على فوّهة هدنة: صامدون في مراكز الإيواء لعدم خسارة أماكنهم

نغم ربيعالأحد 2026/04/19
Image-1774377890
لم تشهد مراكز الإيواء في العاصمة حركة إخلاء وعودة واسعين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تنعكس الهدنة في لبنان على النازحين من الضاحية الجنوبية لبيروت كما كان متوقعاً. فمع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس – الجمعة، لم تشهد مراكز الإيواء في العاصمة حركة إخلاء وعودة واسعة، بل ظل معظم القاطنين فيها متمسكين بأماكنهم، كأن الهدنة بالنسبة لهم مجرد خبر سياسي بعيد عنهم، لا يكفي وحده لإعادة فتح الطريق إلى البيوت.

 

الخوف من خسارة المكان

في باحات المدارس الرسمية، حيث تحولت الصفوف إلى غرف نوم مؤقتة، لا تزال الفرش الإسفنجية ممددة على الأرض، والحقائب متراصة قرب الجدران، والبطانيات معلقة على الكراسي. هنا، لا أحد يتعامل مع الهدنة بوصفها نهاية مؤكدة للحرب. الخوف من تجدد العدوان الإسرائيلي، أو من فقدان مكان آمن في حال اضطروا إلى النزوح مجددًا، يدفع كثيرين إلى تأجيل قرار العودة، وحجز مكان لهم آمن في تلك المراكز. 

بعض النازحين يترقب استقرار الوضع الأمني قبل المغادرة، فيما تعذر على آخرين العودة أصلًا بسبب الدمار الذي طال بيوتهم أو قراهم أو أحياءهم. أما فئة ثالثة، فتفضل الانتظار خشية أن تغادر مراكز الإيواء ثم تجد نفسها بلا مأوى إذا تبدل المشهد فجأة.

 

"لا شيء يشبه بيتك…"

إنعام السباعي كانت واحدة من القلائل الذين قرروا المغادرة. كانت ترتب أغراضها بهدوء، استعدادًا للتوجه إلى منزلها في برج البراجنة لتفقّد الأضرار. تقول: "لا أعرف كيف هو الوضع. سأذهب لأتفقّد الأضرار، وإذا استطعنا سنبقى". ثم تضيف بحسرة واضحة: "لا شيء يشبه بيتك… غرفتك… سريرك. بعين الله".

في إحدى زوايا مركز الإيواء، كانت امرأة تسأل عمّا إذا كان بالإمكان استقبال ابنتها. جاءها الجواب سريعًا: لا مكان. تروي لاحقًا لـ "المدن" أن ابنتها كانت قد نزحت إلى البترون، ثم طُلب منها المغادرة بعد إعلان الهدنة، فانتقلت إلى بلدة برعشيت، لكن المكان هناك غير صالح للاستقرار، على حدّ تعبيرها. تقول "ابنتي معها رضيعة عمرها أربعة أشهر. لا تعرف أين تذهب الآن".

 

أماكن محجوزة

ويؤكد أحد مسؤولي مراكز الإيواء في بيروت أن معظم الذين غادروا فعلوا ذلك بصورة مؤقتة. ويقول لـِ "المدن": "كل الذين خرجوا تركوا أغراضهم في الغرف. يقولون إنهم سيعودون. بعضهم ذهب ليبدّل ثيابه أو يتفقد منزله فحسب، لكن الجميع تقريبًا تواصلوا معنا لنبقي أماكنهم محجوزة ونحفظها لهم". 

سهام حمية، النازحة من طريق المطار، كانت قد ذهبت أمس لتفقد منزلها. عادت أدراجها سريعًا إلى المركز. تقول: "هناك أضرار كثيرة في المبنى، ولا أحد عاد إليه بعد. لا مياه ولا كهرباء، والمنطقة ما زالت خطرة وغير مؤهّلة للسكن".

 

إشارة من القيادة

بالنسبة إلى كثيرين، لا يرتبط قرار العودة بالوضع الميداني فحسب، بل أيضًا بانتظار موقف سياسي واضح. تقول فاطمة خير الدين، النازحة من الضاحية الجنوبية: "لا أريد العودة الآن. نحن لا نتحرك إلا بإشارة واضحة من قيادتنا". تضيف بلهجة امتزج فيها القلق بالغضب: "أين نعود؟ القصف لم يتوقّف كليًا بعد".

وتعبّر عن امتعاضها من غياب الدولة عن متابعة أوضاعهم، قائلة: "أنا أرملة وأستفيد من مساعدات وزارة الشؤون الاجتماعية. منذ شهرين لم تصلني المساعدة. أريد المئة دولار التي كنت أعتمد عليها".

الخوف نفسه يلازم وردة فضل الله، التي تقول باقتضاب: "ما زلت خائفة. الخوف يسيطر عليّ. سننتظر عشرة أيام لنرى ماذا سيحدث".

في إحدى الغرف الضيقة، كانت لينا شحيمي تعدّ طعام الغداء على فرن غاز صغير: بطاطا وبرغل مع الدجاج. رائحة الطعام تملأ المكان، لكن صوتها بدا مثقلًا بالتعب. تقول: "ذهبت أمس إلى البيت، بدلت الثياب الشتوية بالصيفية وعدت إلى هنا. لا نريد أن نحزم أغراضنا كل بضعة أيام". ثم تضيف: "لا شيء يهمّ الآن… المهم أن ينتصر شبابنا".

أمّا نورما زين الدين، التي يقع منزلها في الليلكي، فتقول إنها لم تذهب أصلًا لتفقّد بيتها: "الوضع غير مستقر. لا يمكنني أن أخسر مكاني هنا ثم أضطر إلى النزوح من جديد".

وبالنسبة إلى وسام مسلماني، النازح من بلدة مركبا، يبدو القرار محسومًا: "لن أغادر إلا عندما أعود إلى مركبا. حتى ذلك الحين، سأبقى هنا".

هكذا، تبدو الهدنة بالنسبة إلى هؤلاء هدنةً مؤجّلة المعنى. فهي لم تتحول بعد إلى طمأنينة يومية، ولا إلى قرار جماعي بالعودة، بل بقيت معلقة بين خوفٍ لم ينتهِ بعد، وبيوتٍ لم تعد صالحة للسكن، وانتظارٍ طويل لإشارةٍ ما… تقول لهم إنّ الطريق إلى البيت أصبح آمنًا فعلًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث