بين الدبلوماسية واستراتيجية الحاجة وفاء الدفاعية

مالك دغمانالأربعاء 2026/04/22
Image-1776682199
يرى أن المقاومة ليست مهنة أبدية وأن البلد يحتاج لمؤسسات لا ميادين مفتوحة(مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

على رصيف عين المريسة، يسير اللبنانيون فوق بلاط القلق. البحر أمامهم، والخراب خلفهم، والسياسة نفس نرجيلة يخرج ثقيلاً ثم يتلاشى في الهواء. هنا، في هذه المساحة التي تُختصر فيها جغرافيا القلوب، يتحول الكورنيش إلى جمهورية مصغرة؛ الكل يحلل، الكل يخاف، والكل يحاول أن يدبّر رأسه بين رذاذ الموج وصوت المسيرات الذي لا يغادر سماء العاصمة.

 

طي صفحة المقاومة

أمام مدخل الجامعة الأميركية، حيث يختلط طموح الشباب بمرارة الواقع، يقف فادي حميدان. فادي لا يوارب في موقفه، بل يقدم ما يشبه براءة ذمة للمرحلة السابقة. يقول إن السلاح قام بواجبه وشكراً لجميع من قاوم، بلهجة من يريد طي صفحة وبدء أخرى. يرى فادي أن آن الأوان لكلمة الدولة، ويترقب ما ستفعله، فالمقاومة ليست مهنة أبدية، والبلد يحتاج لمؤسسات لا لميادين مفتوحة.

 

على المقلب الآخر، يعيش محمد حطيط صراعاً لبنانياً بامتياز. يرى في الدبلوماسية مخرجاً، ويؤمن أن نزع السلاح هو مفتاح الحل، لكنه يصطدم بجدار الميدان. محمد يعكس تلك المعضلة التي تنهش صدور اللبنانيين: كيف ننزع فتيل الحرب من دون أن نكشف ظهرنا؟ وكيف نبني دولة في بلد ينام على هدنة هشة ويستيقظ على طبول حرب؟

 

الحجة وفاء وهندسة الأمان

بعيداً عن تعقيدات اتفاقية نيسان أو القرار 1701، تضع الحجة وفاء استراتيجيتها الدفاعية الخاصة. تطالب ببناء حائط كبير يفصلنا عنهم، هم يعودون من حيث أتوا، ونحن لا نسمح لهم بأخذ شبر من أراضينا. بالنسبة لوفاء، سلامة البلاد ليست معادلة جيوسياسية، بل هي حق طبيعي في أن ينام الحفيد من دون كوابيس، وفي أن تبقى الأرض لنا وليست ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

 

معارض للحزب وللتفاوض

المفارقة الأجمل تجدها عند علي معتوق. علي معارض شرس لسياسات حزب الله، لا يطيق فكرة السلاح الخارج عن الدولة، وربما يقضي ليله في جدال مع مؤيديه. لكن، حين يصل الحديث إلى فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، تنقلب نبرته. يرى أن كل شيء قابل للتفاهم بين اللبنانيين إلا هذا المسار. بالنسبة لعلي، عداء إسرائيل ليس أجندة حزبيّة، بل بديهية وطنية، فمشروعها في نظره هو احتلال الأرض في السلم كما في الحرب، ولا فرق عنده بين غارة وقلم مفاوض.

 

بيروت أم الشرائع لا صندوق بريد

بين هؤلاء، تطلّ أمل شبارو بنفَس بيروتي عتيق. تطلب من الدولة أن تشد ركابها شوي، فلبنان ليس تكملة عدد في صراع المحاور. تؤكد أمل بصلابة أن بيروت المقاومة وأم الشرائع ليست ورقة بيد إسرائيل، ولا حتى بوسطجي يحمل رسائل إيران. بيروت بالنسبة لأمل هي المركز، وهي الأصل، ولا يجب أن تُختصر في حقيبة ديبلوماسي يبحث عن تسوية على حساب كرامتها.

 

في كواليس السياسة تُطبخ الحلول، وعلى الكورنيش يراقب الناس الدخان الأبيض. لبنان اليوم لا يبحث عن مجرد تنفيسة أو هدنة تلتقط فيها المدافع أنفاسها، بل عن صيغة تحميه من القضم المستمر وتنزع فتيل الانفجار نهائياً. وبين حذر العائدين وقلق المقيمين، تبقى عين المريسة هي المرآة. هناك، حيث يرتطم الموج بالصخر، يدرك اللبنانيون أن الحل ليس فقط في الطاولات المستديرة، بل في تلك اللحمة القلقة التي تجعل معارضاً كعلي معتوق يلتقي في نقطة ما مع صمود القرى الحدودية، بانتظار دولة، يبدو أنها لا تزال عالقة في زحمة السير السياسية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث