هل ستتابعين المحاضرة التالية؟
بهذه الكلمات توجّهتُ إلى زميلة كنتُ أراها للمرّة الأولى في محاضرات شهادة الماجستير في العلاقات الإسلاميّة – المسيحيّة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت. كانت قد لفتت انتباهي منذ اللحظة الأولى، إذ بدت لي أكبر منّا سنًّا وأكثر علمًا.
"لا، لن أبقى، لأن هناك من ينتظرني ليقلّني إلى صور"، بهذه الكلمات أجابتني.
صور؟ في هذا المساء، وكانت الساعة قد تجاوزت السابعة والنصف ليلًا؟ لماذا صور؟ سألتها.
"لأنني أعيش هناك، وبيتي هناك، وكلّ أهلي وناسي هناك."
كانت هذه دهشتي الأولى التي بدأت بها معرفتي بالدكتورة مهى أبو خليل. فالدكتورة مهى ابنة صور، وتعرفها معرفةَ من يسكن مدينة فتسكن كيانه.
لم يمضِ اليوم الأوّل إلاّ وجاءت دهشتي الثانية حين علمتُ أنها تحمل شهادة الدكتوراه في الإعلام من جامعة براغ منذ ما يزيد على ربع قرن. صرتُ أتابع باهتمام تصرّفاتها وأسئلتها وآرائها، سواء في الصف أو في غرفة الطلّاب.
وأدركتُ سريعًا أنني لا أجلس إلى جانب زميلة دراسة فحسب، بل أمام تجربة إنسانيّة كاملة، فريدة في تكوينها، وتراكم تجاربها، ورحابة مخزونها.
وأصدق القول أنني كنتُ شديدة الإعجاب بتواضعها، وبفكرها النقدي الحاد، وبإصرارها على إيصال فكرتها إلى المتلقّي، وبقدرتها على الوقوف عند الحدّ الفاصل بين عرض الرأي وفرضه.
أعرف الدكتورة مهى منذ حوالى عشر سنوات، وبرغم المحبّة العميقة، لم أتمكّن يومًا من مناداتها باسمها. فهي بالنسبة لي "الدكتورة" مهى. وبرغم طلبها المتكرّر أن أناديها باسمها، كنتُ أرى فيها اختصارًا لمفاهيم كبيرة:
مقدامة، جريئة، شجاعة، ومحبّة للمعرفة والفكر، وقلبها يتّسع لكلّ الاختلافات. وكنتُ كلّما اقتربتُ منها، ازددتُ دهشةً وإعجابًا.
سيّدة ستينيّة عادت إلى مقاعد الدراسة بهمّة طالب في سنته الجامعيّة الأولى؛ تحضر الصفوف، تكتب الملاحظات، تقدّم الأعمال بإتقان، وتلتزم بالمواعيد التزامًا كاملًا.
شغلت منصب مديرة الإعلام والعلاقات العامة في مؤسّسات الإمام الصدر «بيتها الثاني» كما كان يحلو لها أن تسميها، وظلّت من خلالها، وعلى مدى أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، تخدم مجتمعها باندفاع وحماسة، لا يفوقهما سوى صمتها العميق، ومحبّتها التي لا حدود لها لمدينتها، وللجنوب، وللبنان.
جلستْ إلى جانبي على مقعد الدراسة كفتاة عشرينيّة تتفتّح على المعرفة، تتفاعل معها، وتنهل منها، ولا تخاف من إبداء رأيها مهما كان مختلفًا.
كانت تمتلك موهبة التواصل الإيجابيّ مع الناس، حتى عند اختلاف الآراء؛ يبقى الإنسان هو الجوهر بالنسبة إليها. تتكلّم، تناقش، تجادل، لكنها لا تجرح، ولا تبتعد قيد أنملة عمّا تقتضيه آداب الحوار والجدل العلمي.
لطالما تمتّعت الدكتورة مهى بالسكينة والهدوء، وفي داخلها بركان يغلي ضد الظلم والطغيان بكل أشكاله.
وهنا أعود إلى دهشة أخرى رافقت صداقتي معها، حين علمتُ أنها مناضلة، شاركت ميدانيًا في العمل النضالي منذ كانت في السابعة عشرة من عمرها؛ سافرت، وسُجنت، ودرست، ونالت الشهادات، وتزوّجت، وأنجبت، وتعلّمت اللغات، وعملت، ثم عادت إلى صور، وظلّت تناضل بالفكر والتوعية والحرص على التمسّك بالوطن.
فشكّلت مضمون رسائلها الصباحية التي اشتهرت بها بين عارفيها...
وأخيرًا، جاء الخبر الذي هزّني كما هزّ كلّ من عرفها... لم أصدّق، لا بل رفضتُ أن أصدّق، ظللتُ أمني النفس أن يكون الخبر كاذبًا... لكنه لم يكن كذلك!
ثلاث دقائق قبل سريان وقف إطلاق النار، غارة إسرائيليّة استهدفت مدينة صور ودمّرت خمسة مبانٍ من ضمنها بيت الدكتورة مهى، فاستشهدت! وكيف لنا الصباحات نفسها بدون رسائلها؟
سيّدة الدهشة الكبيرة... والكثير الكثير من الصمت، والحكايا التي لم تُقَل.
ستبقى الدهشة التي زرعتها فينا حيّة لا تفارقنا، لأن بعض الأشخاص لا يغادرون حقًا... بل يتحوّلون إلى أثرٍ، يشبه الضوء، قد يخفتُ أحيانًا، لكنه لا ينطفئ أبدًا.


