لبنان بلد الأزمات المتراكمة والحروب المتجددة. ما إن يلتقط أنفاسه اجتماعياً وميدانياً حتى ينتكس مجدداً تحت وطأة تصعيد جديد. في هذا المشهد المتكرر منذ عام 1945- 1946، يبرز دور الصليب الأحمر اللبناني كخط الدفاع الإنساني الأول، مسعفاً البلاد في مختلف المحطات، من عملية الليطاني عام 1978 وصولاً إلى الحرب الحالية، حيث يواصل تنفيذ مهماته على أرض الجنوب، مقدّماً التضحيات من دون مقابل.
فرق الإنقاذ أهداف في الحرب
في خضم الحرب الدائرة، تعود المخاطر التي تواجه الفرق الإسعافية إلى الواجهة، وهو ما دفع الوفد اللبناني المفاوض لطرح القضية في اللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخميس الفائت. فقد تم توثيق استشهاد مسعفي "الصليب الأحمر" يوسف عساف وحسن بدوي خلال أداء واجبهما الإنساني، إضافة الى أكثر من 100 مسعف من "الهيئة الصحية الإسلامية" و"جمعية الرسالة". عساف قضى بغارة إسرائيلية أثناء إجلائه أحد المواطنين من بلدة مجدل زون، فيما استشهد بدوي أثناء توجهه مع زملائه لتفقد موقع غارة استهدفت بلدة بيت ياحون.
هذه الخسارة يصفها الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، بالصدمة، قائلاً: "ذهبنا لإنقاذ الأرواح، فوجدنا أنفسنا نحتاج إلى من ينقذنا". ورغم الألم، يشدد على أن الحافز للاستمرار لا يزال قائماً، "لنؤكد للمتطوع والمواطن أننا إلى جانبه".
تنسيق ميداني معقّد لضمان السلامة
يشير كتانة إلى أن عدد شهداء الصليب الأحمر اللبناني بلغ 17 عنصراً منذ الثمانيات. ومؤخراً سقط له شهيدين، فيما لا يزال أحد الجرحى يتلقى العلاج في المستشفى. ورغم ذلك، يؤكد أن العمل مستمر "بحياد وعدم تحيّز"، التزاماً بالمبادئ الإنسانية التي تحكم عمل المؤسسة.
على الأرض، يعتمد الصليب الأحمر على شبكة تنسيق دقيقة، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وقوات "اليونيفيل"، ضمن آليات محددة، لا سيما في المناطق الحدودية الممتدة من شبعا إلى حاصبيا ومرجعيون ورميش وصولاً إلى بنت جبيل وصور.
وفي هذا الإطار يقول كتانة، إنه "عند تلقي أي بلاغ، يجري التواصل فوراً مع الجهات المعنية، أو اعتماد آلية تفادي التضارب (deconfliction)، التي تتيح وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار لتأمين مرور الفرق الإسعافية". وتندرج هذه الإجراءات ضمن خطة احترازية تشمل الجهوزية البشرية واللوجستية والتدريبية.
وتغطي خطة الاستجابة مختلف القطاعات، من خدمات الاسعاف ووحدات الدم والعيادات النقالة، إلى الدعم الطبي والاجتماعي والنفسي، إضافة إلى الإغاثة وتأمين المواد التموينية، وسحب الضحايا والشهداء وإيواء المتضررين، بالتنسيق مع الجهات الرسمية وتحت إشراف الحكومة.
كما تشمل هذه الاستجابة مراحل ما قبل الكارثة وخلالها وبعدها، مع تقييم دوري للأداء، لا سيما في ما يتعلق بخدمات الطوارئ عبر الرقم 140، والاستفسارات غير الطارئة عبر الرقم 1760.
خطط زمنية واستعداد لمرحلة التعافي
في تقييم الأداء منذ بداية الحرب، يلفت كتانة إلى أن الدروس المستخلصة أساسية لتفادي تكرار الأخطاء، مشدداً على أن "الحماية هي الأولوية، فلا يجب أن يُستهدف أحد". ويؤكد أن التنسيق يتم مع وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السرايا الحكومية، إلى جانب المحافظين والقوى الأمنية وفوج الإطفاء والجيش اللبناني و"اليونيفيل" والحركة الدولية للصليب الأحمر.
كما يعمل الصليب الأحمر في وضع خط زمني محدد لمهامه، إذ يكشف كتانة أن "العمل يبدأ بخطط قصيرة الأمد لأسبوعين، ثم يتمدد إلى شهر وثلاثة أشهر، وصولاً إلى ستة أشهر، على أن يستكمل بمرحلة التعافي (Recovery) بعد انتهاء الأزمة، مع التركيز على إعادة تأهيل البنى التحتية وقطاع النقل ومعالجة التداعيات الصحية".
وعلى مستوى العمليات، يتراوح عدد مهمات الإسعاف اليومية بين 700 و800 مهمة اعتيادية، إضافة إلى ما بين 200 و300 مهمة يومية مرتبطة بالحرب. وجرى توزيع أكثر من خمسة آلاف وحدة دم على المستشفيات، إلى جانب تقديم مساعدات إغاثية لآلاف النازحين خلال الحرب الأخيرة، بحسب الكتاني.
وتُعد المدينة الرياضية أكبر مركز إيواء، بإدارة الدولة ووزارة الشؤون الاجتماعية، فيما يتولى الصليب الأحمر تأمين الرعاية داخله، إلى جانب مراكز أخرى موزعة على مختلف المناطق بالتنسيق مع البلديات.
تأمين الدعم والحماية
في ما يتعلق بالمخزون الطبي، يوضح كتانة أن الاحتياطي كان يكفي لشهرين، وقد جرى استخدامه وإعادة تعبئته، مع استمرار التنسيق مع المورّدين لتأمين المستلزمات الأساسية، خصوصاً الطبية والمحروقات. ورغم التحديات، يشدد على أهمية تعاون المواطنين، سواء في تزويد الفرق بالمعلومات عبر الأرقام المخصصة، أو في ترك المجال للفرق المتخصصة لأداء مهامها، خصوصاً في مواقع الانهيارات أو البحث عن المفقودين.
في تجربة يكون فيها الحفاظ على الإنسان أولوية، يختم كتانة برسالة إلى المتطوعين، موجهاً الشكر لتضحياتهم وروحهم العالية، كما يدعو الحكومة اللبنانية إلى تكثيف الضغط عبر الأمم المتحدة لتأمين الحماية والمسارات الآمنة، مشدداً على أن الصليب الأحمر سيبقى إلى جانب المواطنين، ملتزماً الحياد، ومواصلاً رسالته الإنسانية رغم الخوف، بإصرار.




