كيف تنجو الوظائف في ظل الحرب؟ هذا سؤال لم يُطرح بشكل جاد بعد، على الرغم من كونه يمثّل هاجساً في عقول معظم اللبنانيين.
دخل سوق العمل في لبنان خلال شهر نيسان من عام 2026 ما يمكن وصفه بمرحلة "إعادة الهيكلة القسرية"، وذلك في ظل حرب لم تنقضِ فصولها بعد رغم الهدنة الهشّة. فقد سجّلت معدلات البطالة ارتفاعاً حاداً لتصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تشير التقديرات إلى تجاوزها نسبة 45 في المئة على مستوى الوطن، لتصل إلى نحو 48 في المئة في المناطق الأكثر تضرراً. كما بات قرابة 250,000 وظيفة إضافية مهددة بالزوال نتيجة الإغلاق الواسع للمؤسسات. ولعل من الضروري التنويه هنا إلى أن هذا التقرير ليس تقريراً اقتصادياً بالمعنى التقليدي، بل هو رصد لواقع البقاء والتحولات القسرية في بنية العمل.
لقد انهارت قطاعات أساسية بشكل فعلي. فعلى سبيل المثال، توقّف قطاع السياحة تماماً مع تسجيل تراجع في النشاط بنسبة 95 في المئة. كما تراجع النشاط التجاري والصناعي بنحو 60 في المئة. ومع توقّف المصانع وإغلاق المحال التجارية، فقدت العديد من الأسر معيليها الأساسيين، واضطرّت الشركات الصامدة إلى تقليص ساعات العمل أو خفض الأجور بشكل حاد للبقاء على قيد الحياة. وفي خضم هذا الانهيار، تبدو الحكومة اللبنانية منشغلة بملفات أخرى مثل حصر السلاح والمفاوضات مع العدو، حيث لم يعد الملف الاقتصادي والإصلاح المالي ضمن سلم أولوياتها الراهنة.
المؤسسات الصغيرة: اقتصاد يترنّح في الفراغ
لطالما استند الاقتصاد اللبناني إلى قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الهش. وتشكل هذه المؤسسات 95 في المئة من إجمالي الشركات، وتوظّف ما يقرب من نصف القوى العاملة في القطاع الخاص. إلا أنها في نيسان 2026 تواجه انهياراً نظامياً. أدّى النقص الحاد في السيولة وتراجع الطلب إلى إغلاق عدد لا يُحصى من المتاجر والورش.
حتى قبل الحرب، كانت معضلة "الوسط المفقود" أي تآكل شريحة الشركات المتوسطة تمثل مشكلة مزمنة في الاقتصاد اللبناني. والآن تُضاف تكاليف الطاقة كأعباء خانقة، ففي بلد يعاني من انقطاع متكرر للكهرباء تعتمد 84 في المئة من الشركات على المولدات الخاصة، مما حوّل العمل الصناعي والمكتبي إلى عبء مالي جسيم بزيادة تُقدّر ما بين 30-40 في المئة في تكاليف التشغيل.
قطاعات تتساقط وأخرى تتأقلم
كشفت الحرب عن انقسام حاد بين قطاعات توقفت فعلياً وأخرى تمكنت من التكيف. تعرّضت الصناعات الثقيلة والخدمات التي تتطلب حضوراً شخصياً لدمار واسع، فالسياحة شبه منعدمة والإنشاءات متوقفة بنسبة 90 في المئة. وفي المقابل، أظهرت الصناعات المهنية والتقنية قدرة أكبر على الاستمرار عبر نماذج "العمل من أي مكان". وازدهرت منصات الاقتصاد الرقمي والعمل الحر (Freelance) التي تربط العمال المهرة بفرص عمل داخل لبنان وخارجه. ومع ذلك، يبرز واقع مرير يتمثل في تعامل الدولة مع موضوع الوظائف في ظل الحرب وكأنه شأن شخصي بحت لكل مواطن، حيث يُترك للفرد وحده عبء تدبّر أمره وإيجاد وسيلة للبقاء دون أي شبكة أمان رسمية.
