لليوم الثالث على التوالي، اكتظت ساحة الأمويين وسط دمشق بعشرات الأمهات والآباء القادمين من محافظة دير الزور ومدن البوكمال وذيبان وغيرها، وفي أيديهم صور أبنائهم، وعلى وجوههم سؤال واحد: إلى أين رُحِّل أبناؤنا؟
القضية التي تحركت بها الساحة ليست جديدة، لكن اتساع أبعادها بدأ يتكشف ببطء، في الـ 21 من كانون الثاني/ يناير 2026، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" عن مهمة لنقل معتقلي تنظيم "داعش" من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق، وخلال 23 يوماً فقط، طارت طائرات عسكرية أمريكية محمّلة بما يزيد على 5700 معتقل من سجون الحسكة ومحيطها إلى مرافق احتجاز داخل العراق، بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والحكومة العراقية.
شهادات الأهالي
أحمد الأسمر، مندوب المنطقة الشرقية، كان حاضراً في الوقفة، وثّق بالأسماء 4400 سورياً من أبناء العشائر ضمن هذه الدفعات. يقول إن هؤلاء لم يُنقلوا بناءً على أحكام قضائية سورية، بل كانوا "تكملة عدد" في صفقة أمنية دفعت بها "قسد" ثمناً لتعزيز نفوذها السياسي أمام التحالف الدولي، بعد أن أفرجت عن آخرين مقابل مبالغ مالية.
لم تُنكر واشنطن ولا بغداد ولا "قسد" ما جرى. العملية موثقة ومُعلنة، ما يجري النقاش حوله هو شيء آخر تماماً: قانونية نقل مواطنين سوريين لمحاكمتهم خارج بلادهم.
منار الأسمر من ذيبان تحمل صورة شاب لا يزيد عمره اليوم على الـ 23، تقول لـ المدن بصوت متقطع: "كان عمره 11 عاماً عندما دخل داعش إلى المنطقة. فكيف يرحّل ولد بعمر 11 سنة ليُحاكَم في العراق؟".
لا يطعن الأهالي جميعاً في التهم جملةً وتفصيلاً، حسين علي محمد من دير الزور واضح في كلامه لـ المدن: "لا نطالب بإطلاق سراح أي شخص ثبتت إدانته. لكن إذا ارتكب سوري جريمة في سوريا، فالمحكمة السورية هي من تفصل في أمره، لا قضاء بغداد".
شيماء أحمد العلي فقدت التواصل مع أخيها منذ كانون الأول / ديسمبر الماضي. أنزل بالرجل حكماً بالسجن 20 عاماً بتهم وصفتها بـ "الكيدية"، تقول لـ المدن إنها وعائلتها انتظرن من الحكومة الجديدة فرجاً، "لكن بدلاً من أن تردوا علينا أبناءنا، طلعنا نسمع إنهم رُحِّلوا".
الإشكالية القانونية التي يرفعها الأهالي ليست عاطفية فقط، القانون الدولي يُرسي قاعدة أساسية: المتهم يُحاكم في الدولة التي ارتكب فيها جريمته، أو في دولته الأصلية، أو أمام محكمة دولية. نقل آلاف السوريين إلى القضاء العراقي يصطدم مباشرة بمبدأ الاختصاص الإقليمي، خاصةً أن معظمهم لم يُثبَت ارتكابهم أي جريمة داخل الأراضي العراقية.
العراق من جهته يعتمد قانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 2005، الذي يُجيز محاكمة أي شخص ينتمي لداعش بصرف النظر عن مكان الجريمة، وهو تفسير موسّع يرى فيه حقوقيون دوليون تجاوزاً، يُضاف إلى ذلك أن تقارير سابقة وثّقت محاكمات سريعة في ملفات مشابهة تعتمد على الاعترافات، فضلاً عن أن العراق يطبق عقوبة الإعدام.
الحكومة السورية لم تُعلن موقفاً قانونياً واضحاً من العملية حتى اليوم، وغيابها عن المشهد هو ما يدفع الأهالي إلى الساحات.
مطلب الوقفة واحد في جوهره تصريح رسمي من السلطات السورية يوضح ما تفعله تجاه هذا الملف، ووقف أي عمليات ترحيل إضافية، حيث وجّه الأهالي نداءات مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، يطلبون "ساعة واحدة" من وقت المسؤولين للاستماع إليهم، إلا أن الساعة لم تأتِ بعد... والأمهات لا يزلن في الساحة.




