من بيروت إلى صور، الطريق سالك. سيارات تتجه جنوبًا، وأخرى تغادره. حركة مزدوجة، كأن البلاد نفسها لم تحسم بعد ما إذا كانت عائدة أم منسحبة، مطمئنة أم مترددة. الطريق مفتوح، لكن القلوب ليست كذلك تمامًا. كل سيارة تبدو وكأنها تحمل قرارًا مؤقتًا، أو رجاءً مؤجلًا، أو تجربةً حذرة للعودة.
أمام بحر صور، يمشي بعض الناس ببطء، يحتسون قهوتهم كأنهم يتدربون على استعادة عادة غابت عنهم أكثر من 40 يوماً. شاب وصبية يجلسان على صخرة قبالة الماء، يعيشان لحظة حب صغيرة، كأنها استراحة قصيرة من زمن أطول من الحرب نفسها. آخرون يركضون، يتنزهون، يلتقطون الصور، يمشّون كلابهم.
تبدو هذه المشاهد عادية، لكنها في مدينة خرجت لتوّها من أسابيع من النار، تصبح أشبه بإعلان خجول عن عودة الحياة.
تمتلئ صور بالناس. ليس امتلاء المدن في أوقات الرخاء، بل امتلاء المدن التي تحاول أن تُقنع نفسها أنها لم تُفرغ بعد. رغم أن كثيرين غادروا قراهم في الجنوب، لم تخلُ المدينة بالكامل بعد. عاد كثيرون إليها، أعادوا فتح محالهم، رتّبوا مصالحهم، وتبادلوا السلامات الطويلة. كان واضحًا أن الناس يفرحون برؤية بعضهم البعض أكثر مما يفرحون بأي خبر سياسي.
في أحد السوبرماركت، ينتظر الناس دورهم أمام الصندوق. رفوف امتلأت من جديد، عرباتٌ تُدفع ببطء، وأحاديث صغيرة تتسلل بين الطوابير. يلتقي رجل بآخر لم يره منذ بداية الحرب. يسأله: "لك شو رجعتوا؟" يردّ الآخر: "جيت ليلة وراجع. ما في شي يخليك… ما بتسمع إلا أصوات الواوية. بس ابني معند، ما بدّه يفلّ."
فوق رؤوسهم تمر المسيرة. صوتها يخترق الحديث اليومي بلا استئذان. يرفع الرجل رأسه قليلًا ويضيف: "اسمع الخرق… مش هادية."
البحث عن قصّاب
في قرى الجنوب، تعود تفاصيل الحياة الصغيرة قبل أي شيء آخر. يسأل الناس بعضهم بعضاً إن كانوا حصلوا على اللحم، وإن كان قصّاب المحلّة فتح دكانه من جديد. طوال فترة النزوح، افتقد النازحون لطعم ألفوه من "لحّام الضيعة"، وخصوصاً لطعم "الكبة" و"اللحم المخصص للفراكة"...
على وقع أصوات مسيرات لا يتوقف، بعض الأهالي عادوا فقط لتبديل الأغراض. آخرون عادوا ليحملوا ألبومات الصور، أوراقًا قديمة، أشياء صغيرة لا تُنقذ بيتًا، لكنها تُنقذ ذاكرةً كاملة من الضياع.
في معظم البلدات الواقعة في قضاء صور، الدمار حاضر. لكنه ليس سيّد المشهد كما قد يتخيل القادم من بعيد. القرى واسعة، وعلى قدر اتساعها وجمالها، ومع عودة أهلها تدريجيًا، يبدو الركام كأنه تفصيلٌ ثقيل داخل صورة أكبر لا تزال تقاوم. الحياة، ولو ببطء، تحاول أن تسبق الخراب.
الجميع يترقب ما إذا كانت الهدنة ستصمد فعلًا. ومع ذلك، فضل كثيرون العودة: العودة إلى البيت، إلى البلدة، إلى المكان الذي يسمّونه منزلًا حتى حين لا يكون آمنًا تمامًا. يقول أحد الرجال لـ"المدن": "ما في استقرار… العالم كلّه ماشي، والعترة على الناس، على الذكريات."
بين الركام والأمل
في قرى صور، ربيع الجنوب في أبهى صوره: خضار كثيف، تلال مفتوحة، ومناظر تُذكّر بأن هذه الأرض صُنعت أصلًا للحياة لا للحرب. يشتاق السكان لكل تفصيل ولكل لون بمحاذاة منازلهم، وعلى طرقاتها. "لن يحرمنا منها الإسرائيلي"، يقول أحد الطاعنين في السن في بلدة طيردبا.
والبلدة التي تعرضت لقصف كثيف، بدأت أعمال الترميم. عمال يصلحون خطوط الكهرباء، وآخرون يرفعون الركام. محاولة لإعادة الحد الأدنى من البقاء ممكنًا لمن بقي، ومن عاد. بعض الأهالي جاءوا لتفقد أرزقاهم وغادروا، بينما بقي آخرون في البلدة طوال الحرب، كما يقول مختارها كامل جولاني.
أمام مبنى مهدم، يقف سامر. ينتظر منذ أكثر من شهر جثمان عمّه الذي استشهد في اليوم الخامس من الحرب. يقول بهدوءٍ ثقيل: "خربوا الدني عليه… ما عم يلاقوه. ما بيّن منه أثر. بعدنا ناطرين، على أمل نلاقيه."
الحال، بعض العائلات لا تزال تنتظر جثامين شهدائها. وعلى وجوه الناس يبقى الترقب حاضرًا، كظلّ لا يغادر المكان. هي حالة "عدم يقين" عامة، تعبر من قرية الى أخرى.. ومن تصور عن المقاتلين المحاصرين في بنت جبيل، الى أي مقاتل لم يتصل بعائلته، بعد أيام على الهدنة.
إقامة مشروطة
في صريفا، تبدو آثار القصف أوضح. أحياء بكاملها أصيبت بأضرار. كأن البلدة الواقعة بين جنوب الليطاني وشماله دفعت ثمن موقعها مرتين. قسمٌ من السكان عاد ليستقر. قسم آخر بقي على حافة القرار. يقول أحدهم لـ"المدن": "أغراضنا بقيت في السيارة. حاليًا قاعدين. بس إذا حسّينا بشي، دغري منمشي".
ويستذكر أحد أبناء البلدة لحظة التحرير: "أجمل لحظة بتذكّرها كانت سنة 2000… لما دخلنا عيترون وكان جيش لحد مسلّم". وتضيف سيدة: "كان في خوف ما نرجع عأرضنا، أو حتى نرجع وما نلاقي بيت. بيوت تدمرت من سنة ونص وبعدها ما ترمّمت… وهيدا اللي بخاف منه."
على تخوم المقابر
في الطريق بين القرى، تمرّ عائلات حزينة، وأخرى جاءت لتقبّل التعازي بشهدائها. سيارات تتوقف أمام بيوت نصف مهدمة، رجال يقفون صامتين قرب ذكرى أبواب! نساءٌ يدخلن ويخرجن وهنّ يحملن ما يشبه الزيارة وما يشبه الوداع في آن واحد. وبعض السكان حضروا لزيارة قبور شهدائه. زيارةٌ قصيرة، صامتة، كأنها محاولة لإبلاغ الغائبين بأن القرى لم تُترك، وأن الطريق إليها ما زالت تُسلك.
في بعض الأحياء، تنتشر شظايا وبقايا صواريخ، آثار لم تتحول بعد إلى ذاكرة. وبين هذه الآثار نفسها، تمتدّ حقول الليمون والحامض، تنتظر من يقطفها. الأرض نفسها تحاول أن تقول إن فيها ما يكفي للحياة، رغم كل شيء، وإنها ما زالت تعرف كيف تعطي، حتى حين يُثقلها الخراب.
يقول أهل الجنوب: لا شيء يشبه بلدتنا، ولا أرضنا، ولا خيراتها. ويضيف كثيرون: لم نغادر أصلًا، لكننا الآن، على الأقل، لم نعد نشعر بأننا قد نتعرض للقصف في أي لحظة.
هدم يلي آخر...
في إحدى القرى، يقول رجل بعدما علم أن منزل أحدهم دُمّر: يقولون الله بعوّض… شو بعد بدّه يعوّض؟ شو بدّه يلحق تيلحق الله بعد؟" لم يكن اعتراضًا على التعويض بقدر ما كان تعبًا من فكرة التعويض نفسها، تعبًا من تكرار الخسارة إلى الحدّ الذي يصبح معه التعويض كلمةً بلا معنى. ويردّ صديقه: "حتى اللي عنده إيمان كبير… صار يشكّ فيه".
في الجنوب، يكاد الجميع يلتقون عند فكرة واحدة: الدفاع عن الأرض، عن الوطن.
لكنهم يختلفون، في الوقت نفسه، حول كيف تكون المقاومة، ومن يقررها، ومتى تبدأ الحرب، ومتى يجب أن تنتهي.
الاختلاف هنا حاضر، واضح، ومسموع. لكنه لا يلغي حقيقةً واحدةً تبدو أقوى من كلّ النقاشات: الناس، رغم كل شيء، يعودون إلى الجنوب. ولو لبضعة أيام فقط. يعودون لأنهم لا يعرفون مكانًا آخر يمكن أن يسمّوه بيتًا.