الثقة بدلاً من البصمة
تعرّضت البنية التحتية في جنوب لبنان والضاحية لتدمير ممنهج، مما أدّى إلى عزل هذه المناطق. وبما أن التواجد الميداني لم يعد ممكناً، اضطر أصحاب العمل إلى تحويل الوظائف إلى صيغ هجينة أو إلى العمل من بُعد بالكامل. أصبح المنزل مساحة العمل الجديدة، وتغيّرت أساليب الإدارة لتتركّز على التواصل الافتراضي والتنسيق غير المتزامن. وجوهر الأمر أن كل منزل متصل بالإنترنت يُعامل الآن كامتداد لمكان العمل، وهو السبيل الوحيد لاستمرار الشركات في ظل انقطاع الطرق.
منحت تجربة لبنان مع جائحة كوفيد-19 البلاد انطلاقة جزئية. فقد أثبتت الاستثمارات السابقة في الاتصالات والتعلّم الإلكتروني أهميتها، حيث عادت المؤسسات التعليمية سريعاً إلى النماذج الافتراضية. وتحولت العادات والبنية التحتية الرقمية للمؤسسات التي بُنيت خلال "كورونا" إلى تدابير وقائية في عام 2026. وأصبح العمل من المنزل، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كرفاهية، ضرورةً أساسية تساهم في إنقاذ الأرواح واستمرار النشاط.
اليوم، يبرز مفهوم "الثقة بدلاً من البصمة"، حيث استُبدلت آلات تسجيل الدوام وأنظمة الرقابة الميدانية بمرونة قائمة على الثقة المتبادلة والالتزام بالنتائج. وقد أثبتت قطاعات تقنية مثل البرمجة والتصميم والخدمات الاستشارية أن الفاعلية تبقى مرتفعة جداً، بل وتتفوق أحياناً على العمل المكتبي التقليدي بفضل القدرة على تجاوز عوائق التنقّل والأمن. وهكذا، لم يعد العمل عن بُعد مجرد "خيار اضطراري"، بل تحوّل إلى نهج إداري حديث يقوم على الثقة بقدرة الموظف على الإبداع من أي مكان متصل بالشبكة.
نماذج الاستمرارية في قلب التهديد
تقدّم دول الخليج نماذج عملية لصمود الوظائف. ففي آذار 2026، ومع تصاعد التهديدات بالمسيّرات في الخليج، أعطت حكومتا الإمارات والسعودية الأولوية لاستمرارية الأعمال عبر تفعيل خطط العمل عن بُعد بسلاسة. والدرس المستفاد هو أن الثقافة المؤسسية المرنة والبنية التحتية الرقمية القوية مكّنت الشركات من البقاء متصلة بالإنترنت رغم الهجمات، وهو ما يمكن للبنان محاكاته عبر جعل الأمن الرقمي أداة للصمود الوطني.
التعافي عبر الشبكات: اقتصاد ما بعد الانهيار
يحتاج لبنان إلى استراتيجية تعافٍ تعتمد على "شرايين الحياة الرقمية". وعلى السلطات أن تعمل على توسيع المنصات الرقمية لتشمل مطابقة الوظائف إلكترونياً، على غرار "بوابة النزوح" التي سجّلت مئات الآلاف من المتضررين بهدف إسكانهم. لا يمكن الاستمرار بالرهان على الشبكات الفيزيائية الهشّة، بل يجب أن يتجه الرهان نحو "المرونة التقنية" الشاملة، بحيث يتحول كل عامل إلى "عقدة" في شبكة رقمية عابرة للحدود.
أثبتت حرب 2026 أن مستقبل العمل لم يعد مرتبطاً بمكان مادي. فالبقاء بات يعتمد على الاتصال الرقمي والقدرة الذهنية على التكيّف. إن الاستثمار في بنية العمل عن بُعد ورأس المال البشري هو شكل من أشكال الأمن القومي. فالاقتصادات الأكثر صموداً ستكون تلك التي يمكن فيها استمرار الحياة والعمل تحت القصف بضغطة زر وقيادة ثابتة، لضمان استمرار "المعاش" وسط الركام.




