مسبارا Voyager 1/2: أدوات علمية نادرة واكتشافات فضائية مذهلة

شفيق طاهرالاثنين 2026/04/27
Image-1777279896
تخوض المركبتان الفضائيتان سباقاً صعباً مع الطاقة التي تستهلكها المحركات في الفضاء (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في وقت لاحق من هذا العام، يقترب مسبار الفضاء فوياجر 1 (Voyager 1) من محطة رمزية وعلمية استثنائية، أن يصبح على مسافة توازي يوماً ضوئياً كاملاً من الأرض. وتوضح وكالة ناسا في صفحتها المخصصة لتتبع المسابر الفضائية أن فوياجر 1 يقترب من يوم ضوئي واحد لاحقاً هذا العام. والمعنى العملي لذلك واضح ومذهل في آن واحد، أي أن الإشارة الراديوية الخارجة من الأرض تحتاج إلى قرابة 24  ساعة كي تصل إلى المسبار، وبالمقدار نفسه تقريباً تحتاج الرسالة الصادرة من فوياجر 1 إلى يوم كامل لتعود إلى الأرض. أي أن أي تواصل كامل معه بات يقترب من يومين ذهاباص وإياباً، وهو ما يحول تشغيله إلى اختبار دائم للصبر والدقة والهندسة بعيدة المدى.

 

من مهمة كوكبية إلى رسول في الفضاء 

أُطلق مسبار فوياجر 1 في  سبتمبر/أيلول 1977 بهدف محدد، التحليق قرب المشتري وزحل وجمع بيانات وصور غير مسبوقة عنهما. لكنه تجاوز منذ زمن بعيد حدود تلك المهمة الأولى، إذ تؤكد ناسا أنه أصبح أبعد جسم من صنع الإنسان عبر إلى الفضاء بين النجوم في أغسطس/آب 2012. ومنذ ذلك العبور، لم يعد مجرد مسبار واصل الابتعاد، بل تحول إلى أداة علمية نادرة تعمل خارج الغلاف الشمسي. وهذا ما يمنحه اليوم قيمة تتجاوز الرمزية، فهو يرسل قياسات مباشرة من بيئة لم تصلها أي مركبة بشرية أخرى بهذه المسافة والعمق.

 

تكمن أهمية هذا الإنجاز أيضا في عامل الزمن. فالمركبة التي أُطلقت في سبعينيات القرن الماضي ما تزال تعمل بعد ما يقارب نصف قرن، وترسل معلومات عن البلازما والجسيمات والمجالات المغناطيسية في منطقة كان فهمها يعتمد طويلاً على النماذج النظرية أكثر من الرصد المباشر. لذلك فإن اقتراب فوياجر 1 من عتبة اليوم الضوئي لا يمثل مجرد رقم جديد في سجل الاستكشاف، بل يختصر قصة كاملة عن قدرة التكنولوجيا البشرية على البقاء والإنجاز في ظروف لم تصمم أصلا لتستمر كل هذه المدة.

 

فوياجر 2 الأغنى بالاكتشافات

لكن قصة فوياجر لا تكتمل من دون فوياجر 2 (Voyager 2). فهذا المسبار أُطلق قبل شقيقه بقليل، في 20 أغسطس/آب 1977، واحتفظ لنفسه بمجد مختلف. فبينما صار فوياجر 1 الأبعد عن الأرض، بقي فوياجر 2 المركبة الوحيدة التي زارت الكواكب العملاقة الأربعة كلها عن قرب، المشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون. وتؤكد ناسا أنه دخل هو الآخر الفضاء بين النجوم في 10 ديسمبر/كانون الأول 2018، ليصبح الجسم البشري الثاني الذي يعبر تلك الحدود. وبهذا المعنى، إذا كان فوياجر 1 يجسد انتصار المسافة، فإن فوياجر 2 يجسد انتصار الاكتشاف، لأنه منح البشرية أول نظرة مباشرة إلى أورانوس ونبتون، ولا يزال حتى اليوم المسبار الوحيد الذي مر بهما.

 

سباق أخير مع الطاقة

رغم هذه الهالة، تخوض هاتان المركبتان الفضائيتان اليوم سباقاً صعباً مع الطاقة. فمولدات النظائر المشعة على متنهما تفقد نحو  واط من القدرة الكهربائية كل عام، وهو ما أجبر فريق إدارة المهمة على إطفاء أجهزة وأنظمة تدريجياً على متن المسبارين للحفاظ على استمرار العمل العلمي. وتوضح ناسا أن جهاز قياس الجسيمات المشحونة على فوياجر 2 أُوقف في مارس/آذار 2025 لتوفير الطاقة، ثم أوقف الجهاز نفسه على فوياجر 1 في 17 أبريل/نيسان 2026 للسبب ذاته. وتؤكد الوكالة أن هذه القرارات تهدف إلى تمديد عمر المهمة لأطول فترة ممكنة.

 

إرث أبعد من العمر الافتراضي

لهذا، فإن لحظة 2026 ليست مجرد خبر عن رقم قياسي جديد، بل لحظة تأمل في معنى الاستكشاف نفسه. فوياجر 1 يقترب من مسافة يحتاج فيها الضوء يوماً كاملاً ليعبر بينه وبين الأرض، وفوياجر 2 يواصل تذكيرنا بأن أعظم الإنجازات ليست دائما الأكثر صخباً. كلاهما اليوم يعمل خارج الغلاف الشمسي، وكلاهما يحمل إلى ظلام الفضاء البعيد أثراً بشرياً ما يزال حياً. وربما تكون هذه هي الخلاصة الأجمل، آلة صنعت قبل عقود طويلة ما تزال تقول لنا، من ما بعد الشمس، إن فضول الإنسان قادر على الذهاب أبعد كثيراً من عمر المهمات نفسها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث