو مخيلتهم الجمعية، وفي حياتهم اليومية في المجتمع المسيحي. اللهم إلا في حياة وذاكرة عائلاتهم. وقد يمكثُ الشهداء كحسرات أليمة في جوارح أمهاتهم وصدورهن. ومنهن من هدّمهن فقدُهن أبناءهن في فتواتهم وريعان شبابهم، وقصّر أعمارهن. 

أما بالمقارنة مع حضور الشهيد الوجودي والكينوني الجوهري والمتفرد في مجتمع الحرب الشيعي الراهن، فيبدو الشهيد لدى جماعات الحروب الأهلية وتشكيلاتها السابقة، بلا أي وزن ولا أثر ولا معنى. وهذا على الرغم من أن مجتمع "الثنائي الشيعي" لم ينتج أثرًا ثقافيًا أو فنيًا يذكر طوال حروبه التي طبعت بطابعها الحروبَ الأهلية الإقليمية الملبننة منذ الثمانينات. 

فهل تشكل خطب وكاريزما الراحل حسن نصرالله، الفن الدنيوي والأخروي الأقوى حضورًا وتأثيرًا وطاقة في صناعة الحرب وشهدائها ومجتمعها ودوامها في منذ التسعينات وحتى اليوم؟ 

 

مصارع النجوم.. والتدمير الذاتي 

تشكل الأخبار والظواهر وصور نماذج من شخصيات حرب السنتين في المجتمع المسيحي، ملامح صورة بانورامية عنه في وقت انقلابه من حال إلى حال. وقد اتخذ ذاك الانقلاب شكل مهرجان عفوي صاخب، مسرحه الشوارع والأحياء والمنازل وخطوط التماس القتالية. أما نجوم المهرجان واللاعبون الأساسيون على مسرحه، فكانوا في معظمهم من الشبان والفتيان، فيما كان السكان والأهالي جمهوره العام. 

فالحُمّى الحربية العارمة، الطقوسية وشبه الهذيانية، التي انفجرت وراحت تتفشى طوال تلك الحقبة الأولى من الحرب، كانت تستمد شحناتها الانفعالية من مكبوتات وغضب وتعبئة سبقت انفجار 13 نيسان 75، ووجدت فيه وبعده متنفسًا لها في مسالك الحياة الاجتماعية اليومية العامة وأطرها، التي راحت تتمزق يومًا بعد يوم. وهذا قبل أن يُخرج ذاك التمزق من أحشاء مجتمع الحرب شخصية كاريزمية، غريزية ومقاتلة، من جيل حرب الشوارع الفوضوية المهرجانية: بشير الجميل الذي ورث عن والده إرثه الراسخ في "حزب الكتائب"، وتمرد عليه، وجذب إليه فئات متنوعه من جيله، فأنشأ منها نواة قوة مقاتلة مسحورة بشخصيته الكاريزمية. 

ومن تلك النواة تكوّن الأشخاص الأركان لـ"القوات اللبنانية" النظامية التي راحت، غداة حرب السنتين، تمسك بمفاصل القوة المقاتلة في "الكتائب" وما كان يسمى "مجلسه الحربي". ثم شرعت "القوات" البشيرية تعيد تفصيل نسيج مجتمع الحرب الفوضوية، وتخيطه من جديد، على إيقاع الجولات الحربية المتعاقبة المتمادية.

 

وعلى مسرح ذلك المهرجان الحربي الفوضوي الكاسح، ومن رحم اختلاط: العسكري بالمدني، البطولي بالمنحط، الخرافي والسحري بالواقعي، العنف الإجرامي والدموي بالعنف القتالي الموضعي الهادف، الترفيهي والاحتفالي والاستعراضي المجاني والارتجالي، بالقتالي شبه المنظم والمحترف ... من رحم ذاك الاختلاط، بدأت أعمال الضبط والتأطير والتماسك والتجانس والفصل والعزل تشق الطريق لـ"القوات" النظامية، وسط تلك الحمى الفوضوية التي كانت لتؤدي بالضرورة، في حال استمرارها، إلى اختناقٍ وتفسخ وتذرر وضياعٍ ورثاثة واستنقاع من الصعب تداركها. 

وكان شارل شهوان قد صوّر بدقة سردية فنية أجواء ومظاهر تلك الفوضى والاختلاط في كتابه "حرب شوارع"، الذي وصف في صفحته الأول المشهد التالي: يخرج شابان من فريق كرة قدم في نهاية مباراة عنيفة تحت مطر غزير. فيقود أحدهما سيارته في سرعة جنونية على أتوستراد، وصولًا إلى جبهة قتال في الأشرفية على الأرجح. وهناك يلتقي الشاب الرياضي فتاة، فيضاجعها على نحو آليّ مجاني. كأن الرياضة والقتال وقيادة السيارات والدراجات النارية والجنس، أهواء غرائزية تصدر كلها دفعة واحدة عن عنف آليّ لا قاع له إلا بالتدمير الذاتي.

 

وبعد بضعة أشهر من حرب السنتين، بدأت تصفية القبضاي والأزعر التقليديين القديمين، وتفكيك لحمة عصاباتهما وشللهما. وعقب معارك دامية ضد بعضها، هرب عناصر منها إلى الشطر الغربي من بيروت، وقتِل من رجالها من قُتل واستُتبِع آخرون. وفي أثناء مرور موكب شخصية قواتية مرموقة في الأشرفية، أقدم مرافقوها على تصفية كتائبي قبضاي أحاط نفسه بعصابة خاصة. 

أما النجم الرياضي اللامع، والذي جمع إلى نجوميته ترفًا اجتماعيًا من طريق الإثراء السريع، فكانت جنازة تشييعه، بعد مصرعه في منطقة أسواق بيروت التجارية، مهيبة وصُرفت فيها كميات مهولة من رصاص راح يجلد السماء فوق المقبرة. هذا فيما قتل لاحقًا بعض أتباعه في ظروف غامضة، واستُتبع آخرون منهم إلى القوى النظامية. وطالب المدرسة الخاصة الكبرى، الذي انحدر من تفوقه الدراسي والرياضي إلى رثاثة وهوس قتاليين، أفضى به ذلك إلى الخطف الذي غيّبه وأودى بحياته.

ثم وضعت مجازر "توحيد البندقية" المسيحية النهاية الدموية لفوضى حرب السنتين في الشارع المسيحي، لتستمر وتُستأنف المقاتل والمجازر بين الجماعات اللبنانية وفي داخل كل جماعة، حتى التدمير الذاتي... الذي نشهد اليوم أقسى فصوله الإقليمية الملبننة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث