لا تقتصر تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية على الخسائر البشرية والدمار العمراني، الذي يشاهده العالم يومياً، بل يمتد إلى مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والصحية والنفسية والبيئة، وكل ذلك وسط هشاشة إمكانات الدولة وضعف قدرتها على المواجهة، ما يفرض الحاجة إلى مقاربة علمية متكاملة للتعافي وإعادة الإعمار. وقد استخدمت إسرائيل مجموعة من الذخائر المتطورة، حسبما يشرح مصدر عسكري لـ"المدن"، من أبرزها: قنابل موجهة من نوع JDAM، وهي قنابل تقليدية مزودة بأنظمة توجيه عبر GPS، قادرة على إصابة أهداف محصنة بدقة عالية، وتصل زنتها إلى 2000 رطل. وقنابل "مارك 84"، وهي قنابل غير موجهة تزن نحو 925 كلغ وتُستخدم لإحداث دمار واسع. وقنابل خارقة للتحصينات من نوع "بانكر باستر" مثل BLU-109، قادرة على اختراق المخابئ تحت الأرض. إلى جانب القنابل الفسفورية والقذائف المدفعية بمختلف أعيرتها...
مقاربة عسكرية للأثر البيئي
للوقوف عند الإضرار البيئة والصحية والأثر البعيد الأمد للأسلحة التي تستخدمها إسرائيل أجرت "المدن" مقابلة مصوّرة خاصة مع الجيش اللبناني، ممثلاً بالرائد حسام شكر، رئيس قسم ضمان الجودة والنوعية في المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام. وقدّم قراءة تقنية للذخائر المستخدمة وتأثيراتها البيئية والصحية.
يوضح شكر أن "تنوع الذخائر المستخدمة خلال العدوان الأخير يعكس مستوى متقدماً من القوة التدميرية، لكن الأخطر هو الأثر التراكمي لهذه الأسلحة على البيئة والإنسان".
ويشير شكر إلى أن "التنوع في الذخائر لا يترك آثاراً آنية فحسب، بل يخلّف مواد خطرة تبقى في البيئة لسنوات طويلة".
الفوسفور الأبيض: الخطر الصامت
بين أخطر هذه الأسلحة، تبرز القذائف الفوسفورية البيضاء، التي تُستخدم كأسلحة حارقة تولد حرارة عالية ودخاناً كثيفاً. ويشرح شكر أن "الفوسفور الأبيض مادة كيميائية تشتعل فور ملامستها الهواء، وهذا ما يؤدي إلى حروق عميقة يصعب علاجها، إضافة إلى أضرار تنفسية حادة عند استنشاق الدخان".
ويؤكد الجيش أن التعرض لهذه المادة قد يؤدي أيضاً إلى تلف في الكبد والكلى، فضلاً عن تأثيرات خطيرة على العين والجهاز التنفسي على المدى الطويل.
لا تتوقف المخاطر عند لحظة الانفجار. فالمتفجرات التقليدية تحتوي على مركبات كيميائية عالية الخطورة، بعضها ذو خصائص مسرطنة، فيما يؤدي الغبار الناتج عنها إلى اضطرابات في الجهاز العصبي والكبد.
أما الشظايا المعدنية، فتحتوي على عناصر ثقيلة مثل الرصاص والأنتيمون والكادميوم والكروم، التي تتراكم في التربة وتنتقل إلى المياه والغذاء، وهذا ما يرفع مخاطر التشوهات الخلقية والاضطرابات السلوكية عند التعرض المزمن.
ويؤكد شكر أن "التلوث الناتج عن هذه المواد قد يبقى لسنوات، وهذا ما يجعل تأثير الحرب ممتداً إلى ما بعد انتهائها بوقت طويل".
الجنوب تحت النار… والبيئة الضحية
وفق تقارير حقوقية وبيئية، طاول استخدام الفوسفور الأبيض معظم القرى الحدودية في جنوب لبنان، وهذا ما أدى إلى حرائق واسعة دمّرت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية.
ويشير شكر إلى أن "الغطاء النباتي تضرر بشكل كبير، وهذا لا يهدد الإنتاج الزراعي فقط، بل أيضاً التوازن البيئي والتنوع الحيوي".
كما أدى استخدام هذه المواد إلى تلوث التربة والمياه، وهذا ما يهدد الحياة البرية والمحاصيل، خصوصاً في مناطق الأحراج وبساتين الزيتون.
انعكاسات صحية مباشرة
على المستوى الصحي، سُجلت حالات اختناق وضيق في التنفس بين المدنيين نتيجة استنشاق دخان الفوسفور الأبيض، في وقت تتزايد فيه المخاوف من آثار طويلة الأمد قد تظهر لاحقاً.
ويشدد شكر على أن "التعامل مع هذه التداعيات يتطلب رصداً علمياً مستمراً، لأن بعض الأضرار لا تظهر فوراً".
ما بعد الحرب: الحاجة إلى خطة وطنية
في ظل هذه المعطيات، تبدو التحديات التي تواجهها الدولة اللبنانية معقّدة، خصوصاً مع نقص الموارد وضعف الدعم الدولي.
ويختم شكر بالتأكيد أن "معالجة آثار هذه الحرب لا يمكن أن تكون جزئية، بل تحتاج إلى خطة وطنية متكاملة قائمة على الأدلة، تشمل الرصد البيئي، المعالجة الصحية، وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة".




