لم تكن "بئر العبد" يوماً مجرد نقطة جغرافية في الضاحية الجنوبية؛ كانت هي الرئة، والقلب النابض بالازدحام، والمقصد الذي لا ينام. اليوم، ومع سكوت المدافع، تبدو الجولة في شوارعها أشبه بالمشي فوق جرحٍ مفتوح. هنا، لا يحتاج الدمار إلى لغة ليشرح نفسه بها، فالحجارة المتراكمة عند مداخل "شارع الشورى" تروي حكاية "تسونامي" من نار مرّ من هنا، تاركاً خلفه هياكل خرسانية كانت، حتى الأمس القريب، بيوتاً عامرة.
واجهات الذاكرة الممزقة
على أرصفة بئر العبد التي كانت تضيق بالمارة، تقف اليوم واجهات المحال التجارية كشواهد على الفجيعة. في أحد زوايا الشارع، يبرز متجر لبيع الألبسة، لم يبقَ منه سوى اسمه المعلق بخيطٍ رفيع. خلف الزجاج المحطم، تطل "المانيكانات" البلاستيكية بوجوه مشوهة، ترتدي بقايا أثواب احترق نصفها وتمزق الآخر. مشهد الثياب المتدلية من بين الركام، بألوانها الباهتة بفعل الرماد، تختصر حكاية شارع كان يشهد زحمة الأعياد والصباحات المليئة بالحياة.
ليس بعيداً، يقبع محل للحلاقة، مرآته الكبيرة التي عكست وجوه أبناء الحي لسنوات، تحولت إلى شظايا متناثرة. الكراسي الجلدىة مائلة وسط الغبار، وكأن الحلاق والزبون غادرا على عجل، تاركين خلفهما تفاصيل يومية لم تكتمل، في منطقة كانت تُعرف بأنها الشريان التجاري والحيوي الذي لا يهدأ.
شارع الشورى: الصمت الثقيل
عند الوصول إلى تخوم شارع الشورى، يتغير المشهد ليصبح أكثر قسوة. الركام ليس مجرد حجارة، بل هو طبقات من حيوات الناس. هناك، يقف رجلٌ ستيني، يحدق بذهول وصمت في كتلة من الإسمنت كانت يوماً غرفة جلوسه. لا يبحث عن أثاث أو مال، بل يحاول، بيديْن مرتجفتين، نبش "كادر" صورة قديمة أو مفتاح بيت لم يعد له وجود.
الحيرة هي السمة الغالبة على وجوه العائدين. يتجمعون في حلقات صغيرة، يتبادلون عبارات الحمد الممزوجة بغصة مكتومة. يعاينون الأضرار ليس كمهندسين، بل كأصحاب ذكريات؛ فهذه الشرفة التي سقطت شهدت كؤوس الشاي في المغيب، وهذا الحائط الذي تهاوى كان يسند أحلام عائلة صغيرة.
استعادة الهوية من بين الرماد
في بئر العبد، الدمار "بيحكي"، كما يقول الأهالي. يحكي عن شوارع كانت تضج بأصوات الباعة وأبواق السيارات، واليوم يسكنها صرير الحديد الملتوي وخطوات الناس الحذرة. المحاولات الخجولة لجمع ما تبقى من أمتعة من تحت الأنقاض ليست مجرد عملية تنظيف، بل هي فعل استعادة للهوية. كل غرض يُنتشل، مهما كان بسيطاً، هو انتصار رمزي على محاولة المحو التي تعرضت لها المنطقة.
تخرج من بئر العبد، ويبقى صدى الحزن في عيون الناس يلاحقك. المنطقة التي كانت "سوق الضاحية" الأبرز، تقف اليوم بانتظار من يلملم جراحها، مؤكدة أن الحجر قد يسقط، لكن روح الشارع التي تسكن في ذاكرة العابرين والساكنين، تبقى عصية على الانكسار، بانتظار فجرٍ تعود فيه الحياة لتدبّ في أوصال "الشورى" وساحات بئر العبد الحزينة.




